نحو إيتيقا ماركسية 1: من التمرد إلى التنظم

 



في مرحلة تفكك الساحة السياسية القديمة ومحاولات بناء الجديد الراهنة، تواجه الحركة الماركسية (في تونس) عدة صعوبات عملية. لا تعود في أغلبها إلى فهم التشكيلة الاجتماعية الصينية أو إشكاليات التجارة اللامتكافئة بل إلى مسائل من نوع آخر. مسائل عادة ما يهمل تنظيرها، إذ يظن العديدون أن النظرية تهتم حصرا بالمسائل "الكبرى"، البعيدة عن واقع الماركسيين في المرحلة الراهنة.

أما الوضع الاجتماعي والنفسي والإيديولوجي الملموس فهو محل تعامل براغماتي. ومتى كتب عنه كانت الأوهام المثالية والمواعظ الأخلاقية. صور للمناضل الشيوعي كبطل ملحمي، أدت خاصة في غياب ملاحم حقيقية إلى أسوإ كاريكاتور من البطولات الوهمية والمعارك الدونكيشوتية، في شارع الحبيب بورقيبة أو على منصة فيسبوك.

خلق ذلك نوعين كبيرين من المشاكل. صار البعض براغماتيين كلبيين. قد لا يهاجمون المثل الأخلاقية صراحة لكنهم يعتبرونها مجعولة لاستهلاك السذج والتوظيف لبلوغ الأهداف العملية. أما البعض الآخر فقد تخلى عن بلوغ أي أهداف سياسية عملية، وكرس ممارسته إلى السعي للارتقاء، الفردي والجماعي، إلى معايير أخلاقية مثالية، إلى نوع من النقاء الأخلاقي.

في مثل هذه الحالة الضبابية حول واقعنا من الطبيعي أن تكثر المشادات والمهاترات وأن يصعب حلها بشكل بناء. فتكون عادة فرصة التراشق بتهمة "البرجوازية-الصغيرة" وحزمة من التهم المتجددة والمتزايدة: السلطوية، الوصاية، النفاق، حب الظهور، التكبر، الانفصال عن واقع الشعب، المبالغة في التنظير، التبرجز، الرجولية، المحافظة، الليبرالية، إلخ.

تمتد إذن الأخلاقوية داخل الأوساط اليسارية بل ولعلها تترعرع  نظرا للردة السياسية الرهيبة وصعوبة تحقيق أهداف سياسية "كبرى" تمس سلطة الدولة. تختلف طبعا هنا المرجعية الأخلاقية عن المعايير السائدة اجتماعيا، لكنها تبقى ضمنية وبذلك إيديولوجية وضبابية ومتناقضة. ليست استمراريتها وقطيعتها مع المعايير السائدة واضحة ومنتظمة عبر مختلف المسائل. كما يجعلها هذا النقص في الوضوح محل توظيف للأقدر حسب الوضعية.

يعتبر الماركسيين أن الأخلاق أحد عناصر الإيديولوجيا في كل مجتمع وأنها تتشكل وتعيد التشكل تاريخيا، في علاقة بتطور البنى الاجتماعية (الاقتصادية والقانونية والإيديولوجية والسياسية) والصراعات الطبقية، وأنها، بصفة عامة، ليست شيئا « طبيعيا » أو فوق التاريخ.

إذا أخذنا الماركسيين كأفراد في الحياة الاجتماعية اليومية، يمكن أن نرى أن كلا منهم يقدم، حسب تقديره، التنازلات الضرورية، لهذه الأخلاق السائدة. في نفس الوقت ليس الماركسيون في قطيعة مطلقة مع هذا المجتمع وهم يحملونه "داخلهم" (نفسيا، إيديولوجيا، أخلاقيا) إلى حد ما.

عندما نتناول الآن الماركسيين في مجال العمل السياسي، وهو عمل جماعي، يحتاج تنسيقا واتفاقا بين أفراد، تطرح إشكالية. نلاحظ أنهم وإن اشتركوا نسبيا في أرضية نظرية وسياسية يختلفون كأفراد في ممارساتهم ونفسيتهم وعقليتهم. يعود ذلك طبعا إلى قصة الحياة المختلفة نسبيا التي عاشها كل منهم والتي نحتته. يخلق هذا المستوى (إلى جانب المستوى النظري والسياسي طبعا) صعوبات في الاتفاق على قرارات ثم تنفيذها. كما نفتقد إلى مرجعية لفرز السلوكات وتقليص التشويشات التي تخلقها للعمل السياسي. يحل ذلك عادة بنكوص (انتقائي) إلى الأخلاق السائدة أو إلى تأويلات سياسية-إيديولوجية تعسفية ("سلوك برجوازي-صغير"، "سلوك ليبرالي"…).

تحمل هذه الإشكالية تشعبات أخرى. الماركسية منهجية نظرية وحركة سياسية، وليست دينا ولا هي فلسفة أخلاقية. لا تشمل غاياتها التحكم في حياة الأفراد. لكن من وجهة نظر سياسية، نرى أن ما يخرج على المجال السياسي أي ما يمكن تسميته، الحياة اليومية للأفراد (الماركسيين)، له انعكاسات على نشاطهم في المجال السياسي.

ينتج عن هذا الكلام نقطتان. لا يمكن الاكتفاء بنفي الأخلاق السائدة. يحتاج الماركسيون إلى معايير لتنظيم عملهم السياسي الجماعي وحياتهم الفردية فيما يتعلق بهذا العمل السياسي. تأتي النقطة الثانية تلقائيا. مرجعية هذه المعايير ليست مطلقة بل تنطلق من متطلبات النشاط السياسي الماركسي.

لذلك نقترح تسميتها بالايتيقة السياسية. فهي على عكس الأخلاق، يجب أن تحدد بشكل واعي وطوعي وديمقراطي وعقلاني لتيسير بلوغ غايات سياسية. كما أنها مؤقتة وقابلة للتغيير والتعديل على ضوء التجربة ونتائجها، وليست منزلة من الخارج كمبادئ متعالية (ترنسندنتالية).

تشبه هذه الإيتيقا أكثر التشريعات الوضعية، لكنها لا تستند في تطبيقها بالأساس إلى منطق العقاب بل إلى محاولة الانضباط والالتزام الطوعي.

واقع الممارسة في الأوساط اليسارية: التمرد على السائد

يعارض العديدون، في الأوساط اليسارية وضمن الشباب المتمرد، الرأسمالية ويتحدثون عن الشيوعية وربما يقولون أنهم شيوعيون. يحمل هذا الحضور المتواصل للشيوعية ولمناهضة الرأسمالية، دلالات متناقضة. فقد يدل على حيوية الفكرة الشيوعية وراهنيتها كحركة سياسية. بينما تشير العناصر التالية، بالعكس، إلى تحنطها كحركة سياسية فعلية، وتحولها إلى تراث يشكل ثقافة-فرعية، إلى جملة من الرموز، إلى استعراض محاكاة أو تمويه.

فلو حسبنا عدد الشيوعيين ومناهضي الرأسمالية مثلا بكمية « الميمز » والمناشير الشيوعية والمناهضة للرأسمالية على الأنترنت (صور شخصيات ورموز ونصوص…)، قد نجد أننا في البلاد التونسية مئات وربما بضع آلاف. لكن الحركة السياسية الشيوعية لا تضم هذا العدد. كيف يفهم ذلك؟

يجب في مستوى أول التفريق بين الشيوعيين والمتعاطفين مع الشيوعية. فهناك حتما أناس يستحسنون فكرة المساواة التامة بين الناس وربما الملكية العمومية لوسائل الإنتاج، قد يصوتون في انتخابات لحزب شيوعي، قد يدافعون عن فكرة الشيوعية في الفضاءات الاجتماعية التي يتواجدون فيها، لكن إلى أي مدى هم مستعدون  للنضال السياسي الممنهج؟

قد يسمي هؤلاء أنفسهم بالشيوعيين وليس هذا مشكلا في حد ذاته، لكن يجب أن يضعهم التحليل في مكانهم المحدد. لا تمثل هذه المجموعة مشكلة لأن فرزها سهل عما سنسميه بالشيوعيين الماركسيين أو الماركسيين باختصار. يطرح فرز هؤلاء إشكالات ضمن ما يمكن تسميته بالأوساط اليسارية الناشطة أو المناضلة.

الموضوع الرئيسي لهذا النص هو البحث في عناصر أولية لإيتيقية يحاول الماركسيون الامتثال لها. إن كانت الغاية من المعايير الإيتيقية بلوغ الأهداف السياسية للماركسيين، فهي تمكّن أيضا عرضيا من تعريفهم في الممارسة وفرزهم عن غيرهم. لنكتفي مؤقتا بالقول أن الماركسيين هم من يمارسون السياسية على أساس المنهج النظري لماركس وانجلس ومن نسجوا على منوالهما من الماركسيين الثوريين. باقتضاب شديد نذكر هنا هذه المقولات من البيان الشيوعي:  

« ما هو موقف الشيوعيين تجاه البروليتاريا ككل؟ الشيوعيون لا يشكلون حزباً منفصلاً معارضاً للأحزاب العمالية الأخرى. ليس لديهم قط مصالح تفصلهم عن البروليتاريا ككل. لا يضعون مبادئ خاصة يريدون أن يشكلوا على أساسها الحركة العمالية. (...) الهدف المباشر للشيوعيين هو نفسه هدف جميع الأحزاب العمالية: تكوين البروليتاريين كطبقة والإطاحة بالهيمنة البرجوازية، واستيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية. »

سينطلق التفكير من الأوساط اليسارية كأوساط اجتماعية لا كتيار سياسي: "اليسار"¹. الحديث هنا عن جماعات أصدقاء مرتبطة بمؤسسات مثل الجامعات (إتحاد الطلبة) والجمعيات (اليسارية طبعا) والمجموعات السياسية اليسارية إلى غير ذلك من المؤسسات التي تلتقي وتتقارب في فضاءات وأنشطة عدة. الممارسات الرئيسية لليساريين هي الحديث عن السياسة، أساسا في فيسبوك وأيضا في المقاهي والحانات، وتنظيم وحضور المظاهرات وأيضا الندوات إلى ما شابه ذلك. تنتج هذه البنى والممارسات ثقافة يسارية: جملة من الخطابات والرموز. تتنوع من الحديث عن والحرية والشيوعية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتقاطعية والديكولونيالية والشعبوية إلى أنماط لباس ومظهر خصوصية.

في مستوى ما من التجريد إذن، تتماثل الأوساط اليسارية مع ما درجت تسميته بثقافات فرعية أو ربما ثقافات-معارضة أو ثقافات-مضادة. مجموعات أقلية تتجمع على تعبيرات خطابية-رمزية وممارسات متمردة على الثقافة والممارسات الاجتماعية السائدة-الأغلبية.

من بين الفوارق العديدة على المستوى الملموس، بين الأوساط اليسارية وغيرها من الجماعات المتمردة، سنتوقف عند عنصر السياسة الذي يهمنا. لنتساءل هل السياسة عنصر خاضع للبنية الأساسية للجماعة الأقلية-المتمردة؟ أم أن السياسة هي العنصر البنيوي الأساسي المحدد لطبيعة الأوساط اليسارية وأن تشابهها مع الجماعات الأقلية-المتمردة الأخرى عرضي؟

 توجد السياسة بمعنى ما في مركز تجمع الأوساط اليسارية كجماعات اجتماعية، لكن بأي معنى؟ من الواضح أنها ليست موجودة بالمعنى الماركسي، أي بمعنى تشكيل البروليتاريا كطبقة وإقامة سلطتها. على مستوى الخطاب والممارسة لا تتعدى مسألة البروليتاريا وطريقة الوصول إليها وتنظيمها مكانة هامشية. لا يستحق الواحد أن يحاجج كثيرا للقول أن أفعال وخطاب هذه الأوساط تحكمه أهداف أخرى ومنطق آخر عن وعي أو دونه.

ليس هذا المنطق جديدا ولا غريبا أو مجهولا. يعود صعوده إلى أزمة الأحزاب "السوفياتية" وفشل معارضاتها الماركسية الأخرى (تروتسكية، ماوية، يسارية) بداية من سبعينات القرن الماضي. ارتبط ببعض تيارات ما سمي باليسار الجديد. سرعان ما تشكلت في الجامعة تعبيرة إيديولوجية عن هذه الممارسات. تسمى عادة بالمدرسة بعد-البنيوية. وصفت منطقها وعقلنته وأعطتها مشروعية إيديولوجية وحججا في وجه الماركسية بشكل صريح².

نظرا لتفاوت حركة التاريخ، كان يجب أن تمر تونس بالثورة وأن تتأزم "الشيوعيات" التونسية (حزب العمال، الأوطاد، التروتسكيون، الماويون) لتهيمن الحالة بعد-الحداثية³. في الفترة الزمنية الفاصلة كانت الحركات الماركسية قد تلقت عدة ضربات أخرى: سقوط الاتحاد السوفياتي ورأسملة الاقتصاد الصيني وانهيار أو انحسار جل تجارب البناء الاشتراكي والأحزاب الماركسية. كما أن انتشار أنترنات وهيمنة اللغة (الإمبريالية) الانجليزية ضمن الطبقات الوسطى، فرش أرضية خصبة لتسريع صعود هذه الحالة اليسارية بعد-الحداثية.

وإن لم يكن سواد اليساريين يقرأون ميشال فوكو أو جوديث بتلر ليطبقوا نصوصهما، فإن هذه الكتابات قد ولجت إلى جوهر الحالة التمردية-الأقلية ، ووصفت المنطق الذي يحكمها.

لا يتسع هذا المقال العودة عليها بالتفصيل طبعا وسيكتفي بالتطرق لفكرتين مركزيتين يمكن منهما اشتقاق جل الممارسات التي تميز  الأوساط اليسارية في حالتها الراهنة.

يؤكد فوكو أن السلطة، وهي مفهوم مركزي عنده، شبكة متناثرة من الهيمنات الصغيرة الحاضرة في كل تفاصيل الحياة الاجتماعية، ولا يعتبر أنها تفرعات لبنية عامة متناسقة. يستنتج من ذلك أن كل مشروع كبير للتغيير الاجتماعي-السياسي الكلي، لا يمكن إلا أن يفشل بل أن يقود إلى الاستبداد⁴.

وربما تكفي هذه الفقرة التي يمكن إيجاد أمثال متعددة لها في جل كتابات بتلر لتلخيص المنطق التمردي: « بخلاف نظرة تصور أن اشتغال السلطة في المجال السياسي يتم حصريًا من خلال كتل منفصلة تتنافس فيما بينها للسيطرة على مسائل السياسة، تؤكد الهيجمونية على الطرق التي تشتغل بها السلطة لتشكيل فهمنا اليومي للعلاقات الاجتماعية، وتنسيق الطرق التي نقبل بها (ونعيد-إنتاج) تلك العلاقات الضمنية والمستترة للسلطة. ليست السلطة مستقرة أو ثابتة، بل يتم إعادة تكوينها في منعطفات مختلفة من الحياة اليومية؛ فهي تشكل إحساسنا الهش بالفطرة السليمة، وترسَّخ باعتبارها الإبستام [épistémè]⁵ السائد في ثقافة ما. علاوة على ذلك، لا يحدث التحول الاجتماعي بمجرد حشد أعداد كبيرة من الناس لصالح قضية، بل من خلال الطرق التي تعاد بها مفصلة العلاقات الاجتماعية اليومية، وتفتح بها آفاق مفاهيمية جديدة من خلال ممارسات غير عادية أو متمردة. »⁶

إنطلاقا من هذا المنطق يسهل فهم أهم خصائص ممارسة الأوساط اليسارية. إذا كان التحرر يوجد دائما في التمرد على معايير سائدة-أغلبية اجتماعيا، فهو إذن تمردي-أقلي تعريفا وجوهرا. الممارسة التحررية لا يمكن إذن أن تسعى إلى الصير أغلبية، سائدة، مهيمنة، وبالأحرى إلى إقامة سلطة ولا سيما ديكتاتورية البروليتاريا. ليس من الغريب إذن أن تتباهى المعارضات ، في نوع من الطهورية، بمعارضتها لـ "السلطة"، لا هذه السلطة أو تلك، بل السلطة كسلطة، أي السلطة السياسية في المطلق⁷.

وبما أن المشكلة المطروحة ليست مسألة تفكيك بنى ومؤسسات (العائلة، الشرطة، رأس المال…) متمفصلة بشكل معين وبناء تشكيلة اجتماعية جديدة، بل مسألة خروج عن تكرار الممارسات المعيارية التي تكرسها، تصير الشيوعية هوية أقلية-تمردية، جملة ممارسات لاسياسية متعلقة بالسياسة. فالشيوعية هنا ليست الشيوعية الماركسية بل تأخذ مكانها كخطاب وشفرة رمزية وممارسات في حقل من التمرد اللامعياري: التمرد على الملكية الخاصة بسرقة الكتب بدل شرائها؛ تزهد وتمرد (كاريكاتوري أحيانا) على أنماط الظهور والسلوك والحياة السائدة-"البرجوازية"⁸. 

ليس هذا الوصف بأي شكل إدانة أخلاقية للأوساط اليسارية وممارساتها التمردية ولا طبعا دفاعا عن المعايير الاجتماعية السائدة. كما لا شك أننا أيضا، نقوم بوعي أو غير وعي ببعض الممارسات التمردية اللامعيارية جماعة وأفراد. يجب تقييم هذه الممارسات من وجهة نظر سياسية حسب المعايير الماركسية التي سنحاول صياغتها.

إلى هذا الحد، لا تتجاوز غاية النص دعوة لينظر الشيوعيون إلى أنفسهم في المرآة، أفرادا وجماعات، وأن يتساءلوا حول ما هم بصدد فعله، عن الهوة بين ما قد يقولون أو يظنون أنهم يفعلون وبين ما يفعلونه حقا، بين الغايات والأهداف المعلنة أو الضمنية لممارساتهم وبين دوافعها الحقيقية. هل ما نقوم به فعل سياسي جدي؟ وبأي معنى هو سياسي؟ ما هي أهدافنا منه؟ هل لدينا ستراتيجية عقلانية-منطقية لبلوغ هذه الأهداف؟ ليختر الكل المكان الذي يناسبه بوعي ودون أوهام. المتمردون اليساريون ليسوا أعداءنا. لكنهم لا يمارسون السياسة بالمنهجية الماركسية.

من التلقائية إلى التنظم

مع ذلك يجب الإقرار أن الماركسيين ليسوا إلى حد اليوم، خارج الوسط اليساري. غير أنهم لا يقبلون بهذه الحالة ولا يطبعون معها، بل يجتهدون في محاولة الخروج نحو حالة بروليتارية، نحو "تكوين البروليتاريا كطبقة".

لا يمكن إذن أن تبقى الممارسة الماركسية فردية-شللية وأن ترضى بحالة أقلية-تمردية، بل هي تسعى بالضرورة لأن تصير طبقية-جماهيرية فشعبية. كما يترتب عن ذلك أيضا أن يكون لها أهداف واضحة وخطة لبلوغها، أي أن تكون ممارسة استراتيجية. 

فعلى عكس ما توحي به بعض الخطابات حول الليبرالية، لا تتناقض الأخيرة مع الممارسة الجماعية بصفة عامة. فهي ليست في الأوساط اليسارية مسألة انعزال الأفراد عن بعضهم البعض. بالعكس، عادة ما يشكلون شللا وجماعات مبنية على علاقات حميمية من صداقة وحب وعلى نزعات نفسية مشتركة. يتواجدون في نفس الوقت في تظاهرات مع عشرات وأحيانا مئات من الأفراد والجماعات الأخرى. هذه التجمعات الكبيرة (نسبيا) تحديدا، تقوم على التنوع والتلقائية وهي فضاءات  للتعبير عن الذات (الفردية أو الجماعية) لا تحقيق أهداف سياسية.

إذا أزحنا إمكانية تشكل البروليتاريا كطبقة ووصولها إلى السلطة بشكل تلقائي، فالسؤال الرئيسي الذي يجب أن تتمركز حوله اليوم محاولات الماركسيين النظرية والميدانية هو تنظيم البروليتاريا⁹. يتطلب تحقيق هذه المهمة وجود جماعة تضطلع بها.

يحتاج التقدم فيها مواردا وطاقات ومعارفا لا تتوفر عند أي فرد وتنسيقا ممنهجا بين كل هذا لا يمكن أن يتحقق تلقائيا. ما يطرح مسألة التنظم. لا داعي هنا للإطالة في تعليل هذه النقطة، فقد يختلف الماركسيون حول بعض خصائص وأدوار تنظيمهم السياسي ووظائفه (علاقته بالطبقة، علاقته بالسلطة السياسية، مؤسساته…)، لكنهم لا يختلفون على ضرورته لتنظيم البروليتاريا وإرساء سلطتها السياسية.

تنظم البروليتاريا يستدعي إذن أولا تنظم طليعتها: الاشتراكيون الماركسيون، بل لعله يستدعي تكوين وتكون هذه الطليعة. هذه المقالة مساهمة أولية في هذا الاتجاه.

يستتبع تبني النهج الماركسي الشروع في الاطلاع على النظرية الماركسية والتمكن من المنهجية التي تعتمدها وذلك عبر دراستها على ألسن وأقلام منظريها. فلا تحديد للأهداف السياسية على المدى القصير والبعيد، دون فهم للتشكيلة الاجتماعية التي يمارس فيها الماركييون السياسة. ينطلق هذا الفهم من نظريتهم.

في الحياة الملموسة تكون الأمور متشابكة ومتداخلة ولا يأتي الفرد للماركسية في فراغ مجرد، بل يجد نفسه مباشرة في وسط اجتماعي ووريثا لمسار تاريخه الفردي. مثلا لا يأتي للماركسية من قراءة النظرية ليطبقها بعد ذلك. أيضا، عندما يأتي للماركسية هناك ماركسيون وحركة وتنظيمات ماركسية سابقة له. هناك إذن تشابك زمني معقد لمستويات مختلفة من نظرية وممارسة وتنظم. كيف يمكن الانطلاق اليوم في تجاوز الحالة الأقلية التمردية نحو الحالة الماركسية السياسية؟

الخط الصفر هو تجاوز التلقائية نحو الفعل العقلاني الاستراتيجي. ولا يخرج الفرد من التلقائية في ليلة وضحاها بمجرد انخراطه الشكلي في مجموعة سياسية. إذ يوجد العديد من المنتسبين إلى تنظيمات، يعكس فعلهم مستويات عفوية لا تقل عن غيرهم.

يمكن أن تطرح ستراتيجيات مختلفة لتنظيم البروليتاريا، بل حتى تحديدات اجتماعية مختلفة لهذه الطبقة. لا سوء ولا مفر من تشكل عدة مجموعات ماركسية على هذا الأساس. هذا من شأنه خلق نقاش سليم. ثم على محك التجربة الواقعية يمكن تقييم مختلف هذه الستراتيجيات والتقدم في تشكيل الخط الماركسي البروليتاري الصحيح.

من واجب الماركسيين أفرادا وجماعات أن يدعوا لأفكارهم ومقترحاتهم الستراتيجية وأن يتجمعوا وتنظموا وينخرطوا مع من يشاطرونهم التوجه، لتجربته الميدانية.

يستدعي كل هذا مجددا حدا أدنى من المعرفة النظرية العامة بالماركسية والخاصة بالواقع الاجتماعي التونسي. في مستوى أدنى من التنظم قبل-السياسي، يشكل الماركسيون حلقات قراءة، يدرسون ويناقشون فيها النظرية الماركسية وتطبيقاتها الممكنة في الواقع التونسي. من هناك يمكن أن تنبع أفكار وخطط ومقترحات للمرور إلى الممارسة السياسية.

يتبع ...      


-----------------------------------

 ¹ حول اليسار كتيار سياسي، أنظر اليسار والشيوعية والماركسية، إزميل https://izmile.blogspot.com/2023/06/blog-post.html 

²  « عندما نبحث عن مصدر هذا الفقر في الخيال على الصعيد الاجتماعي-السياسي في القرن العشرين، يبدو لي، على الرغم من كل شيء، أن الماركسية تلعب دوراً هاماً. لذلك أتناول الماركسية. ستفهم إذن أن محور "كيف ننتهي من الماركسية" […] هو أيضًا أساسي في تفكيري. هناك شيء حاسم: أن الماركسية ساهمت ولا تزال تساهم في إفقار الخيال السياسي، هذه هي نقطة انطلاقنا.

[…]

من البديهي أن مثل هذه الفلسفة [الماركسية] تتضاعف وأن علاقات سلطتها تقبل الانجراف في دينامية آليات الدولة. ولتلخيص كل هذا، فإن الجوانب الثلاثة للماركسية [...] مرتبطة ارتباطًا جوهريًا لا مفر منه بمجمل علاقات السلطة. » ترجمت هذه الاقتباسات من حوار لميشال فوكو بعنوان « منهجية لمعرفة العالم: كيف نتخلص من الماركسية» :

Méthodologie pour la connaissance du monde : comment se débarrasser du marxisme, entretien avec R. Yoshimoto, 25 avril 1978, in Dits et écrits III (1976-1979)

³ حول هذه الحالة أنظر في الفعل السياسي الناشطي،إزميل https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html 

 « تدور جميع الصراعات الحالية حول السؤال نفسه: من نحن؟ إنها رفض لهذه التجريدات ورفض للعنف الذي تمارسه الدولة الاقتصادية الإيديولوجية التي تتجاهل من نحن فرديا، ورفض أيضًا للتفتيش العلمي أو الإداري الذي يحدد هويتنا. للتلخيص، الهدف الرئيسي لهذه الصراعات ليس مهاجمة مؤسسة سلطة معينة، أو مجموعة، أو طبقة، أو نخبة، بقدر ما هو مهاجمة تقنية خاصة، شكل معين من أشكال السلطة. يمارس هذا الشكل من السلطة على الحياة اليومية المباشرة، التي تصنف الأفراد إلى فئات، تحددهم بفرديتهم الخاصة، وتربطهم بهويتهم، وتفرض عليهم قانون حقيقة عليهم الاعتراف به وعلى الآخرين الاعتراف به فيهم.

[…]

في القرن التاسع عشر، جاء الصراع ضد الاستغلال لصدارة المشهد. واليوم، أصبح الصراع ضد أشكال الإخضاع - ضد إخضاع الذات - هو السائد أكثر فأكثر، حتى وإن لم تختفِ الصراعات ضد الهيمنة والاستغلال، بل على العكس.

[…]

أعرف ما هي الاعتراضات التي يمكن أن تُثار. يمكن القول إن جميع أنواع الإخضاع ليست سوى ظواهر مشتقة، تداعيات لمسارات اقتصادية واجتماعية أخرى: قوى الإنتاج، والصراعات الطبقية، والبنى الإيديولوجية التي تحدد نوع الذاتية التي يتم اللجوء إليها.

من الواضح أنه لا يمكن دراسة آليات الخضوع دون مراعاة علاقتها بآليات الاستغلال والهيمنة. لكن آليات الخضوع هذه لا تشكل مجرد "نهاية" لآليات أخرى أساسية أكثر. تربطها علاقات معقدة ودائرية بأشكال أخرى

[…]

يمكن القول، في الختام، إن المشكلة السياسية والإيتيقية والاجتماعية والفلسفية التي تطرح علينا اليوم ليست محاولة تحرير الفرد من الدولة ومؤسساتها، بل هي تحرير أنفسنا نحن من الدولة ومن نوع الفردية المرتبط بها. علينا أن نروج لأشكال جديدة من الذاتية رافضين نوع الفردية الذي فُرض علينا لعدة قرون

[…]

علاقات السلطة متجذرة بعمق في النسيج الاجتماعي؛ ولا تشكل فوق "المجتمع" بنية إضافية يمكن أن نحلم بإزالتها بشكل جذري.

[…]

تحليل وصياغة وإعادة -مساءلة علاقات السلطة، و"النزاع" بين علاقات السلطة وعدم-تعدي [instransitivité] الحرية، هي مهمة سياسية لا تتوقف؛ بل إنها المهمة السياسية الملازمة لكل وجود اجتماعي.

[…]

نرى لماذا لا يمكن أن يُرجَع تحليل علاقات السلطة في المجتمع إلى دراسة سلسلة من المؤسسات، ولا حتى دراسة كل تلك التي تستحق إسم "سياسية". تتجذر علاقات السلطة في مجمل الشبكة الاجتماعية. » ترجمت هذه الاقتباسات من:

Michel Foucault - Le sujet et le pouvoir, in Dits et écrits IV (1980-1988)

من المثير للاهتمام مهاجمة فوكو لفكرة اشتقاق أو تفرع علاقات السلطة من مستوى بنيوي أعلى واقتراحه النظر إلى تفاعل مختلف أنواعها بشكل دائري. يضرب هذا صراحة فكرة "بنية ذات (عنصر) مهيمن" التي روج لها ماركسيون منذ الستينات وعلى رأسهم ألتوسير وبولنتزاس، تحديدا وصراحة كنقيض للتفكير الدائري. بهذا المعنى يمكن القول حرفيا أن هذا التفكير الفوكولدي "بعد-بنيوي".

أما بالنسبة للتغيير الاجتماعي فقد دأب فوكو على الشك والتشكيك في مفهوم الثورة والتركيز على "الآثار الاستبدادية" التي خلفتها الثورات.

« عودة الثورة، هذه هي مشكلتنا […] إلا أن الأمر فعلا شيء آخر تمامًا في الستالينية. تعرف ذلك جيدًا: إنها مرغوبية الثورة نفسها التي تمثل اليوم مشكلة.

[…]

أعتقد، إذا شئت، أن ممارسة السياسة بطريقة غير سياسوية هي محاولة معرفة، بأكبر قدر ممكن من الصدق، ما إذا كانت الثورة مرغوبة. » ترجم من حوار:

Non au sexe roi (entretien avec B.- H. Lévy), Le Nouvel Observateur, n° 644, mars 1977, in Dits et écrits III (1976-1979)

« هل نشهد، في نهاية القرن العشرين، شيئا يمكن اعتباره نهاية عصر الثورة؟ يبدو لي أن هذا النوع من النبوءات، هذا النوع من الحكم بالإعدام على الثورة، أمر سخيف بعض الشيء. ربما نحن نشهد نهاية فترة تاريخية كان، منذ 1789-1793، على الأقل بالنسبة للغرب، يهيمن عليها احتكار الثورة، مع كل ما قد ينطوي عليه ذلك من آثار استبدادية مصاحبة، دون أن يعني اختفاء احتكار الثورة إعادة الاعتبار للإصلاحية. في النضالات التي تحدثت عنها للتو، ليس الأمر بالإصلاحية على الإطلاق، بما أن دور الإصلاحية هو تثبيت نظام السلطة بعد عدد من التغييرات، في حين أن كل هذه النضالات تتعلق بزعزعة آليات السلطة، وهو زعزعة لا نهاية لها على ما يبدو. » ترجم من محاضرة ألقيت في مقر صحيفة يابانية:

La philosophie analytique de la politique (Conférence donnée le 27 avril 1978 à l'Asahi Kodo, centre de conférences de Tokyo, siège du journal Asahi.), in Dits et écrits III (1976-1979)

مفهوم فوكولدي يشير إلى الإطار غير الواعي الذي تتشكل ضمنه "المعرفة" و"الحقيقة" في حقبة تاريخية معينة.

Judith Butler - Restaging the Universal: Hegemony and the Limits of Formalism, in Contingency, Hegemony, Universality: Contemporary Dialogues on the Left, JUDITH BUTLER, ERNESTO LACLAU and SLAVOJ ZIZEK

يدخل إلغاء السلطة السياسية ضمن أفق الحركة الماركسية في المرحلة الشيوعية المتقدمة. إلا أن بلوغ هذه المرحلة يتطلب تغييرات تنهي الاستغلال والانقسامات الاجتماعية والأممية إلى غير ذلك. تطلق هذه التغييرات سلطة سياسة اشتراكية.

السائد اجتماعيا في الرأسمالية ليس ممارسة ولا إيديولوجيا البرجوازية بل هو تركيب معقد من البنى والممارسات تحافظ على التماسك النسبي وإعادة-إنتاج تشكيلة اجتماعية تهيمن فيها البرجوازية.

 يشمل ذلك تحديد الملامح الاجتماعية الملموسة لهذه الطبقة في تونس، وهو موضوع يخرج عن إطار هذا النص. أنظر: حول الذات الثورية، إزميل  https://izmile.blogspot.com/2022/10/blog-post.html







                                                               

في الفعل السّياسي الناشطيّ



شهدت أواخر القرن العشرين وما تلاها تحوّل العمل السياسي الحزبي المنظَّم الذي كان يسود الساحة السياسية العالمية إلى فعل سياسي يأخذ شكل الناشطية. ونقصد بالناشطية هنا ما اصطلح عليه بـ"الأكتيفيزم" والذي انبثق منه مصطلح "الأكتيفيست" أو النشطاء الذي يطلق على مزاوليه.

درج هذا النوع من الفعل السياسي وتراوحت ممارساته بين الفعل الفردي الذي يأتي به شخص ما في علاقة بقضية تخصه شخصيا أو تخص مجال عمله أو سكنه أو محيطه الأوسع، والتحركات الجماعية التي تقوم بها مجموعات تتنظم في حملات أو حركات أو جمعيات أو تنسيقيات أو ائتلافات أو غيرها من أوعية التنظّم غير الحزبية.

يمكننا أن نلاحظ على مستوى أوّل أن الفعل السياسي الناشطي يكون في الأغلب نابعا من حدث بعينه أو من ممارسات معينة تلقى استهجانا فمعارضة ثم مطالبة بالعدول عنها ومحاسبة القائمين بها وجبر ضرر ضحاياها، كما يمكن أن يتحول الفعل إلى المطالبة بإصلاحات تمس بأسس وقوع ذلك الحدث أو تلك الممارسات.

ولعلّ أشهر الحركات الناشطية كانت تلك التي تعبّر عن نفسها بأنها مناهضة للعولمة (Anti-Globalisation Movements)، والتي تكونت حول أهداف من نوع معارضة السياسات النيوليبرالية المدفوعة من قبل المؤسسات المالية العالمية، أو أخرى كانت تقف في وجه استفحال اعتداء الشركات متعددة الجنسيات على العمال والبيئة والمستهلكين. فعلى سبيل الذكر، كان تأسيس الحركة الفلّاحية الأممية "لا فيا كامبيسينا" مرتبطا بمعارضة اتفاقية منظمة التجارة العالمية حول تحرير التجارة الدولية في المواد الفلاحية. أما في تونس، فقد كان مقترح قانون المصالحة الذي أتت به رئاسة الجمهورية سنة 2015 وراء تأسيس حملة "مانيش مسامح". فضلا عن العديد من المبادرات السياسية الأخرى، التي ضمت تكتلات وائتلافات جمعياتية وحزبية وشخصية، ربطت علة وجودها بالتصدي لإجراءات معينة أو معارضة قوانين وقرارات وسياسات ما.

ثم على مستوى ثان، نرى أن الفعل الناشطي في مجمله يميل إلى التخصص في قضايا بعينها. وهكذا نجد حركات تُعنى بحقوق الإنسان بصفة عامة، وأخرى يرتبط نشاطها بقضايا حقوق النساء أو التعبيرات الجندرية غير المعيارية، بينما تهتم غيرها بمسائل البيئة والمناخ، والقائمة تطول.

بالطبع لا يمكن إنكار أن التخصص في قضايا معينة يجعل من التركيز عليها وسيلة أكثر نجاعة لتحقيق أهدافها، مما قد يسمح باقتناص بعض المكاسب التي وإن اعتبرت انتصارات صغيرة، إلا أنها تُعدّ ذات منافع معنوية على الأقل، خاصة في حالات الركود واليأس. كما أن للتخصص أيضا القدرة على التعبئة وذلك من خلال الاعتماد على الرابطة العاطفية أو الهووية التي تجمع بين من تمسّهم القضايا الخصوصية وما لذلك من دور في تعزيز اللُّحْمة و القدرة على الضغط. ثم على صعيد آخر، كان اللجوء إلى التخصص بمثابة ردة الفعل على نقص اهتمام التنظيمات الحزبية ببعض القضايا أو تثاقل التفكير فيها وإدماجها في برنامج العمل السياسي أو حتى رفض الاشتغال عليها، فكان تهميشها هناك، أي في التنظيمات الحزبية، دافعا نحو تشكلها هنا، أي في الحركات الناشطية.

على كل حال، أصبحت الناشطية أمرا واقعا لا يمكن تجاهله، وأضحت أساليبها طاغية على الفعل السياسي حتى داخل العديد من التنظيمات الحزبية. بل قل إن الناشطية قد استفحلت في الساحة السياسية إلى درجة أن رئيس الجمهورية كان في الأساس ناشطا !

يمكننا إذن، على ضوء ما سبق، أن نقدم جملة من الخصائص التي يتميز بها الفعل السياسي الناشطي:

أولا، هو محتكم بدرجة كبيرة إلى ردة الفعل أكثر من كونه عملا سياسيا منظّما ومخطّطا له يحمل مشروعا متكاملا تمس من البنية والأسس التي يرتكز عليها نظام الحكم الذي يعارضه ويسعى إلى تغييره. فالناشطية تميل أكثر إلى ما يمكن أن نعتبره السياسة السلبية التي تكتفي بالرفض والمضاددة مما يجعل فعلها السياسي عفويا. وبما أن الحملات والحركات وغيرها من أشكال التجمّع الناشطي لا تخضع إلى مركزية فكرية وسياسية مضبوطة منهجيا، فإن مواقفها تنحو في أغلب الأحوال نحو القصووية الشعاراتية والاستعراضية الاحتجاجية، التي لا تستند في العديد من الأحيان إلى كتف تنظيمي ولا تحتمي في أغلبها بظَهْر شعبي، لتحقيق مطالبها أو تحمل مسؤولية تبعات احتجاجها. فتطغى حملات المناصرة واللوبيينغ التي تسعى إلى كسب تعاطف الفئات المهيمنة في الدولة والمجتمع بدل الضغط الاجتماعي-السياسي من تحت.

ثانيا، يوقع التخصص الشديد في قضايا معينة دون غيرها في مَغَبّة تغييب الصورة الكاملة للنظام القائم، فيتم اقتطاع الجزء من الكل، حتى يصير هذا الجزء هو العامل الأساسي في تحديد الفعل السياسي، فيخلق ذلك وهما بإمكانية حل بعض المسائل الكبرى دون تثوير البنية الاجتماعية السائدة. ولئن تشابكت بعض القضايا المتناثرة فالتقت العديد من الكتل الناشطية التي تحملها في ساحات الاحتجاج الشارعي أو الافتراضي، إلا أن هذا التشابك الموضوعي ومحاولات التشبيك الذاتية لم تتجاوز بعد الشكل التجميعي الترصيفي لبعض المسائل التي لا تتعامل مع الوضع القائم كبنية مترابطة لها قوانين تحكمها وعوامل تسيّر اشتغالها.

في كل الأحوال، لا تسقط الأفكار والممارسات السياسية من السماء، كما أنها لا تنتشر وتروج في الهواء، بل إن أرض الواقع، بما هي ساحة التقاء العلاقات الاجتماعية القائمة، هي التي تحدد وجود الظواهر السياسية ومدى انتشارها، والتي لا يمكن فهمها دون النظر في سياقها التاريخي.


السياق التاريخي للفعل السياسي الناشطي


يمكن اعتبار أن نشأة الفعل السياسي الناشطي وترعرعه قد رافقت ما قد يسمى بـ"الحالة ما-بعد-الحداثية". بصفة عامة، تتميز هذه الحالة برفض الذوق العام السياسي للسرديات الكبرى التي طغت على الفكر الفلسفي والسياسي منذ عصور التنوير والحداثة، والتي انبثقت عنها مشاريع سياسية ضخمة، حكمت معظم القرن العشرين. وبصرف النظر عن العوامل التي أدّت إلى ظهور هذه الحالة، فإن ما يهمنا هنا هي الأرضية التاريخية التي جعلت منها تنتشر وتصبح إيديولوجيا سائدة لدى العديد من معارضي النظام القائم، حتى ولو لم يتبنّوا أطروحاتها عُنْوَةً.

شهدت التشكيلات الاجتماعية المعاصرة الرازحة تحت النظام الرأسمالي العالمي، ما بعد الحروب العالمية وحروب الاستقلال، عدة تحوّلات مازالت آثارها قائمة وإن بدأت في الانحدار.

أولا، كانت محاولات الخروج عن الرأسمالية التي أتت بها العديد من التجارب في شرق الأرض قد أثّرت تأثيرا كبيرا على غربها وجنوبها. ففي المراكز الرأسمالية، كان الخوف من خطر الثورات العمالية قد دفع برأس المال إلى تخفيف وطأة الاستغلال من خلال اعتماد سياسات تُوَسِّعُ من حصة الطبقة العاملة في عائدات إعادة الإنتاج، أو ما يعرف بخدمات الرعاية (تعليم، صحة، نقل…). وأما في العالم الثالث، فقد أدى زخم التحرر من الاستعمار إلى الشروع في بناء اقتصادات تتجاوز التخلف الإقطاعي وعجزه عن تنمية القدرات الإنتاجية، فتم اعتماد الإصلاحات الزراعية ووضع مشاريع التصنيع والاستثمار في البنية التحتية الحيوية والإنتاجية.

من هنا شهدت الطبقات المنتجة في العالم تحسّنا مهمّا في ظروف حياتها، بفضل تعديل ميزان القوى لصالحها بنسبة مهمة داخل النظام الرأسمالي. وبما أن قطاعات الرعاية تتطلب هي بدورها يدا عاملة تؤديها، كان الاشتغال فيها من نصيب الطبقات الوسطى التي تخصصت في الأعمال الإدارية ووظائف تُعنى بالصحة والتعليم والنقل وغيرها. فأصبح الوجود المادي لهذه الطبقات أكثر وضوحا، فتعالى صوتها السياسي بوضوحٍ مُساوٍ لوجودها، خاصة بعد أن بدأ يهوي صرحها بفعل هجوم السياسات النيوليبرالية على خدمات الرعاية، وبالتالي على مواطن شغل هذه الطبقات الوسطى.

من جهة ثانية، ترافق تطور قوى الإنتاج، سواء على صعيد قوة العمل التي أصبحت شيئا شيئا أكثر كفاءة، أو على صعيد التقنيات المعتمدة والتي شهدت قفزات نوعية منذ الربع الأخير للقرن العشرين، ترافق ذلك مع تغير موازين القوى بين رأس المال العالمي الاحتكاري من جهة والعمل من الجهة المقابلة، فنتجت عن ذلك تهرئة عميقة للقوة السياسية والاقتصادية للطبقات المنتجة في العالم. فقد أصبح التحكم في الأسعار، أي أثمان السلع والخدمات وخاصة الأجور، سمة راسخة الوجود في النظام الرأسمالي العالمي بفعل تركيز الاحتكارات وميل معدلات الأرباح إلى الانخفاض.

ثالثا، أدّى التطور الهائل في الإنتاج الرأسمالي وتعدد السلع والخدمات المعاصرة إلى تقسيم عميق للعمل، جعل من إنتاج السلعة الواحدة موزّعا على سلسلة طويلة من المراحل التي تتخصص فيها أيادٍ وأدمغة مشتتة. تقسيم العمل هذا أدّى إلى الفصل الزماني والمكاني بين مكونات الطبقة العاملة حتى على مستوى قطاع محدد من الإنتاج، مثل الصناعات الميكانيكية والالكترونية، حيث يُصنع كل مكوّن على حدة، أو الصناعات الغذائية التي تفصل أصلا بين الحقل والمعمل، بين الفلّاح والعامل. بالتالي، لم تعد مراكز العمل مساحات لتجميع العمال خاصة في دول يطغى فيه قطاع الخدمات الذي لا يتطلب عددا كبيرا من اليد العاملة ولا يجمعها في مكان واحد، ويتخلف فيها القطاع الصناعي الذي لا تشغل مصانعه (إن لم نُصَنِّفها أصلا ورشات إنصافا للمصانع) أعدادا مهمة باستطاعتها أن توقف العمل وتهدد أرباح المالك من أجل تحقيق مطالبها، ناهيك عن قطاع فلاحي لا يحترم أصلا عدد ساعات العمل أو سلامة العاملين والعاملات فيه.

بناء على تحليل البنية المعاصرة للنظام الرأسمالي العالمي وتأثيراتها على التشكيلات الاجتماعية التي ترزح تحتها، فإن واقع تجزئة العمل وما نتج عنها من تذرية (atomisation) للطبقة العاملة في العالم قد انعكس على الفكر والفعل السياسي الذي أصبح مشتتا وتخصّصيا للغاية. ثم إن إضعاف القدرة السياسية والاقتصادية للطبقة العاملة يجعل من الصعب تجميع الناس حول مشروع سياسي يتجاوز مستوى المطالبة بحاجياتهم اليومية البسيطة والمباشرة، والتي يعجزون عن تحقيقها أصلا حتى يهتموا بالعمل السياسي المنظّم والدائم. ثم على صعيد سياسي إيديولوجي، لم تتحقق غايات المُثُل الديمقراطية التي نادت بها البرجوازية عند صعود نمط الإنتاج الرأسمالي بصفة كاملة، فتلقَّفَ مثقفو الطبقات الوسطى مهمة الدفع نحو تحقيق بعض المكاسب الديمقراطية، التي جعلوا منها مهمتهم السياسية الأساسية، إن لم تكن الوحيدة.

تمثل هذه البنية الجديدة للنظام الرأسمالي تحديا كبيرا للماركسيين  يظهر على مستويين اثنين:

أولا، كان نشوء التيار الماركسي معاصرا لتطور الطبقة العاملة في أوروبا الغربية خلال القرن التاسع عشر على الصعيد المادي-الكمّي والسياسي والإيديولوجي والذي تمظهر في رفضها القوي للاستغلال وتنظّمها الصارم في النقابات والأحزاب وتقبّلها بل وإنتاجها لنظريات الثورة والتغيير. بالتالي، يبدو أنه لا توجد "وصفة" في "أمهات الكتب" الماركسية للتعامل مع الوضع الحالي الذي يختلف، كما بيّنّأ أعلاه، اختلافا شديدا عن ظروف إصدارها.

أما المستوى الثاني من التحدي فيكمن في هشاشة التمكّن من منهجية الفكر الماركسي (نشدد على المنهجية كأداة تحليل وفهم في مقابل المساطر النظرية والشعارات الببغائية)، أي النظرة المادية للتاريخ ودور الصراع الطبقي في الدفع به إلى التقدم، هشاشةٌ تؤدي إلى الوقوع في الانتهازية النابعة عن فقر التحليل وكسله أو التذيّل العاجز للحركة العفوية.


التأليف والتجاوز


هناك مستويان مترابطان يحددان سبل تغيير واقع تاريخي ما: الصراع النظري من خلال نقد الإيديولوجيات الدارجة في أشكالها الحاكمة وخاصة المعارضة، هذا من جهة، والصراع الاجتماعي-السياسي الذي يعمل على تغيير الظروف المادية التي جعلت من هذا الواقع قائما ومستفحلا، من جهة مُصاحبة.

جاءت الحركة الماركسية في سياق تاريخي تداعت فيه كل المُثُل البرجوازية بالمساواة في الحقوق بين جميع المواطنين والبشر حين تبيّن أن هذه القيم لا تشمل جميع طبقات المجتمع وبالأخص أغلبيّته المنتجة. ثم أثبت نمط الإنتاج الرأسمالي شيئا فشيئا بأنه لا يأبه بحقوق الإنسان بصفة عامة، إذا كان تحقيقها يقف عائقا أمام تراكم رأس المال. وبالتوازي، لم تعد البرجوازية تلك الطبقة الثورية التي صارعت الإقطاع والمَلَكية المطلقة وتسامت على العلاقات القبلية والطائفية الضيقة. على هذا الأساس وبسببه، مازالت قضايا من قبيل حقوق النساء والهويات الجندرية غير المعيارية، وحقوق الأعراق المقموعة والشعوب المضطهدة والمجتمعات الأصلية المُبادة، والحقوق البيئية والمناخية والعيش في محيط سليم، والحقوق المدنية والسياسية الأخرى من حرية تعبير وتنظّم وغيرها، كلها مازالت قضايا على جدول أعمال العمل السياسي المعاصر. إلا أنه وفي نفس الوقت، قد حصر الفهم الليبرالي المعياري هذه القضايا في مجال حقوق متسامية على واقع الصراع الاجتماعي وموازين القوى بين البشر، فعجز عن تحقيقها. هذه القضايا التي تعود في نهاية التحليل إلى أسس مادية تتعلق بملكية وسائل الإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل وإعادة إنتاج المجتمع لنفسه داخل وحدة بنيوية عالمية لعلاقات الإنتاج الرأسمالي التي تأخذ شكلا إمبرياليا.

لكن التاريخ ما انفكّ يعلّمنا بأن الأفكار في ذاتها لا تتحقق من تلقاء كونها صحيحة أو نافعة أو خيِّرة أو جميلة، ولكن لأنها محمولة بقوى مجتمعية حية تحتضنها وتدفع بها إلى التحقق السياسي الفعلي. وما يلاحظ الآن، بناء على تحليل الفعل السياسي الناشطي أعلاه، أن القضايا التي تحتل الحيز العام في تونس مرفوعة على عاتق مجموعات تنتمي إلى الطبقات الوسطى بموظّفيها ومثقّفيها وطلبتها التي لا تتشارك فعليا في مصالح مادية صلبة، مما يجعلها عرضة لتذبذب المواقف. فكم من مناضل قام بمراجعات في لحظة ما وضعته في نقيض ما كان يدافع عنه ويدعو له؟ وكم من مناضل آخر أفنى عمره ينادي بشعارات لا تجد صداها ووقعها وتحققها المادي على أرض الواقع الاجتماعي والسياسي؟ ثم كم من محطة سياسية زادت في تعميق تشرذم القوى السياسية حول الموقف منها وكم من محطّة أخرى أرغمت توجهات مختلفة، بل متعارضة، على توحيد الصفوف عبر توافقات غريبة وتوازنات هشة؟

أما على صعيد مقابل، إلى متى ستظل الأصوات الماركسية تدعو إلى التغاضي عن "الاهتمامات البرجوازية" بدعوى الاحتكاك بالشعب وهمومه أو الانغراس صلب الطبقات الشعبية، وهي لم تُحدّد بعد، بدقّة نظرية وإمبيريقية، من هو هذا الشعب ومن هي هذه الطبقات الشعبية؟ بل إن السؤال العملي المحرج أكثر هو: ما مدى ثورية الطبقات الشعبية في تحقيق مهمة الانتقال إلى مجتمع أرقى بدل الاكتفاء بزعزعة نظام الحكم وتعويض رأس سلطة برأس آخر؟

هنا تأتي المهمة الأساسية لمن يتبنّون منهجية ماركسية في عملهم السياسي متمثِّلَةً في الدفع نحو أن تصبح أفكارهم وممارساتهم "تعبيرا عاما عن الشروط الحقيقية لصراع طبقيّ قائم على حركة تاريخية تجري أمام أعيننا"، ينزع عن الفعل السياسي السائد أسمال المثاليات المتعالية على أوحال الواقع المادي للمجتمع.


 
¹ ليس من الغريب أن تنتشر في وقتنا إذن تحليلات خصوصية للرأسمالية من نوع الرأسمالية الخضراء  والوردية والرأسمالية الباترياركية والبيضاء بل والقول بأن الرأسمالية قد تحولت إلى إقطاع تقني أصلا.

² يمكن التنبّه هنا إلى مدى تغلغل المشاريع السياسية المبنية على منطق "الأعمال الخيرية" وشعبيّتها، من قبيل مصاريف الختان وأضاحي العيد التي وزعها حزب حركة النهضة، أو المقرونة التي تباهى بتوفيرها نبيل القروي وحزبه، أو ما لا يعلمه أحد من الأشياء التي قامت بها "عيش تونسي".

³ ماركس وانقلز (1848)، البيان الشيوعي
https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1848-cm/02.htm