صائفة لا تنسى



لم تعد التغيرات المناخية التي نشهد آثارها بازدياد كل سنة منحنيات رياضية وسيناريوات محتملة فقط أو مجرد موجات متباعدة من الحرارة الشديدة التي ترطّبها المكيفات أو حرائق تشتعل جزافا في الغابات الجبلية تتلقفها خراطيم الحماية المدنية.


نزلت آثار هذه الظاهرة من تجريدها النظري وتواترها اللحظي إلى واقع نلمسه بشكل متكرر، على الأقل خلال فصل الصيف. فانقطاعات الماء في المنازل التي تتزامن في العديد من الأحيان مع انقطاعات الكهرباء لم تعد حوادث متباعدة. أصبحت في عديد الأحيان تهدد حياة الناس، ووقع أن أزهقتها في المستشفيات والسجون. هذا علاوة عن تداعيات انقطاع الطاقة الكهربائية عن المنشآت الاقتصادية وما يستتبع ذلك من اضطرابات في الإنتاج والتوزيع والتزويد.


من جهة أخرى زاد على جفاف الحنفيات، أزمة في توفير المياه المعدنية المعلبة. في حين أن جزءا من هذه الأزمة يعود إلى مشكلة عالمية في التزود بأحد المكونات لصناعة القوارير البلاستيكية متعلقة بالحرب على إيران وتضييقها على مضيق هرمز، فإن السياسة التجارية البوليسية زادت الطين بلة. إذ بسبب هرسلة تجار الجملة باسم محاربة "الاحتكار" (أي المضاربة)، انخفض التخزين.


نريد الرأسمالية لكن دون مضاربة! فنتعامل مع المشاكل الاقتصادية من منطلقات أخلاقية، حيث نتوهّم بأننا سنغير من بنية اجتماعية لها منطق حركة بمجرد محاربة الفساد والسرقة والاحتكار والمضاربة عبر تطبيق نصوص قانونية وفرض الالتزام بها. دولة الرأسمالية، تسن قوانين تتنافى مع قوانين هذه الرأسمالية نفسها، ثم تتفاجأ من المشاكل التي تنجر عن ذلك.


إذن وبحلول فصل الحر، عمَت تداعيات الأزمة أغلب المناطق ومست قطاعات اجتماعية ممن يتسع تأثيرهم ويصدح صوتهم فصارت المشكلة وطنية بالفعل، حيث أنها لم تقتصر على من همشتهم الدولة الوطنية بل طالت أيضا المجموعات المندمجة فيها.


وليست موجات الحرارة – التي أصبحت أقوى وأطول كل صائفة – بالكارثة الطبيعية التي يصعب توقّعها. كما أن تداعياتها ليست بالعشوائية. يخضع قياس درجات الحرارة والرطوبة، والتصرف في التيار الكهربائي والموارد المائية لقواعد الحساب، مما يخول تخطيط الإنتاج والتوزيع والتخزين والاستهلاك والتحكم فيها. يعني أنه على الرغم من ظهور الأزمة في شكل كارثة طبيعية وصعوبات تقنية، فإن كيفية التعامل معها وتجنبها أصلا، مسألة اجتماعية خاضعة بالضرورة لخيارات سياسية.


تقف هذه السياسة وراء انقطاع الكهرباء والماء في المنازل والمستشفيات والمنشآت الاقتصادية، وهي التي تقف عائقا أمام تفادي الحالات القصوى التي أدت إلى وفاة المرضى والمسنين، وهي التي تسببت في وفاة العديد من المساجين جراء الحرارة والعطش والاكتظاظ وظروف الإقامة السيئة بصفة عامة.


ورغم الاحتقان الاجتماعي الشديد الذي خلفته الأزمات المتتالية خلال هذه الصائفة، إلا أن جزءا كبيرا منه قد انحصر في استعراض رقمي لدوامة نفسية جماعية. في المقابل، ظل ممثلو الحكومة قليلي الظهور والكلام خلال هذه الفترة. أمر مفهوم بسبب عجزهم وخوفهم من الغضب الشعبي وانعدام مشروعيتهم السياسية أصلا. فهم اداريون تحت إمرة  الممثل السياسي الفعلي للشعب: الرئيس. فلم يلق هذا الأخير بالا للتقارير التي قدمها المسؤولون في كل من الستاغ والسوناد، مرجعا أسباب كل شيء إلى المؤامرة الداعية لتأجيج الأوضاع. أكثر مما هي مؤججة!


لا نعرف إن كان كلامه يعود إلى عجز تام عن الاستماع حتى لوزرائه ومديريه العامين أو عن انعدام قدرة أستاذ القانون الدستوري عن فهم طرق اشتغال الواقع المادي أو عن ارتياب غير عقلاني من المؤامرات. يوجد احتمال آخر أكثر خطورة ولا يقل جدية: قد تنم هذه التصريحات عن احتقار دفين للشعب التونسي من قبل رئيس يظن أنه قادر على التلاعب به بمثل هذه الذرائع للحفاظ على سلطته.

كيف وصلنا إلى هنا؟


وصل الترتيب الاجتماعي القائم إلى درجة عالية من الاختناق تجعله غير مخوّل كي يستنبط من داخله حلولا عقلانية في مواجهة الأزمة الاجتماعية.وفعلا صار أغلب الناس مقتنعين اليوم أن السلطة الحاكمة، مكثفة في رئيسها، عاجزة عن حل مشاكلهم وتحسين حياتهم.


يتطلب حل المشاكل وتغيير الأوضاع فهم مسبباتها. توحي الديماغوجية الليبرالية ربيبة "الشعبوية" الحاكمة أن مسار 25 جويلية أو قيس سعيد هو سبب الكوارث التي نعيشها. هذا تشخيص خاطئ سيؤدي إلى علاج خاطئ.


يعود نقص الاستثمار في الطاقة الكهربائية إلى سنة 2015 على الأقل عندما شُرِّع لفتح سوق رأسمالي لإنتاج الطاقة في اتجاه التعويل على الاستثمار الربحي الخاص (وخاصة الخارجي) في القطاع.


تراجعت جودة ماء الحنفية هي الأخرى منذ سنين طويلة بسبب نقص الإنفاق على معالجته وصيانة البنية التحتية للتوزيع. نتيجة لذلك، صار الإقبال على الماء المعدني المعلّب جماهيريا ودائما. هذا شكل غير مباشر لخوصصة الموارد المائية. من جهة أخرى، مازال في البلاد حوالي 186 ألف نسمة  غير مرتبطين بشبكة المياه "الصالحة للشراب" إلى حدود 2024. تجدر الملاحظة هنا أن نسبة التزود ارتفعت من 85 إلى 96٪ بين 1994 و2004 ولم تتجاوز 98.4٪ سنة 2021.


لا تختلف الأمور بالنسبة للصحة حيث قُسمت المنظومة بخطوط طبقية واضحة. تنفق العملة الخارجية التي يحققها عمالنا وفلاحونا لتجهيز مصحات خاصة للأثرياء. بالمقابل تجد الطبقات الشعبية مستشفيات عمومية في حالة سيئة جراء الحرمان من التمويل ونقص التجهيزات والموظفين.


 تعاني الحماية المدنية وإدارات الغابات وغيرها من القطاعات التي تصعب خوصصتها مباشره من نفس النقص في الموارد والموظفين.


ما نعيشه منذ سنين هو انهيار بناء اجتماعي نتيجة تآكله تدريجيا لقرابة أربعة عقود من التقشف النيولبرالي في الإنفاق العمومي. تجلى هذا الانهيار منذ ثورة 2010-2011  لكنها فشلت في ترميمه وحتما في التمخّض عن شيء جديد. تواصلت بعدها السياسات النيولبرالية بل اتسعت وتعمقت. ففقد نتيجة ذلك الشكل البرلماني لتنظيم سلطة رأس المال التابع مشروعيته سريعا.


لم يغير انقلاب 2021 موازين الهيمنة الطبقية بل لعل سياساته قد وجهت أقسى الضربات لقاعدته الاجتماعية الأصلية المتمثلة في البرجوازية-الصغيرة بقانون الشيكات والتضييق على التجارة باسم محاربة المضاربة مثلا.


تمثلت وظيفته في إعطاء مشروعية جديدة-قديمة لنفس الدولة الرأسمالية الطرفية، عبر شخصية أستاذ قانون مستقيم ومتخلق سيحارب فساد الأحزاب والإدارة. هذه نفسها عناصر من الخطاب النيولبرالي الذي مهد لصعوده. بالتماشي مع هذه المشروعية الإيديولوجية الجديدة أعيد تنظيم الحكم في شكل رئاسي.


تعود إذن أسباب ما عشناه هذه الصائفة من كوارث إلى أمور بنيوية أبعد من قيس سعيد وحكوماته، إلى أربعين سنة من النيولبرالية. لا يصح اعتبار هذا المشروع السياسي والاقتصادي خصوصية وخيارا تونسيا. نتج بالعكس عن اختلال موازين القوى الطبقية على مستوى عالمي لصالح رأس المال الإمبريالي. ليست الدول الطرفية مثل تونس وطبقاتها الرأسمالية في موقع المبادرة بل كان عليها أن تتأقلم خضوعا لضغوطات التوجه الجديد لمراكز مراكمة رأس المال.


كارثة عالمية


أبعد من النيولبرالية وما تحمله من تدهور للخدمات العمومية، ترجع الأزمة الصيفية المركبة التي شهدناها، في جذرها الأساسي إلى ظاهرة عالمية أخرى معروفة أكثر ومنتظرة ومعلنة منذ زمن: الكارثة المناخية.


على الرغم من ذلك، تنضح مواقع التواصل الاجتماعي بانغلاق إيديولوجي قومي، ظهر في شكل جلد للذات وندب وبكاء على "تونس" و"ما آلت إليه بلادنا".من الغريب في عصر أنترنات والاندماج العالمي المتقدم أن لا يرى الناس، وخاصة الطبقات الوسطى "المنفتحة"، الطبيعة العالمية للأزمة المناخية.


في إسبانيا، تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بالحرّ 5000 حالة . على المستوى الأوروبي، يقدر أن الحرّ تسبب في 12 ألف وفاة إضافية عبر 854 مدينة.


اضطرت شركة كهرباء فرنسا إلى تقليص إنتاج الطاقة النووية بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد، مما أدى إلى إغلاق عدة مفاعلات. كما تسبب عطل في محول كهربائي بمنطقة بريتاني بانقطاع التيار عن 68 ألف منزل. وفي إيطاليا وألمانيا، تسببت الأحمال الزائدة على شبكات الكهرباء في انقطاعات متفرقة. أدى حريق غابات في صقلية إلى انقطاع مياه الشرب عن نحو 20 بلدية إيطالية. وفي إسبانيا مجددا، أتى حريق ضخم على مساحة 32 ألف هكتار وأجبر 34 بلدية على الإخلاء.


ليست هذه سوى أمثلة سريعة من بلدان متوسطية جلها أكثر تقدما وقدرات من تونس وأقل حرا منها. حكوماتها ليست "شعبوية" بل حتى يسارية تقدمية كما في إسبانيا وأنظمتها ديمقراطية ليبرالية.


لا يصعب طبعا فهم وتفهم تعبير الناس عن غضبهم من المعاناة المعيشية المباشرة جراء الحر والعطش اللذين قد يضاف لهما المرض أو خسارة القوت اليومي إلى غير ذلك من المضاعفات. من الطبيعي أن يتوجهوا أولا إلى المسؤولين السياسيين الحاكمين.


لكن أي خطاب سياسي عقلاني وجدي حول المسائل المطروحة لا يستطيع التوقف عند هذا الحد. لا يعقل الحديث عن الصائفة المنقضية دون الحديث عن الكارثة المناخية ولا يمكن الحديث عن الأخيرة دون الحديث عن الرأسمالية. ومن نافل القول بالنسبة لنا أنها منظومة عالمية استقطابية بين مراكز مراكمة وأطراف استنزاف واستغلال. تسببت مراكز الرأسمالية في الأزمة المناخية. لسوء الحظ الجغرافي، تنتظر أسوء تداعياتها في المناطق التي تعتبر أطرافا (من وجهة نظر مراكمة القيمة لا الجغرافيا طبعا). وقد بدأنا نشهدها.


لا نسطيع إذن من تونس إصلاح المناخ. سيكون علينا التأقلم حسب القدرات التقنية والإنتاجية (وبالتالي المالية) المحدودة المتوفرة. نظرا لقربها الثقافي من بعض مراكز الرأسمالية يحدث أن تنسى بعض شرائح مجتمعنا هذا الواقع المادي.


زد على ذلك أزمة النيولبرالية الاقتصادية والسياسية المستمرة منذ سنين. من الانهيار المالي في 2008 والركود الاقتصادي إلى فيروس كورونا واضطراب سلاسل الإمداد العالمية وصعود التضخم، لم تعد الوصفات النيولبرالية قادرة على فهم الأمور ولا على مجاراتها بشكل يضمن استمرارها. ويبدو أن انفجار "فقاعة الذكاء الاصطناعي" المالية صار مسألة وقت.


فضلا عن مفاقمتها للصدمات الاقتصادية، تشير الحروب في أوكرانيا وإيران إلى اختلال التوازنات الإمبريالية القديمة ما يؤكده بأكثر بساطة الصعود الاقتصادي الصيني.


هذا هو العالم الذي نعيش فيه. أما طرح المشكلة كمشكلة "تونس" أو كمشكلة تونسية فسيؤدي حتما للحل الخطأ. فقد يكفي مثلا تبني "النموذج المغربي". أو قد يكون المشكل في "النخب" التونسية أو في الشعب التونسي (بلادنا باهية أما أحنا خايبين!). وهذه متاهة لا مخرج منها.


أما إن كانت المشكلة في الحكم القائم ورئيسه فيكفي تغيير الرئيس أو إرجاع الديمقراطية الليبرالية، لتنتهي انقطاعات الكهرباء والماء… وربما تنخفض معدلات الحرارة!


على العكس من ذلك نظن أن التحدي الذي يواجهنا يستدعي مراجعة شاملة في أنماط حياتنا. مرحبا بكم في بلد طرفي تحت مناخ الرأسمالية المتأخرة!


الآن وهنا

يتطلب الوضع تثويرا شاملا لأنماط حياتنا. ينطلق من تفاعلنا مع البيئة التي نعيش ضمنها مرورا بالإنتاج والاستهلاك عودة إلى انعكاساتهما على البيئة. تثوير لا يقل عن الخروج من الرأسمالية نحو الاشتراكية.


بشكل ملموس وعاجل يتطلب استثمارات كبيرة في الطاقات المتجددة وتوزيع الماء الصالح للشراب ومعالجته من جهة، وفي البنية التحتية والحماية المدنية وحرس الغابات وغيرها لتفادي الكوارث. في نفس الوقت يتوجب إنهاء التبذير الرأسمالي بمراجعة أنماط البناء والتبريد والتنقل والاستهلاك والاستخراج إلى غير ذلك.



كلام جميل. من يسمعه وإلى من سيصل؟ من سيقتنع به ومن سيطبقه؟ بتحليل مادي تاريخي بسيط، نعرف أنه يتناقض مع المصالح المباشرة لطبقات وشرائح وخاصة منها الطبقة الرأسمالية المهيمنة وحلفائها في البرجوازية-الصغيرة والطبقات الوسطى. في نفس الوقت، ونظرا لضعفنا الراهن نعرف أنه لا يصل إلى البروليتارية وعموم الطبقات الشعبية.يمر إذن الحد من تداعيات الكارثة المناخية في بلادنا، عبر سقوط الرئيس القائم، لكنه يتجاوزه ولا ينطلق منه.



أنهت هذه الصائفة المشروعية الإيديولوجية لسلطة 25 جويلية. في شهرين اختصرت سنين من الصراخ السياسي والإيديولوجي المندد بقيس سعيد والمسار الذي أطلقه. بعد الأيديولوجيا يبقى للدولة العنف.



غير أن الأوراق الإيديولوجية للدولة التونسية لم تنته. لاحظ حتى بعض الليبراليين أن الجيش يحظى بمقبولية شعبية أكثر منهم وديمقراطيتهم. من الواضح أيضا أن الأيديولوجيا الإمبريالية السائدة لم تعد الديمقراطية الليبرالية وأن حلفاءهم من هذه الدول أقل استعدادا من الماضي لدعمهم.


في ظل هذه الموازين نستغرب من أي تفاؤل يمكن أن يثيره التفكير في سقوط السلطة القائمة في القريب العاجل. فجل السيناريوات المرجحة تنبئ بالأسوأ. لعل من المفيد تذكر إسقاط البرلمان. ألم يسد الوهم أنه سيعطي "نفسا" للبلاد؟! وفعلا أعطى نفسا لبضع أيام أو أشهر… قبل أن نصل للاختناق القائم.


أمام أزمة تاريخية للرأسمالية العالمية وفي وجه هذه الاحتمالات المفزعة نتساءل اليوم: أين هم الشيوعيون؟ 


فأما الانخراط في الحراك الديمقراطي الراهن فيساوي العمل على إعطاء السلطة للممثلين الليبراليين للبرجوازية التابعة. وأما السلبية والسخرية والتعالي على الواقع فليست من خصال الماركسيين.


ها نحن إذن نجدد الدعوة لنقاش برنامجي واستراتيجي وتنظيمي، والبحث تفكيرا وتجربة عن سبل الوصول إلى البروليتارية والطبقات الشعبية ببرنامجنا وتنظيمنا.


مقترحات أولية من أجل استراتيجيا ماركسية




يتطلب تجاوز الرأسمالية الطرفية التونسية وتطوير قوى الإنتاج وبناء الاشتراكية، إقامة سلطة سياسية تعمل على تحقيق هذه الأهداف. 

تتميز الماركسية، عن تيارات ثورية أخرى، بأنها تشرط هذه السلطة السياسية بتنظيم طبقة تحمل هذا التغيير من تشكيلة اجتماعية إلى جديدة أرقى (أكثر استجابة لحاجيات البشر).

تطرح إذن مسألة التغيير الاجتماعي على الماركسيين مسألة السلطة السياسية والأخيرة بدورها مسألة تنظيم الطبقة الثورية.

تفتقد اليوم الطبقات المرشحة لقيادة التغيير الثوري للتنظم السياسي، بل تفتقد، عدا بعض الاستثناءات، حتى لتنظم قطاعي/محلي اقتصادي يدافع على مصالحها الاقتصادية المباشرة ضمن حدود التشكيلة الاجتماعية القائمة.

الهدف السياسي الاستراتيجي للماركسيين اليوم هو تنظيم البروليتاريا والطبقات الشعبية. يعني التنظم السياسي، تبني برنامج، والقيام بشكل جماعي بسلسلة من الخطوات من أجل إقامة سلطة سياسية تطبقه. دون الدخول هنا في نقاشات حول طبيعة مؤسسات التنظيم السياسي وعلاقته بالطبقة، يتنزل الأمر على المستوى الملموس في تشكل حزب مرتبط بالبروليتاريا وقادر على تحريك جماهيرها وقيادتها. لتكون الصورة أقرب، يمكن القول أن الماركسيين يسعون إلى بناء حزب له مئات ثم آلاف من الأنصار في البروليتاريا والطبقات الشعبية.

ببلوغ هذا الهدف، تبدأ مرحلة جديدة. يحكم الفعل السياسي خلالها منطق مختلف عن المنطق الذي يقود هذا النص. توضع مسألة السلطة السياسية على طاولة التخطيط العملي ومعها  استراتيجية كسب وتحييد أغلبية الشعب لإقامتها. لتلك المرحلة صعوباتها ونقاشاتها وخلافاتها. قد تظهر عندها توجهات إصلاحية وأخرى ثورية، قد تظهر توجهات أميل للبيروقراطية أو للاشتراكية، للأممية أو للقومية، للديمقراطية أو للدكتاتورية. أما اليوم فالهدف هو بلوغ تلك المرحلة.

صيغت الاستراتيجية التي يقترحها هذا النص على أساس الوضع الراهن الملموس الذي يتحرك ضمنه الماركسيون اليوم. يجب إذن مراجعتها بشكل مستمر على ضوء التغييرات المهمة التي قد تطرأ على هذا المستوى أو ذاك (اقتصادي، سياسي، إيديولوجي، خاصة) من مستويات المجتمع.

خلاصات ومنطلقات عامة

تكبدت الطبقات الشعبية هزيمة في الصراع الذي فتحته بثورة 2010-2011. تمر اليوم بفترة رجعية من التشتت والإحباط والتيه الإيديولوجي. ضعف حتى صراعها الاقتصادي-القطاعي. كسبها مسار 25 جويلية نسبيا، بعدائه لحكام الأمس وبخطابه الشعبي والوطني السيادي. ثم أمام ضعف المكاسب الملموسة التي قدمها لها، بدأت ثقتها فيه تتراجع.

لكنها مازالت خاضعة لخطاب إيديولوجي رجعي أعم وأعمق، ينبذ السياسة والأحزاب. وفي غياب بديل سياسي يكسر هذه الأفكار ويعبر عن مصالحها وأولوياتها ذهبت أكثر فأكثر إلى الاستقالة السياسية. ساهمت معارضة 25 جويلية في تكريس هذا الحال بتركيزها إلى حد الإشباع على مسألة المؤسسات السياسية والحريات العامة وتكثيفها الصراع السياسي في ثنائية ليبرالية-سلطوية بل ومسألة الإيقافات السياسية تحديدا.

تشهد المرحلة تضييقات بوليسية متصاعدة على النشاط السياسي والجمعياتي وعلى إمكانيات التنظم الشعبي المستقل عن الدولة. نظرا لضعف الحركة الماركسية والتنظم البروليتاري والشعبي، لا الدولة تستهدفها ولا الطبقات الثورية قادرة على مقاومتها. ليس إذن للماركسيين من خيار عدا التعامل مع هذه التضييقات المنتظرة كأمر واقع والمناورة في الهامش المتاح.

فمن الواضح، إذا أزيحت إمكانيات التحالف مع القوى البرجوازية الليبرالية والإمبريالية المناقضة للنهج الماركسي، كآليات للضغط على الحكم القائم، أن ليس للحركة الماركسية، حتى بالتحالف مع أقصى اليسار الليبرالي، قوة سياسية للتصدي لمسار التغول البوليسي.

الهدف المباشر هو تحديدا تنمية هذه القوة. نظرا لاختلال موازين القوى السياسية-الطبقية ليس الهدف المباشر للماركسيين إسقاط الحكم القائم ولا تحقيق مكاسب سياسية في ظله. وجهتهم الرئيسية ومصب تركيزهم ليس الدولة ومطالبة القائمين عليها بإصلاحات، بل البروليتاريا والطبقات الشعبية. كيف الوصول إليها وتنظيمها؟

الجواب التقليدي هو مساندتها في صراعاتها الاقتصادية-الاجتماعية التي تندلع بشكل تلقائي في مواقع أو حول نقاط خصوصية. وفعلا كانت الاحتجاجات والإضرابات مناسبات للوصول للجماهير والالتقاء معها. لكن بالنظر لكثرة وقوة الاحتجاجات من 2011 إلى 2021، تبدو النتائج هزيلة.

شارك العديدون في مساندة النضالات الشعبية بشكل عفوي: تعاطفا مع المحتجين وأداء لنداء الواجب وإرضاء للضمير. فعندما يكون الواحد يساريا أو مناهضا للرأسمالية أو اشتراكيا يصعب عليه نفسيا التخلف عن مساندة (حتى رمزيا ومعنويا) من يعبر عن رفضه لاضطهاد يتعرض له.

المشكلة أن حتى من فكروا في تنظيم الجماهير افتقدوا لخطة ولأدوات ضرورية. في بعض أو ربما عديد المرات، نجح رفاق وأصدقاء في كسب ارتياح بعض العناصر الشعبية وخلق علاقة ود معها في المدة القصيرة التي يدومها النضال الميداني. ثم مع انتهاء المعركة تتبدد العلاقة تدريجيا أو تنقطع بسرعة، بينما الهدف هو تحديدا عكس ذلك: استمرار العلاقة وتطورها نحو التنظم والتسيس. يحمل هذا المشكل عدة أوجه. 

يتطلب الحفاظ على العلاقات وتطويرها مواصلة لقاء العناصر الأكثر تقدما بوتيرة كافية. في أغلب الحالات، لا يقدر الناشطون السياسيون على القيام بذلك. يضطرون بعد مدة لا تطول كثيرا أن يستأنفوا العمل الضروري من أجل تحقيق حاجياتهم الاقتصادية وأيضا بقية أنشطتهم الاجتماعية والشخصية. تخضع العناصر الشعبية أيضا لنفس الإكراهات، ويكون محل سكنها وعملها، في جل الحالات بعيدا جغرافيا على منطقة حياة الناشطين. تستحيل في هذه الظروف استدامة علاقة هشة أصلا، بين طرفين يجهلان بعضهما البعض وتفصلهما عديد الحواجز الاجتماعية.

في الحقيقة، تندلع عديد الصراعات الخصوصية التي يسمع عنها الاشتراكيون ولا تسمح ظروف حياتهم بالوصول إليها. أكثر من ذلك، يمكن الإدعاء أن تدخل الناشطين السياسيين، ينحصر بصفة رئيسية، في الصراعات الطبقية التي تأخذ حجما معينا أو تحمل مستوى معينا من التسيس أو تربطها علاقة بالأوساط السياسية أو الجمعياتية. تحدث أيضا عديد الاحتجاجات الطبقية التي لا يسمعون عنها أو لا يولونها اهتماما، لضعفها وبعدها وانحسار صداها.

يتضح مما سبق أن شروط تنظيم البروليتاريا والطبقات الشعبية تتناقض مع الحياة اليومية التي تفرضها الرأسمالية على الماركسيين والغالبية الساحقة من الأفراد.

يوجد حل معروف لهذه المشكلة وهو التفرغ السياسي. يتحصل أعضاء من التنظيم الماركسي على مدخول يضمن لهم ظروف حياة مقبولة، ليكرسوا جل ساعات يومهم للعمل السياسي. يتابعون أخبار الصراعات الطبقية، ويتنقلون لدعمها ثم وهي المرحلة الحاسمة، يربطون علاقة مستدامة مع المحتجين وخاصة مع العناصر الأكثر تقدما منهم. بعد نهاية الصراع، يقومون بلقاءات دورية ويدفعون لمقاومة العودة للتشتت السابق لانطلاق الصراع. يعرّفون ببرنامج الماركسيين ويقترحون أشكال تنظم على المعنيين.

قد تنطلق علاقة الماركسيين مع العناصر البروليتارية أو الشعبية على أساس التضامن في صراع اقتصادي-اجتماعي، محدود في الأفق والزمن. أما بعد، يستوجب تواصلها وتطورها إلى التنظم والتسيس، اتساع أفقها. يطرح الماركسيون أهدافا يتواصل النضال من أجلها على المدى المتوسط والطويل بأشكال أخرى. هذه وظيفة البرنامج. قد ينصب طبعا التركيز على هذا المحور أو ذاك حسب الطبقة والشريحة المعنية أو حسب طبيعة الصراع الذي انطلقت منه العلاقة.

يحتوي هذا البرنامج الشعبي الماركسي على إجراءات تعبر عن المصالح المباشرة للطبقات الشعبية ضمن الرأسمالية، وممكنة التفعيل في إطارها. ما يجعله قابلا للتبني من قبلها ومؤهلا ليكون منطلقا لتنظمها ونضالها وتسيسها.

يوجد البرنامج في علاقة وثيقة مع التنظم. لا يتضمن إجراءات اشتراكية تقفز على متطلبات الفترة الانتقالية، وعلى الوعي الحالي للبروليتاريا ومصالحها المباشرة. بنفس المنطق وما عدا استثناءات نادرة، لا يمكن أن تنخرط العناصر الشعبية مبشارة في تنظيم ماركسي طليعي. في السياق الراهن في البلاد يصعب حتى أن تنخرط في أي تنظيم سياسي بصفة عامة.

تستدعي إذن أي محاولة جدية لتنظيم البروليتاريا والطبقات الشعبية تشكيل إطار تنظيمي تحت-سياسي تحت-ماركسي، ملائم، تنخرط فيه هذه الطبقات على أساس البرنامج المباشر أو جزء منه. يطرح الأمر صعوبات لا يستهان بها في الإجابة عمليا على سؤالين: ماهي طبيعة هذا التنظيم؟ ماهي علاقته بالمنظمة الماركسية الطليعية؟ سيعود إليها النص في آخره.

انطلق التفكير السابق من حدود المحاولات التي شهدت خلال عشرية الثورة. تغيرت اليوم الديناميكية الاجتماعية والسياسية في البلاد. تتسم المرحلة، كما ورد أعلاه، خاصة بضعف نضال البروليتاريا والطبقات الشعبية.

يعطي هذا الوضع الماركسيين متسعا من الوقت، للقيام بالتحضيرات اللازمة للفترة التقدمية أو الثورية الموالية: استخلاص الدروس السياسية والقيام بالتصحيحات النظرية اللازمة؛ تكوين نواة تنظيمية طليعية صلبة؛ صياغة برنامج البروليتاريا واستراتيجية تنظيمها؛ بناء الأدوات التنظيمية التي تستحقها البروليتاريا في صراعها السياسي والإيديولوجي؛ الصراع ضد الإيديولوجية المهيمنة في مختلف أشكالها.

لم يعد إذن التعويل على النضال الاقتصادي-الاجتماعي العفوي كمدخل لتنظيم الطبقات الثورية وتسييسها أفضل الخيارات. هل يعني ذلك أن لا سبيل للجماهير اليوم؟ بالعكس يمكن أن تكون فرصة لسلك طرق أخرى.

إن كانت الأمور ذهبت إلى الأسوء في السنوات الأخيرة فإن التوجس من السياسة والسياسيين و"التوظيف السياسي" ¹ ليس بجديد. فقدوم ناشطين سياسيين غرباء، لدعم صراعات الطبقات الشعبية، ليس عادة محل ترحيب تلقائي، بل هو أيضا محل ريبة وتخوف من التوظيف وتساؤل: « من هؤلاء وماهي مصلحتهم؟! ». يفرض الأمر على الماركسيين حذرا وتنازلات وصبرا لكسب ثقة الجماهير.

رفعا لهذا التحدي ونظرا لطبيعة الفترة، يبدو أن عكس طريقة الوصول إلى الجماهير يستحق التجربة. لينطلق الماركسيون مما راكموه ويمكنهم جمعه من معطيات ومن تحليلاتهم النظرية. يحددون أولويات الجماهير ومشاكلها الحارقة ونقاط الضغط المؤهلة للتفجر. ثم يجدون السبل للدعاية لأجزاء برنامجهم المناسبة صلب مختلف الشرائح الثورية انطلاقا من الأكثر أولوية. تخضع هذه العملية طبعا إلى تصحيح مستمر على ضوء التجربة.

يكسب بهذا الشكل الماركسيون مشروعية مسبقة حول المسائل التي تهم الطبقات الشعبية، ويصيرون "مرجع نظر" فيها. يجعلهم ذلك في موقع جيد للمشاركة لاحقا في النضال الجماهيري والتنظيم حولها.

من الواضح أن الوصول إلى الجماهير على الميدان الإيديولوجي الصرف وهي في حالة سلبية، يمثل تحديا كبيرا. يتطلب الكثير من التجربة والإبداع ويحتاج طاقة ومواردا لا تقل عما يستدعيه تنظيمها انطلاقا من الصراعات الاقتصادية-الاجتماعية.

من أين نبدأ اليوم؟

يتضح مما سبق أن الشرط الأول للانطلاق في عمل تنظيمي بروليتاري هو تشكيل تنظيم ماركسي بمستوى معين من التطور. لا يكفي تجميع أفراد حول الشيوعية بصفة عامة أو حول بعض الأفكار الإيديولوجية. ولعل أكثر اليوتوبيات التي أعاقت عمل الماركسيين هي "توحيد الشيوعيين" دون الحديث عن "توحيد اليسار"!

تتطلب المهام المطروحة لبلوغ هدف تنظيم البروليتاريا، أولا تجمع ماركسيين على برنامج وعلى خطة للدعاية له صلب البروليتاريا وتنظيمها على أساسه.

من أهم أعراض بؤس الحركة الماركسية اليوم في تونس هو افتقاد كل جماعاتها لبرنامج سياسي جدي، بعد 10 سنوات ثرية بالصراع الطبقي. ليس من الخطأ أن نذهب بالقول إلى أن التصحر السياسي القائم في البلاد بصفة عامة يتكثف في غياب الصراع السياسي حول البرامج.

ليس البرنامج السياسي فقط مسألة تقنية، وهذا لا ينفي البتة أهمية المسائل التقنية. من دونها لا ينزل المجرد إلى أرض الواقع الملموس. بتمثيل هذا الترفع على الأمور التقنية غرقت الحركة الماركسية التونسية "السياسية" في مشادات فارغة حول الشعارات: « ماهي طبيعة الثورة؟ اشتراكية أم وطنية-ديمقراطية؟ ». بينما السؤال الوجيه الذي تستحق الإجابة عنه جهدا حقيقيا ويؤتي ثمارا ملموسة هو: ماهو برنامج الثورة؟

تتطلب صياغة البرنامج معرفة علمية بالتشكيلة الاجتماعية في تونس ومخططا لتحويلها نحو تجاوز التخلف الإنتاجي والفقر. هذا عمل نظري ضروري. غير أنه، لا يكفي وحده، لأن برنامج الماركسيين يأخذ أيضا بأولويات البروليتاريا وتطور وعيها في مرحلة معينة. فمن الخطأ نسيان أن البرنامج أيضا، بل أولا في الوقت الراهن، حجر الأساس في تنظيم البروليتاريا. يستقي الماركسيون مؤشرات ومعطيات حول حالة البروليتاريا بالاحتكاك الميداني بها. ثم يأتي البرنامج الماركسي الصحيح إذن ليؤلف بين الجانب الموضوعي (المعرفة العلمية بالتشكيلة الاجتماعية) والجانب الذاتي (تطور البروليتاريا).

خلال عشرية الثورة، راكم الماركسيون وأصدقاؤهم معارفا متخصصة في جل المجالات (فلاحة، طاقة، ماء، بيئة، اقتصاد إلخ.) وأيضا كما لا يستهان به من المؤشرات والعناصر والمعطيات حول ذاتية البروليتاريا والطبقات الشعبية انطلاقا من الصراعات الطبقية التي خاضتها، وهذه عملية مستمرة ومتواصلة.

المهمة الآنية المباشرة هي إذن صياغة برنامج بروليتاري. يتضمن إجراءات تتخذها سلطة البروليتاريا في الأيام والشهور والسنوات الأولى في إطار التشكيلة الرأسمالية الطرفية التونسية القائمة اليوم. إجراءات تمس البروليتاريا وتحفزها على التنظم والنضال السياسي.

يشترط وصول هذا البرنامج إلى الجماهير كما ظهر أعلاه تجمع حد أدنى حرج من الطاقات الماركسية المنظمة. لذلك تتجه الدعاية في مرحلة أولى إلى الماركسيين وعموم مناهضي الرأسمالية والإمبريالية. يعد كسب معارضي الإمبريالية والرأسمالية للبرنامج الماركسي إلا خطوة أولى من كسبهم للنظرية والحركة الماركسية عامة وإحياء الهيمنة الفكرية للماركسية ضمن الثوريين والجذريين. ما يمر أيضا بنقد الأفكار والخطابات والشعارات الإيديولوجية المنتشرة في الأوساط اليسارية والتعبيرات الماركسية الخاطئة. يحتاج كل هذا لدراسة النظرية الماركسية (وأيضا التيارات الإيديولوجية اليسارية الجديدة).

لا يكفي تبني عدد حتى كبير من الأفراد برنامجا سياسيا، حتى صحيحا، لتشكيل تنظيم ماركسي ثوري. بعد المصادقة على البرنامج تنطلق الدعاية له صلب الطبقات الشعبية وهو نشاط أصعب وأثقل. من الضروري أن يتفق الماركسيون زيادة على البرنامج على خطة لنشره صلب جماهير الطبقات التي تعنيهم وتنظيمها. تحتوي هذه الخطة فيما تحتويه، تحديدا للطبقات والفئات الاجتماعية والمناطق الأولوية بالدعاية وأساليبها.

قد تنجح هذه الخطة أو تخفق. هاتان النتيجتان نسبيتان طبعا. في كل الحالات ستقيم وتراجع وتصحح شأنها شأن البرنامج. تتطلب هذه العملية حدا أدنى من الوحدة المنهجية والنظرية وآليات ديمقراطية للتقرير والالتزام. وهذا نفسه ما يدعم استدامة التنظيم وقدرته على تعديل تكتيكاته مع تغير السياقات.

لنحوصل بسرعة المهام الآنية التي يطرحها التحليل السابق على الماركسيين:

• صياغة البرنامج

• وضع خطة للوصول به إلى الطبقات الشعبية وتنظيمها على أساسه

• دراسة النظرية الماركسية: وهي مهمة قائمة على الدوام لكنه تأخذ أولى في وقت الركود السياسي الراهن

• الدعاية للبرنامج والخطة والنظرية الماركسية صلب الاشتراكيين ومناهضي الرأسمالية والإمبريالية

• تنظيم أكبر عدد من الماركسيين، وتكوين مؤسسات تنظيمية صلبة وديمقراطية

• نشر البرنامج صلب الطبقات الشعبية وتنظيمها على أساسه

باستثناء الأخيرة، تهم النقاط أعلاه أنشطة نظرية وإيديولوجية وتنظيمية، تحصر عمل الماركسيين في أوساط اجتماعية ضيقة بعيدا عن البروليتاريا والجماهير الشعبية. ليس إنجازها سهلا وقد يستغرق وقتا طويلا (بضع سنوات ربما).

ينعكس انهماك مجموعة ماركسية في مثل هذه الممارسة لسنين بالضرورة على أفكارها ونفسيتها ونزعاتها وفي النهاية على خطها السياسي البروليتاري. يخلق عادات اجتماعية-نفسية معينة، نوعا من "منطقة راحة" ضمن الطبقات الوسطى اليسارية خاصة مع تحقيق بعض النجاحات. يصير الانطلاق من الصفر نحو الطبقات الشعبية واكتساب عادات جديدة أصعب. ليس هذا مجرد فرضية بل الواقع الذي ورثه ويعانيه الماركسيون اليوم ويجب بذل مجهود لتجنب إعادة إنتاجه عند جيل جديد. ترتبط هذه المشكلة بشكل وثيق بالانحرافات السياسية لجل التنظيمات والجماعات الماركسية. يظهر ذلك مثلا في نضالها الليبرالي من أجل الحريات السياسية بعيدا عن البروليتاريا وفي إهمال تام لها، بل والنشاط في منظمات حقوقية ليبرالية!

لتلافي هذه المشاكل يتعين على الماركسيين الانخراط باستمرار، بما تسمح به قدراتهم والظروف التي يتحركون فيها، في ممارسة سياسية موجهة للبروليتاريا. يحمل هذا الحل نفسه خطرا آخر وهو أخذ العمل البروليتاري طابعا طقوسيا. يتحول بذلك الاحتكاك السياسي بالبروليتاريا إلى هدف في حد ذاته دون نتائج فعلية. وقد يرى رأي معقول أن الطاقة التي ستوجه لهذا النشاط الطقوسي يكون من الأجدى توظيفها في العمل التنظيمي التحضيري حتى الوصول إلى المستوى الحرج الذي يمكن من الشروع في عمل بروليتاري مثمر حقا.

لا يمكن على كل حال، حل هذه المشكلة بشكل مجرد عام. وحدها الوضعية الملموسة بالطاقات المتوفرة قادرة على إعطاء معلومات حول مختلف محاولات تفعيل استراتيجية في الظرفية الراهنة.

يختار الماركسيون إذن نقطة محلية (منطقة صناعية، حي شعبي، سوق شعبي) يقدرون على التجمع فيها بصفة دورية مستمرة. تكون مخبرا لتجربة العمل البروليتاري. ينشرون فيها برنامجهم ويدعون الجماهير للتنظم. السؤال الموالي: كيف ذلك؟

تستحق إجابة شافية بحثا تاريخيا في أساليب العمل الشعبي الماركسي الناجح. في الإنتظار، توجد أساليب تقليدية تحقق من حين إلى آخر نجاحات هنا وهناك، وليس من التعسف القول أنها لم تجرب بشكل ملائم وممنهج في تونس.

في بعض سبل الوصول إلى الجماهير

من بينها توزيع المناشير. توجه إلى هذه الممارسة منذ مدة الآن ضمن الماركسيين وأصدقائهم انتقادات في علاقة بجدواها. هذا نقاش هام يجب أن يخاض في مساحة كافية لا يتحملها هذا النص.

يكفي هنا التأكيد على مدى تأثير السياق (السياسي والمحلي والاجتماعي والجغرافي…) واختلاف الأهداف المرجوة من هذا النشاط وأساليب إنجازه. يستحسن إذن الحذر من تعميم التجارب وهذا ما يبينه اختلاف نتائج الدراسات حول تأثير هذه الممارسة.

يقترح هذا النص على الماركسيين بطاقاتهم الحالية وفي الظروف السياسية-الاجتماعية الراهنة نشاط توزيع المناشير بخصائص وغايات محددة. يمكن وضع الأهداف في مستويين. يتمثل المستوى الأول في خلق حالة من الاعتياد على حضور السياسيين وارتياح له ضمن الجمهور المستهدف في النقطة المحلية المعنية: يصيرون جزءا من المشهد المحلي المعتاد. لعل ذلك  يولد من أكثر تفاعلات وحوارات ومن ثمة يخلق علاقات. فليس المنشور ومحتواه الفكري-السياسي في حد ذاتهما الموضوع الوحيد والرئيسي للنشاط بل أيضا وفي مرحلة أولى ربما أكثر هو الجانب الاجتماعي-الذاتي. يتطلب بلوغ هذه الحالة من الاندماج (النسبي) الاجتماعي دورية عالية (أسبوعية أو أعلى).

يهدف النشاط في المستوى الثاني، وهو ليس دون علاقة بالأول، إلى التقارب مع أفراد ينتمون إلى البيئة الاجتماعية-الجغرافية المعنية وكسب ثقتهم. يتحول بذلك هؤلاء إلى رؤوس حربة نشاط الماركسيين في المجال المستهدف. ويكفي حتى كسب فرد وحيد ليفتح الباب لأنواع أخرى من الأنشطة والنفاذ بأكثر سهولة إلى الجماهير (المحلية على الأقل).

يقام توزيع المناشير في الشوارع حيث يكون الناس عادة بصدد التنقل. بينما قد يشمل عددا كبيرا من المارة، يصعب عن طريقه إقامة حوارات مثمرة مع غالبيتهم. يمكن تلافي ذلك باستهداف أماكن مثل المقاهي الشعبية أو مقاهي المناطق الصناعية. لكن هناك ممارسة مشابهة أقدر على خلق أرضية سانحة للحوار ومنح أهمية ومساحة للفرد المستهدف، ألا وهي طرق أبواب المساكن.

يسمح هذا النشاط بالإضافة إلى نشر البرنامج، بالسؤال عن هواجس الناس ومشاكلهم ورؤيتهم لمشاكل حيهم وعملهم والبلاد بصفة عامة. تجمع بذلك قاعدة بيانات، تفرز منها العناصر الأكثر تقدما التي يرجح أن يكون العمل معها مثمرا. من محاسن هذه الممارسة أيضا إمكانية العودة للقاء الأفراد عدة مرات أو بشكل دوري.

لا يختلف الهدف كثيرا. يكفي أن تنجح العملية في كسب ثقة فرد وانخراطه في المشروع، لفتح أفق أرحب للعمل بالمحلية المعنية. يمكن التفكير أيضا في جمع السكان، بعد استقصاء أولي، بدعوتهم لاجتماع أو نوع من الندوة، تؤسس لمنظمة شعبية محلية. يرشح طرق الأبواب ليكون مثمرا مع النساء بصفة خاصة، ويمكن حسب المعطيات الملموسة تخيير استهدافهن لتشكيل منظمة نسائية محلية.

لا شك أن هذه الممارسات وأصحابها ستبدو للجماهير غريبة في السياق الراهن. وعلى الماركسيين الاستعداد نفسيا للكثير من الاستهزاء والنفور والتحلي بالصبر. كما قيل أعلاه إن من أهدافها تحديدا، جعل النشاط السياسي اعتياديا وعاديا في محلية معينة بعد مدة من المواظبة عليها. 

على العكس من ذلك توجد ممارسة سياسية صرفة، تظهر طبيعية للجماهير وهي الحملة الانتخابية. قبل مزيد التفصيل، من الضروري التذكير بمنطلقات النص لتجنب سوء تفاهمات تثار باسم الثورية بينما هي على نقيض الماركسية. لا تهدف الحملات الانتخابية المقترحة هنا إلى الوصول إلى الحكم، فقد أزيح مثل هذا الهدف منذ المقدمة. بل تبتغي تبليغ برنامج الماركسيين لأوسع ما يمكن من الجماهير ومحاولة كسبها وتنظيمها. سيعد إذن خروج الماركسيين بعد بضع أسابيع من حملة انتخابية بثقة وانخراط بضع عناصر شعبية في محلية معينة، نجاحا (صغيرا). فبغض النظر عن النتائج الحسابية الرسمية للانتخابات، الأهم بالنسبة للماركسيين هو تنظيم الأفراد الذين يتعاطفون معهم خلال الحملة وإدامة العلاقة معهم بعدها.

الحملات الانتخابية هي آخر مساحات السياسة المقبولة رسميا واجتماعيا. يكون من الخطأ أن يهدرها الماركسيون، بدل استغلالها لبلوغ غايتهم المرحلية من وصول للطبقات الشعبية ونشر برنامجهم صلبها وتنظيمها. 

لا يخفى أحدا افتقاد الحجم الضروري لخوض حملة على مستوى وطني. ينضاف إلى ذلك الخطر البوليسي الذي تشكله مثل هذه الحملة كما تبين في الرئاسيات الأخيرة. ينحصر بذلك اهتمام الماركسيين الآن بحملات المجلسين.

يخوضون حملات انتخابية من نوعين. يترشحون بأنفسهم حيثما يوجد منهم من يحافظ على مستوى أدنى من الاندماج الاجتماعي (منطقة يسكنها لمدة طويلة، منطقة ترعرع ومازال له فيها علاقات اجتماعية قوية).

يظهر النوع الثاني إذا نجح الماركسيون في كسب عنصر شعبي في المحلية التي يركزون فيها عملهم الدعائي التنظيمي خارج الزمن الانتخابي. في هذه الحالة يمكن ترشيح هذا العنصر للانتخابات.

لا داعي للإطالة أكثر في التطرق للمسألة فلا شك أنها ستكون محل نقاش خصوصي على حدا. تجدر هنا فقط إضافة الإشارة إلى الإمكانيات التي يفتحها بلوغ مجلس نواب الشعب. يمثل الأخير في السياق الراهن منبرا للدعاية على مستوى وطني. يفتح بذلك الباب للمرور من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني (ثم العودة إلى المحلي في أكثر من مكان وهكذا دواليك). بالنظر لما يفعله اليوم بعض النواب ذوي الخط "الوطني الشعبي"، يمكن تخيل ما يمكن أن ينجزه ماركسيون منضبطون في تنظيم طليعي، يرفعون برنامجا سياسيا، وينفذون خطة لتنظيم البروليتاريا والطبقات الشعبية.

أما مجلس الجهات والأقاليم فهو هامشي على المستوى الوطني. إلا أنه يسهل العمل المحلي. فمن الواضح أن العمل الدعائي التنظيمي المحلي المقترح أعلاه (من طرق أبواب وتنظيم لقاءات مثلا)، يأخذ أكثر مشروعية ومقبولية عندما يقوم به عضو في المجلس المحلي، من مناضلين مجهولين باسم منظمة مجهولة.

لم يتناول النص بعد الدعاية الرقمية، رغم أنها أسهل نقطة انطلاق ومدخل العمل الدعائي الذي بدأنا نحاول إنجازه. ذلك أن أهميتها اليوم لا تخفى أحدا. تستحق المسألة مع ذلك بعض الملاحظات.

في تناسق مع بقية جوانب العمل الاستراتيجي، يأخذ النشاط الرقمي المقترح هنا طابعا منهجيا، على نقيض منطق رد الفعل الانفعالي والعفوي السائد في الفضاء الرقمي. ينشر برنامج وأفكار التنظيم الماركسي الثوري، ودعواته العملية، حسب خطط مسبقة وتكتيك تحدده مؤسساته الديمقراطية. يتسم إذن بطابع تنظيمي جماعي أيضا. يرتكز على تقسيم العمل المشترك، بعيدا عن الميكرو-نجومية الفردية التي تكرسها المنصات الرقمية ².

في مستوى ثانٍ، يعمل الماركسيون على التطوير التقني الفني، لموادهم الدعائية الرقمية. لا ينتج اليوم في البلاد التونسية أي محتوى سمعي-بصري ماركسي بانتظام! لا غرابة إذن في اختلال ميزان القوى الفكري لغير صالحنا. تعد لذا إقامة إنتاج منتظم ومستدام من هذا النوع، أحد الأهداف المباشرة التي يسعى الماركسيون لتوفير الموارد والطاقات اللازمة لإنجازها على المدى القصير.

لكن لا يجب أن ينزلق هذا النشاط ليصير هدفا في حد ذاته ويحصرنا في الفضاء الرقمي. إذ يجب تكملته بعمل ميداني. فالعلاقة التي تخلقها شبكات التواصل الرقمية بين صفحات التنظيم ومتابعيها تبقى "خفيفة" حتى لا يقال سطحية. لا تتجاوز استحسان أفكار. أما العلاقات التي قد يخلقها العمل الميداني بصعوبة، فهي أكثر قوة لأنها مبنية على الاتصال والحوار والمعرفة المباشرة والقرب الجغرافي. لذلك تحتاج العلاقات التي قد تخلقها الدعاية الرقمية إلى متابعة لتتطور إلى علاقات تنظيمية تنطلق في عمل ميداني محلي، وتمكن التنظيم الماركسي من الانتشار الجغرافي الطبقي. 

في التنظيم والنضال الشعبيين

تحدث النص كثيرا عن تنظيم البروليتاريا والطبقات الشعبية. أشار إلى أن المنظمة الماركسية الطليعية لا يمكن أن تستوعبها. يفتح ذلك على التفكير في الإطار المناسب: أهدافه وأنشطته ومؤسساته وعلاقته بالتنظيم الماركسي.

يبدو من الضروري، خاصة في الظرفية الراهنة، أن يتأسس هذا التنظيم الشعبي على أساس البرنامج السياسي الماركسي المباشر، الذي يكون غايته الكبرى. لا يمنع ذلك أن ينطلق في النشاط على مسائل اقتصادية قطاعية أو المحلية. لكن نظرا لاختلال موازين القوى الطبقية وضعف الصراع البروليتاري، يصعب تحقيق نجاحات في النضال الاقتصادي. هذا ولا يقدر الماركسيون بطاقاتهم المحدودة حاليا، على تقديم شيء يذكر للبروليتاريا على هذا المستوى.

بالعكس يمكنهم أن يقدموا الكثير على المستوى الفكري. تأخذ إذن الدعاية والتكوين حيزا مهما من نشاط التنظيم الشعبي. أما النضال الاقتصادي فينطلق من المستوى الصفر: كتابة عرائض مطلبية للممثلين المحليين للدولة والمطالبة باجتماعات معهم لتحقيق بعض المكاسب، تنظيم لقاءات بنواب وأعضاء المجلس المحلي. فقط بعد أن تتبين الجماهير المعنية حدود هذه الأساليب وطبيعة القائمين على مؤسسات الدولة، ستذهب إلى مزيد التجذر السياسي، وتنفتح على خوض صراعات. قد تنطلق من وقفات احتجاجية محلية وتتطور إلى حملات انتخابية. يسهّل نظام الانتخاب على الأفراد الذي أتى به مسار 25 جويلية العملية، إذ يسمح بترشح العناصر الأكثر تقدما دون انخراط المنظمة ككل بشكل رسمي في مسار سياسي. لا جدوى هنا من مزيد البحث في تطوراتها اللاحقة فهي بعيدة إلى درجة أن التطرق إليها الآن لا يمكن أن يتجاوز المضاربات المجردة.

ينطلق تشكل هذا التنظيم الشعبي طبعا من محلية وربما من فئة معينة. لكنه يجب أن يكون من الواضح في وثائقه التأسيسية أنه وطني ومعني بتنظيم مختلف فئات الطبقات الشعبية. فمن البديهي أن يعمل الماركسيون على توحيد البروليتاريا والطبقات الحليفة بدل تقسيمها قطاعيا وجهويا. بتقدم العمل التنظيمي وانتشاره فئويا وجهويا، يعمل الماركسيون داخل المنظمة الشعبية على خلق روح من التضامن والوحدة بين مختلف مكوناتها.

لطرح الأمر بشكل ملموس أكثر، يمكن القول أن هذه المنظمة الشعبية تعمل على تجميع ممثلين نشيطين من الطبقات الشعبية وتثقيفهم، وعلى الدعاية لمصالحها والعمل على تحقيق ما أمكن منها، عندما تسمح الموازين الطبقية ضمن الرأسمالية القائمة. لا تطرح صراحة العمل السياسي ومسألة السلطة.

ينخرط فيها الماركسيون ولا يكون لها أي علاقة أخرى بتنظيمهم الطليعي. تدار بشكل ديمقراطي، ولا يحافظ الماركسيون على القيادة (الفكرية والمؤسساتية) ضمنها إلا بفعل معرفتهم النظرية ونشاطهم الأعلى من المتوسط. تلتحق العناصر البروليتاريا الأكثر تقدما بالتنظيم الماركسي الطليعي.

في حالة نجاح هذا التنظيم الشعبي وامتداده. تفتتح مرحلة تأسيس الحزب وتطرح مسألة السلطة السياسية البروليتارية. حسب الظروف التي ستسود حينها تطرح عدة إمكانية. في حال عودة الحماس الشعبي للسياسة مثلا، يمكن أن تتحول المنظمة الشعبية إلى حزب سياسي بقيادة ماركسية. كما قد يتأسس الحزب بشكل مستقل عنها، انطلاقا من المنظمة الطليعية الماركسية. تبقى الجمعية الشعبية حينها أداة عمله التنظيمي الجماهيري. هذه سيناريوات بعيد الأمد، من الأجدى أن تناقش على أساس ملموس عندما يطرحها تطور الواقع.

---------------------------------

¹ هذه المقولة روجها السياسيون الرجعيون نفسهم الذين يتباكون اليوم على كرههم ونبذهم هم وسياستهم.

² أنظر، نحو إيتيقا ماركسية 3: في علاقة الحقل السياسيّ بالحياة الشخصيّة الاجتماعية، إزميل

ملاحظات حول المظاهرات



       

شهدت الفترة التي انطلقت منذ  7 أكتوبر 2023 حمى من المظاهرات. يبدو اليوم أن وتيرة التظاهر في تراجع. وقد كانت علامات الإنهاك قد بدأت تظهر من قبل الوصول إلى آخر اتفاق سلام في غزة. لا يعني ذلك أنها توقفت طبعا. خرجت مثلا مسيرات لدعم حراك قابس ضد التلوث.

في الحقيقة لا تكاد المظاهرات تتوقف منذ قيام الثورة. يحمل ذلك دلالات معقدة ومتناقضة. قد يكون من المفيد اليوم، في حالة الجزر النسبي، أخذ مسافة لإعادة تقييم هذه الممارسة ومحاولة فهم بعض دلالاتها.

يناقش هذا النص مظاهرات اليسار، بمعناه الأوسع كقطاع اجتماعي-سياسي، أي المظاهرات التي  يدعو إليها أو يقودها اليسار. تخرج عن نطاقه الاحتجاجات الجماهيرية الشعبية مثل التي تشهدها مؤخرا مدينة قابس أو قبلها المزونة إثر وفاة تلميذ بسبب سقوط جدار مدرسته. من بين ما يميز الثانية عن الأولى عدم تواترها واندلاعها عادة في علاقة بمطلب أو قضية أو حادثة معينة تمس المعنيين مباشرة. ما يجعل فهم أسبابها ودوافعها وأهدافها أسهل.

انعكس تحول المكانة السياسية والإيديولوجية للأحزاب على طبيعة المظاهرات اليسارية. بعد انتخابات 2014 بدأ نبذ الأحزاب يتصاعد بصفة عامة. في الأوساط اليسارية تكثف ذلك مثلا في صعود خطاب وشعار "الأفقية". تراجع بالتالي دور الأحزاب والجبهة الشعبية خصوصا، في تنظيم المظاهرات والدعوة والمشاركة فيها. يمكن ملاحظة هذا التحول عينيا بسهولة في حملة "مانيش مسامح". بعد انهيار أحزاب اليسار في انتخابات 2019، تكرست ممارسة المظاهرات نهائيا بالشكل الذي نعرفه اليوم.

المظاهرات كطقس رمزي يساري

يصعب تفسير استمرارها ووتيرتها العالية بجدواها السياسية. إذ قل ما انتصرت القضايا التي نظمت حولها تحركات يسارية في الشوارع. هذا لا يعني طبعا أنها هي سبب ذلك الفشل. حتى عندما تتحقق مكاسب يصعب إرجاع ذلك لضغط المظاهرات اليسارية، نظرا لصغر حجمها وضعف الوزن الشعبي للمنظمات التي تشارك فيها.

إن كان لا يمكن تفسير الأمر بالعقلانية السياسية، فمن المنطقي افتراض دوافع أخرى من نوع نفسي اجتماعي¹. تشير عديد الوقائع والاعتبارات إلى أن تظاهر اليسار في الشوارع، هو طقس اجتماعي رمزي.

للأحزاب السياسية والجمعيات مثلا مؤسسات وممارسات وأشخاص (ممثلون أو قيادات) تعبر عن وجودها. أما اليسار فهو مفهوم هلامي. أحد التعبيرات الرئيسية عن وجوده المادي، هي ممارسة التظاهر إلى جانب أنواع من الندوات. يوجد اليسار أيضا في الفضاء الرقمي من خلال جملة من الممارسات الخطابية الرمزية. وبالعكس، دون المظاهرات والندوات والممارسات الرقمية لا يبقى شيء كبير من الوجود الاجتماعي لليسار.

بحضور المظاهرات يعبر إذن الفرد عن انتمائه لليسار ويشعر به. في نفس الوقت، يعيد الأفراد بهذه الممارسة إنتاج اليسار كمجموعة اجتماعية.

تلبي إذن هذه الممارسة حاجات نفسية مثل الشعور بالانتماء وتقليص الوحدة. في نفس الصدد توفر أيضا فضاء للتعبير عن الغضب أو الحزن أو التعاطف إلى غير ذلك. لا شك أن لهذه الوظيفة آثارا إيجابية على الأفراد بصفة عامة وبصفة خاصة خلال الفترات الرجعية (هزيمة سياسية) أو الكارثية (إبادة أو حرب). تخرج الناس من عزلتهم وتمكنهم من مشاركة مشاعرهم وأفكارهم مع من يشبههم. تساهم بذلك في الحد من الإحباط واليأس.

هكذا تأخذ المظاهرات معنى شبه أنثروبوليجي، كطقس رمزي ذو وظائف اجتماعية-نفسية، بينما يتراجع طابعها السياسي إلى مكانة ثانوية إن لم يكن إلى محل الوهم أو الخرافة المؤسسة.

يترشح هذا التفسير لينطبق على المظاهرات في مختلف السياقات التي تهيمن فيها الناشطية² اليسارية. إلا أن تعميمه أكثر من ذلك يكون من المغالاة. فهو يرصد جانبا طغى عليها في سياق تاريخي معين. أما فهم شامل لهذه الظاهرة فيستدعي دراسة (مادية) لتاريخ نشأتها وتطورها، تخرج عن نطاق هذا النص.

بعض الدوافع السياسية للمظاهرات

مع ذلك يمكن إيجاد بعض المقاصد  السياسية للتظاهر في الفضاءات العامة. تظهر أحيانا من خلال بعض الممارسات "التقليدية" التي تتواصل هامشيا وفي بعض الخطابات السياسية.

كان نزول غالبية المطالبين بالحريات السياسية إلى الشارع مؤخرا عفويا، وذلك تعبيرا عن التعاطف مع السجناء السياسيين ورفضا لرئيس الدولة وسياسته القمعية.

لكن التظاهر الذي يتجلى تلقائيا كمحاولة للضغط المباشر على الدولة ورئيسها، قد يحمل غايات أخرى لدى تيارات ترى في تداول صور المظاهرات والتعليق عليها في وسائل الإعلام الخارجية (الفرنسية والقطرية مثلا) وسيلة لإحراج الحكم القائم أمام حلفائه (ممن قبّل أكتافهم ووصف استعمارهم بـ"الحماية").

تلعب مسألة "الديمقراطية" دورا إيديولوجيا في الضغط الخارجي على الدول التابعة. ضغط تأمل شقوق من المعارضة المحافظة والليبرالية البرجوازية، أن يحقق تنازلات من الحكم القائم لصالحها أو حتى أن ينهار.

لا شك أن عديد المشاركين في هذه المظاهرات، بل جلهم، يرفضون هذا المنطق. لكن من لا يتحرك طبق منطق أجندته السياسية المستقلة، فهو يساهم في تقدم أجندة غيره. من لا يتحرك لصالح قوى مادية موجودة في الواقع، بل من أجل أفكار عامة تحلق في السماء – "مبادئ" – فهو يخدم التيارات الفاعلة في الواقع وعلى الأرجح أقواها. من لا يوظف نفسه، سيوظفه غيره. هذه بديهيات سياسية يجب استبطانها.

وراء تلقائية الاحتجاجات التي يشارك فيها اليسار ضد ضرب الحريات السياسية والجمعياتية هناك إذن أيضا توظيف عقلاني رجعي.

بصفتنا ماركسيين يختلف نهجنا السياسي عن المعارضة البرجوازية. المشكلة ليست في القوى الخارجية في المطلق، فقد نتعاون مع قوى خارجية بروليتارية وتقدمية لكن حتما ليست برجوازية وإمبريالية. طريقنا الرئيسية في التغيير السياسي تمر عبر تنظيم البروليتاريا على برنامج تقيم سلطتها لتطبيقه.

من الواضح أن مظاهرات المعارضة الليبرالية والإسلامية من أجل الحريات السياسية لا تخاطب البروليتاريا والجماهير الشعبية عموما، ولا تحاول كسبها. هناك حتى قطاعات واسعة من المشاركين فيها والمتعاطفين معها، تهاجم "الشعب" صراحة وتضعه في خانة أعدائها إلى جانب رئيس الدولة.

إلا أن مخاطبة الجماهير يمكن أن تكون إحدى أهم العقلانيات السياسية للمظاهرات. بهذا المنطق يكون هدف مظاهرة مثلا إيصال فكرة إلى الجماهير وكسبها لصالحها أو لفت نظرها لمسألة وإثارة النقاش حولها في المجتمع. يمر ذلك عبر التأثير عليها مباشرة في مكان المظاهرة وخاصة عبر تداولها الإعلامي. يستدعي نجاح مثل هذه الممارسة تحديد جمهور مستهدف (طبقة، فئة، إلخ.) وفهم طبيعته بصفة عامة ووضعيته في السياق الراهن. تختار مواضيع وشعارات وأشكال التحركات على ذلك الأساس.

قل ما تحصل الأمور بهذا المنطق. لا تؤخذ الجماهير بعين الاعتبار عادة إلا عندما تأتي المظاهرات مساندة لاحتجاجات شعبية. ويكون ذلك بطابع دفاعي، حتى تقبل تلك الجماهير هذا الدعم ولا تدينه ولتجنب تهم "التوظيف السياسي" وما إلى ذلك. طبعا، هذه المشكلة أكبر من أن يمكن حلها بتحسين أشكال المظاهرات³. إلا أنه، يمكن تجنبها جزئيا عندما تكون المبادرة بالنزول إلى الشارع من المناضلين السياسيين، خارج منطق رد الفعل.

قد تصلح إذن التجمعات السياسية في الفضاء العام للدعاية لأفكار. بيد أن الماركسيين لا يتوقفون عند  هذا الحد بل يعملون على تنظيم الجماهير على أساس هذه الأفكار التي تتطور إلى برنامج. هنا تطرح مسألة الهويات التنظيمية في المظاهرات. فلو نجحت مثلا مسيرة سياسية في كسب عدد من الناس لفكرة، ربما يتحمس بعضهم ويتساءل عن جهة يمكنه الانخراط فيها للدفاع عن تلك الفكرة أو مزيد نشرها أو تحقيقها إلى غير ذلك. لذا يبدو من الإيجابي بل والمهم إعلان وظهور هويات الجمعيات والأحزاب ومختلف التنظيمات والمجموعات الداعية والمشاركة في المظاهرات.

فالمظاهرات والتظاهر (من جذر ظ-هـ-ر) في نهاية الأمر هي عملية إظهار للوجود السياسي وتعبير عن محتواه الفكري والتنظيمي، الذي يعارض الوضع القائم في نفس الوقت الذي يدعو فيه إلى تغييره حسب مجموعة أفكار وبرامج يقترحها القائمون على هذا الظهور. بالتالي، إن لم يكن فعل التظاهر مقترنا بهدف التواصل مع الجماهير وتنظيمها على أساس أفكار وبرامج، فإنه أقرب إلى الاستعراض الفلكلوري منه إلى العمل السياسي العقلاني.

في بعض اللاعقلانية السياسية للمظاهرات اليسارية

على العكس من ذلك تميل المظاهرات اليسارية منذ سنين الآن إلى طمس الهويات التنظيمية والسياسية. بلغت هذه النزعة أقصاها مؤخرا. يعود هذا التوجه في مرحلة أولى إلى صعود التيار الناشطي الذي ينبذ المؤسسات التنظيمية المتماسكة ويندد بـ "استغلالها" أو "توظيفها" للمظاهرات لمصالحها. نسمع في هذه "التهم" صدى تنديد البرجوازية وممثليها السياسيين بـ "التوظيف السياسي"، أي بإمكانية تنظم أو تسيس الطبقات الشعبية. ربما كانت الناشطية موظفة لدى البرجوازية دون أن تعلم!

ثم بعد أن أسقط الناشط قيس سعيد بالضربة القاضية مشروعية الأحزاب ثم الجمعيات، يظن العديدون اليوم أنه من النباهة إخفاء الهويات السياسية في المظاهرات. يعكس هذا أولا رضوخا إيديولوجيا لـ "شعبوية" الرئيس – وإن كان تحت مسمى "المواطنية". إذ يزيد على انهيار مشروعية الأجسام السياسية والجمعياتية، طمسا نشيطا لوجودها (بآليات "سلطوية" أحيانا!) بل وضربا لفكرة الانقسام والصراع السياسي ("التعددية" و"التنوع" أيها الليبراليون!). وطبعا لا علاقة لهذا الإخفاء بحماية هذه التنظيمات أو أعضائها أو قادتها من شباك الشرطة.

إذا تجاهلنا هنا التوظيف اللاحق للمظاهرات للضغط خارجيا على الدولة، نجد في مستوى أعمق، أن هذا الطمس مبني على وهم حول إمكانيات هذه التحركات. إذ يبدو أن جل اليساريين يظنون أن حكام الدولة يمكن أن يستجيبوا لمطالبهم بمجرد تقديمها، في مظاهرات كبيرة، كمطالب محايدة، كمطالب مواطنين، كمطالب الشعب، كمطالب الشباب، بدل رفعها كأفكار أحزاب وتكتلات سياسية. من جهة أخرى قد يخالون أن من شأن ذلك تحريك جماهير الشعب لتلتحق بتحركاتهم، وخلق حراك جماهيري يحقق المطالب أو يقلب الحكم. بالإضافة إلى طمس الطابع والهويات السياسية، يدل استعمال شعارات هلامية وخاوية كان أقصاها مؤخرا "ضد الظلم" على نفس الشيء: توهم أن جماهير الشعب ستنزل إلى الشارع وراء هذا الشعار لأن لا أحد يمكن أن يكون مع الظلم. وكأن وظيفة الشعارات قد تحولت من تكثيف مواقف وتصورات ومطالب سياسية واضحة إلى نداءات أخلاقوية تكاد تصل حد الابتزاز.

لعله من الضروري التأكيد أن هذه الأوهام ليست حكرا على مظاهرات "الديمقراطية" الأخيرة وإن كانت من أقصى تجلياتها، بل على مظاهرات اليسار عموما. يمكن التفكير في مطالب تجريم التطبيع مع إسرائيل وطرد سفراء الدول الإمبريالية المساندة للعدوان الصهيوني على غزة في تجمعات تجاوزت حتى الوسط اليساري. قد يتذكر الواحد أيضا هزيمة "مانيش مسامح"، وهذا أيضا كان حراكا تجاوز الأوساط اليسارية الضيقة. تأتي على البال أيضا النتائج الضعيفة لحركات جماهيرية مثل "إحتلوا وال ستريت (Occupy Wall Street)" و "أرواح السود مهمة (Black Lives Matter) في أمريكا و"السترات الصفراء" في فرنسا. فما بالك بمظاهرات محصورة في نفس الوسط الاجتماعي-السياسي الصغير⁴.

يكفي في حدود ما يهم هذا النص القول أن القائمين على السلطة السياسية لا يقدمون تنازلات تعارض سياستهم الطبيعية إلا أمام ضغط يمس شرعيتهم (الإيديولوجية) أو يهدد حكمهم أو السلطة السياسية القائمة ككل. يفوق هذا المستوى طاقات المظاهرات اليسارية. يتطلب احتجاجات شعبية عارمة أو حتى حالات انتفاضية. نحن بعيدون عنها في السياق الراهن. من الشروط الضرورية غير الكافية لظهور هذه الوضعيات، طرح محتجين لهواجس حارقة لدى جمهور الشعب وتراجع السيطرة الإيديولوجية للحاكمين.

في ظروف وجود أحزاب جماهيرية ثورية، قد تلعب المظاهرات دور استعراض قوة وتحدي للدولة قصد تأجيج الأوضاع وتحفيز الجماهير وسط مناخ ثوري وغليان شعبي. هذه أجواء بعيدة كل البعد عن واقعنا. فأما الأحزاب الجماهيرية الثورية التي تستعد لإقامة سلطة جديدة فهي لا توجد. وأما المظاهرات المرتجلة سيئة التنظيم، فهي استعراض ضعف لا قوة، وإن كان لها أثر على من تعارضهم فهو تطمينهم أن مواقعهم ليست في خطر. وأما الاشتباكات مع الشرطة فقد صارت مهزلة سئمها حتى جل اليسار الناشطي ولم يعد يمارس هذه الاستفزازات إلا حفنة من المهرجين.

مع ذلك مازال البعض يظن أن التشهير بعنف الشرطة وضحاياه في المظاهرات قد يكسب تعاطف الجماهير. لكن لا شك أنهم لاحظوا أن هذه الوقائع تنتج الأثر العكسي. وقد وصل إلى هذه الخلاصة ناشطون "إلغائيون (Abolitionist)" أمريكيون، لا يمكن اتهامهم بالتصلب الماركسي الأرثوذكسي، ولا المزايدة على عدائهم للشرطة بما أنهم يشتغلون بشكل خاص على إلغائها (ومن هنا جاء إسم تيارهم):

« في الماضي، كان النشطاء يوظفون في كثير من الأحيان عنف الشرطة، قائمين بأعمال يعتقدون أن الشرطة على الأرجح سترد عليها بالعنف، بهدف فضح بطش ممارسات الشرطة وإجبار الجمهور على مشاهدتها ومواجهتها. وقد جرت العديد من تلك الأعمال […] خلال حركة الحقوق المدنية، في سياق مختلف تمامًا عن عالم اليوم الذي تتفشى فيه وسائل الإعلام الجماهيرية. اليوم، أصبح الناس أكثر اعتياداً على مشاهدة العنف، بما في ذلك العنف ضد المحتجين، حيث يتم مشاركة مثل هذه الصور على نطاق واسع وبشكل منتظم، لاسيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أصبح الجمهور إلى حد كبير معتاداً لا يأبه بمثل هذه الصور.

نادرًا ما يُفحص عنف الدولة ردًا على الاحتجاج بنفس الدرجة التي يُفحص بها عنف المتظاهرين. فكرة أنه إذا كنت متحديًا في مواجهة السلطة، فيجب أن تتوقع أن تتعرض لغيظها، راسخة بقوة في ثقافتنا. عندما يتعرض الأشخاص الذين يتحدون الشرطة للإساءة، غالبًا ما نسمع الناس يسألون: "ماذا كانوا يعتقدون أنه سيحدث؟" إن تفشي الإساءة يضع العبء على عاتق المعتدى عليهم لتجنبها، لأنهم ببساطة "كان يجب أن يعرف ما يفعلون". يُتوقع من المتظاهرين أن يظلوا "لا عنيفين" في جميع الأوقات، بغض النظر عن الظرفيات، بينما يُفترض أن للدولة مبرراتها، على الأقل أحيانا، في ممارسة العنف لقمع "الاضطرابات". »⁵

ولا شك أن معتادي المظاهرات وسط العاصمة قد لاحظوا أن الشرطة تمارس منذ مدة "ضبط النفس" محاولة تأليب جمهور الشعب ضد المحتجين وتصويرهم كمخربين متهورين.

من جهة أخرى، صار من الملاحظ أن الإيقافات تحوّل الوجهة من القضيته الأصلية نحو المطالبة بإطلاق سراح الموقوفين مما يستنزف الجهود التي كان يفترض استثمارها في تحقيق الأهداف السياسية التي انطلق التحرك من أجلها في البداية.

من أجل مظاهرات حية ومثمرة

ما عسانا نستخلص من هذا النقد؟ هل يجب التوقف عن التظاهر؟ لا يبدو ذلك مقترحا عمليا ولا نظنه مستحسنا خاصة في السياق الراهن.

بالنظر إلى المسار السياسي الرجعي الذي تأخذه البلاد، يعاني عدد متزايد من الناشطين التقدميين حالة من الإحباط وربما من الخوف. قد تتطور – وقد تطورت فعلا عند البعض – إلى يأس فانعزال، فاستقالة سياسية. من شأن المظاهرات، في وظيفتها النفسية-الاجتماعية، الحد من هذا الميل. فقد يمكّن اللقاء بين الأصدقاء وكل ما يأتي مع ذلك من مشاعر إيجابية من تخفيف الوحدة السياسية وربما إعادة الأمل والتفاؤل ومن ثمة إحياء بعض النشاط السياسي أو الحفاظ عليه.

بيد أن تواتر هذه الممارسة وخاصة انعدام فاعليتها من شأنه أن يفرز – وقد أفرز فعلا – بسرعة نتائجا عكسية. فما عدا بعض حالات الإدمان على المظاهرات وبعض الكائنات الإيديولوجية، سرعان ما يرى جل اليساريين عبثية الأمر ويحسون بالعجز والوحدة الجماعية. فمثلما لأصدقائنا مشاعر لهم عقل.

من الناحية السياسية، يمثل انتظام هذه التجمعات بالفضاء العام، تفعيلا للحرية السياسية بالأمر الواقع. يعد تواصل ظهور أحزاب وجمعيات وغيرها من المجموعات والأفراد في الشارع وتعبيرها عن أفكار سياسية واحتجاجها على سياسة الحكام وما إلى ذلك، على أنه أمر عادي طبيعي واعتباره كذلك من قبل جمهور الشعب، حدا أدنى إيديولوجيا قانونيا سياسيا مهما، يستحق التمسك به. وهو يستحق ذلك تحديدا لأنه يمنحنا الهامش لتنمية قوانا: تنظيم الماركسيين والبروليتاريا.

لذا لا يمكن أن يكون التظاهر ممارستنا الرئيسية بل يجب تحديدا أن يكون غطاء لممارساتنا الرئيسية. من الضروري إذن تخفيض وتيرته. يعطي ذلك أيضا الوقت للاستعداد والدعاية للمظاهرات بشكل أفضل. في نفس الصدد، تستدعي عقلنتها الخروج من منطق رد الفعل إلى التخطيط⁶. يتنزل ذلك عمليا في إعداد رزنامة (أي حرفيا "أجندة"، لا سمح الله!) لمواعيد المظاهرات ومواضيعها على مدى أشهر أو سنة. تندرج بذلك التحركات في الشارع ضمن أهداف تكتيكية سياسية.

إننا قد كررنا وسنكرر⁷ أن التكتيك الماركسي الصحيح لا يهدف اليوم إلى إسقاط رئيس الدولة الحالي ولا سلطة الكتلة الطبقية التي يحافظ على هيمتنها حكمه. يستدعي تحقيق مثل هذا الهدف جملة من الشروط الغائبة حاليا والتي يجب العمل على إنفاذها.

من بينها ومن أهمها، عودة الأمل للطبقات الشعبية وكسبها لصالح مشروع سياسي تقدمي وتنظم طلائعها في حزب ثوري. ربما تستطيع المظاهرات المساهمة بقدر صغير لصالح التقدم إلى هذه الغايات إذا تغير منطقها.

لنتصور تجمعات في الفضاء العام حول الحاجيات الحارقة للطبقات الشعبية. لنتخيل مثلا رزنامة التحركات التالية: من أجل الزيادة في الأجر الأدنى؛ من أجل منحة بطالة وضريبة على الثروة؛ من أجل زيادة سعر شراء الحبوب والتشجيع على زراعتها؛ من أجل زيادة وسائل النقل العمومي على حساب موردي السيارات؛ من أجل تأميم المصحات الخاصة والنهوض بالصحة العمومية إلخ.

نظن أن الاشتراكيين ومناهضي الرأسمالية وبعض التيارات والعناصر الشعبية التقدمية الأخرى، يمكن أن يتفقوا على مثل هذه الأفكار والشعارات السياسية. لا شك أن التظاهر من أجلها سيلقى منسوبا من التعاطف ضمن الجماهير أعلى من مطالب الحرية السياسية، وخاصة بالنسبة للطبقات الشعبية. من المهم التنبيه هنا إلى أنه من الوهم استهداف تحقيق السلطة القائمة لهذه السياسات، يجب أن يكون واضحا أن الغاية منها دعائية. بهذه الطريقة إذن يمكننا الدفاع بأكثر نجاعة عن الحريات العامة: ممارستها عمليا وفي نفس الوقت محاولة كسب تعاطف لهذه الممارسة من جماهير أوسع قد ترى فيها مصلحة لها.

يبقى ذلك رهين مسار تراكمي على المدى المتوسط. على كل حال تستطيع التجمعات في الشارع منذ الآن أن تصير فضاءات للتثقف والنقاش ومقدمة للتنظم السياسي. يتطلب ذلك إحياء ممارسات تقليدية بسيطة: توزيع منشورات وكراسات ومجلات وصحف إلى غير ذلك من الكتابات الفكرية، وحتى بعض المنتجات الفنية المختلفة؛ مداخلات سياسية متنوعة وجاهزة مسبقا تحمل أفكارا حقيقية، بعيدا عن ارتجال الشعارات الفارغة والمقولات الهلامية؛  إلخ. كل هذا من شأنه خلق  مساحة تواصل حقيقي مع الناس ومجال للنقاش والحوار (أيها الديمقراطيون!).

بهذا الشكل يمكن جعل المظاهرات نوعا من المنتدى السياسي المفتوح في الفضاء العام، يثير الرغبة في المشاركة. تساهم في تثقيف وتنظيم الثوريين، تحافظ على معنويات المناضلين، ولعلها تسهم قليلا في الدعاية للأفكار والتنظيمات التقدمية وكسب تعاطف الطبقات الشعبية معها.

________________________________________________

¹- يصح القول أن كل الممارسات الإنسانية تحمل جانبا (وإن كان هامشيا) من اللاعقلانية واللاوعي

²- أنظر في الفعل السياسي الناشطي، إزميل
https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html

³- تندرج ضمن مشكلة أعمق هي أزمة ثقة الجماهير في السياسيين وقطيعتها مع السياسة وسوء فهمها لها نتيجة لصعود إيديولوجيا رأسمالية رجعية مرتبطة بضرورة إعادة ترتيب السلطة البرجوازية بعد أزمة شكلها البرلماني شبه الليبرالي في تونس. حول هذه الظاهرة المعروفة والقديمة المتجددة، بصفة عامة أنظر:

Nicos Poulantzas - Classes sociales et pouvoir politique

Nicos Poulantzas - Fascisme et dictature

⁴- أنظر نحو إيتيقا ماركسية 1: من التمرد إلى التنظم
https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html

⁵- Mariame Kaba, Kelly Hayes - Let This Radicalize You

⁶-  بينا أن هذا المنطق من خاصيات الفعل السياسي لكن لعله يعود أيضا عند البعض إلى سوء فهم لمفهوم الصراع الطبقي الماركسي. إذ يبدو أنهم يستنتجون ضرورة رد الفعل آنيا على كل ما يقوم به "ممثلو البرجوازية"، بالخروج للتنديد في الشارع بعيدا عن أي استراتيجية ومخططات للانتصار في هذا الصراع.

⁷-  كيف ندافع عن الحريات العامة، إزميل، 2022
https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html
حول الموقف من الهجمة على الحريات، إزميل، 2024
https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html

نحو إيتيقا ماركسية 3: في علاقة الحقل السياسيّ بالحياة الشخصيّة الاجتماعية



يمثل القبول بمبدأ العمل السياسي المنظم والستراتيجي، والموقف الصحيح من جماهير البروليتاريا والشعب شرطين أساسيين في الإيتيقا الماركسية. لكن إنجاز مهام الماركسيين في الواقع يتطلب قدرات على الانضباط-الذاتي والصراع الفردي النفسي والاجتماعي. فعندما يكتب ماركس وانجلس أن « الشيوعيين هم، من الناحية العملية، الفصيل الأكثر تصميماً بين الأحزاب العمالية في جميع البلدان، الفصيل الذي يحفز جميع الفصائل الأخرى؛ ومن الناحية النظرية، فلديهم على بقية البروليتاريا أسبقية فهم واضح للظروف والمسار والأهداف العامة للحركة البروليتارية »، لا يمكن أن يقول الواحد عن نفسه أنه طليعة البروليتاريا، بمجرد انتمائه إلى مجموعة سياسية وترديده بعض المقولات. بل هناك نوع من الاستحقاق الإيتيقي-السياسي الذي يجب أن يبرهن عليه بممارسته.

الفعل السياسي والحياة اليومية

ليحفز الماركسيون النضال البروليتاري يجب أن يكونوا الأكثر حيوية وفاعلية، يجب كطليعة أن ينيروا الطريق أمام العناصر الأكثر تململا وتذبذبا. ما يرسم ملامح إيتيقا على نقيض أساليب عيش منتشرة في الأوساط اليسارية. تزيد على ثماني ساعات عمل (أو تكوين) ساعات طويلة أخرى من الاستهلاك السلبي والتآكل الذهني-النفسي على المنصات الرقمية. ومن الملفت أن هذا التهافت يلقى مؤخرا بعض التبريرات الإيديولوجية المتغلفة بمناهضة الرأسمالية والنيولبرالية، تحت عنوان "الحق في الكسل" ورفض الإنتاجوية. في هذه التصورات يصير مجرد "قتل الوقت" فيما-لا-يعني فعلا تمرديا ثوريا.

من الضروري هنا الإشارة سريعا إلى أن ماركس والماركسيين الثوريين الذين نقدوا العمل (المجرد، المغترب)، وضعوا نقيضه النشاط الحر المنتج، لا السلبية والكسل. فالإنسان الشيوعي الذي تصوره ماركس والماركسيون هو إنسان أرقى من الإنسان الذي تكونه بنى ومؤسسات الرأسمالية: أكثر نشاطا وإنتاجية وأفضل صحة، أكثر معرفة وثقافة، إلخ. بهذا المعنى إن الماركسيين يبشرون بمجتمع وإنسان أكثر تقدما وتوازنا وتكاملا وسعادة. كما ذكر أعلاه لا يمكن تخيل الإنسان الشيوعي انطلاقا من الرأسمالية الطرفية التونسية مثلا، لكن يمكن تخيل إنسان أكثر تطورا (اجتماعيا ليس بيولوجيا طبعا) من الذي تنتجه اليوم، الإنسان الذي سيتشكل ضمن المؤسسات والبنى التي ستقيمها الثورة.

يحاول الماركسيون ككل الناس أن يكون عملهم (أو تكوينهم) الرأسمالي المجرد، أقل إنهاكا واغترابا ممكنا. لكن مهما كان من ذلك، فإن الوقت المتبقي من حياتهم خارج هذا العمل، يمثل المجال الرئيسي لتركيز طاقاتهم الذهنية والجسدية والنفسية، وممارستهم السياسية جزء من هذا النشاط الحر (الذي يشمل أنشطة وعلاقات أخرى غير السياسة طبعا). أما المتمردون الكسالى فبالإضافة لخضوعهم للرأسمالية في العمل المجرد، يخضعون لها في سلبية الاستهلاك المادي والاستعراضي-الإيديولوجي.

بعيدا عن ذلك وعلى طرف نقيضه، يشترط تنظيم البروليتاريا لتجاوز الرأسمالية، طاقة كبيرة ونشاطا شديدا وممنهجا طويل الأمد. يتطلب الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية والذهنية ويتنافى مثلا مع الإفراط في تناول الكحول والمخدرات المنتشر في أوساطنا.

يظهر هنا أن انفصال المجال اليومي (الاجتماعي-الشخصي) عن المجال السياسي نسبي. فلكل منهما استقلاليته النسبية لكنهما يؤثران على بعضهما البعض. بما أن إيتيقتنا سياسية، فلن نهتم بالمجال اليومي للماركسيين إلا بقدر ما يؤثر على المجال السياسي الذي يهمنا. فيما عدا ذلك فإن المبدأ هو حرية الأفراد.

يرتكز الفعل الاستراتيجي الماركسي على التخطيط وهو مبدأ اشتراكي. فمثلما يسند مخطط جمهورية اشتراكية قوة عمل مواطنيها لتلبية حاجياتهم بأكثر نجاعة، يقسم التنظيم طاقات أعضائه حتى يكون عمله السياسي أكثر نجاعة. وبنفس المنطق يجب أن يفكر كل ماركسي في توزيع طاقاته ووقته، حتى يكون أكثر نجاعة في نشاطه السياسي الذي يهمنا، لكن قد ندعي أن ذلك قد يساعده في التحكم بشكل أفضل بحياته بصفة عامة.

وقبل التقدم في هذا الموضوع هناك اليوم حد أدنى يجب أن يتساءل حوله الواحد في قرارة نفسه. كيف يمكن أن يقول عن نفسه أنه ماركسي، وأن يمر يوم واثنان وثلاث وأسبوع من حياته العادية، دون ممارسة ماركسية. وعندما نتحدث عن الممارسة ندمج هنا حدا أدنى يتمثل في دراسة وتعلم النظرية الماركسية أو أي معرفة ومهارة أخرى قد تفيد السياسية الماركسية.

وقد يكون أحد أسباب هذا المشكل موجودا في خضوع الحياة اليومية إلى منطق التلقائية بدل التنظيم والتخطيط. لا يحتوي اليوم أكثر من 24 ساعة. يحتاج جلنا في المتوسط إلى 16 ساعة بين نوم وعمل لتحقيق حاجياته المادية الأساسية. على كل ماركسي إذن إيجاد توازن معين في هذه الساعات الثمان المتبقية بين أنشطته الاجتماعية والشخصية، ونشاطه السياسي الصرف، أن يتحكم في رزنامته ويحدد وقتا يوميا وأسبوعيا لتحقيق منجز شيوعي، مساهمة متواضعة في العمل الجماعي.

لننطلق من هذه النقطة ومن معاينة بسيطة. جل اليساريين ودعاة الشيوعية لا يقرؤون. لا يقرؤون نصوصهم الكلاسيكية ولا تطورات النظرية (الماركسية) اللاحقة والمعاصرة. بل تردد غالبيتهم مقولات متناثرة خارجة عن سياقها الفكري والتاريخي، وعناوين كتب وأسماء مؤلفين لم يقرؤوهم يوما. في نفس الوقت يدّعي عديد هؤلاء أنهم نخب ومثقفون وأن "هذا الشعب" جاهل ولا يحترم مثقفيه. في حين أن أغلبيتهم الساحقة محتالون أدعياء، يتقمصون دور وشخصية وموقع "المثقف" زورا.

لنتساءل الآن وليسأل كل واحد منا نفسه: إلى أي مدى يمكن يوميا تخصيص ساعة أو ساعتين أو نصف ساعة لقراءة النظرية الماركسية؟ من الواضح أن من لا يقدر على ضبط-نفسه والالتزام بمثل هذه الممارسة الدورية البسيطة (والأساسية) لن يقدر على القيام بأي عمل استراتيجي منهجي طويل الأمد أكثر عسرا. ودون نية في المغالاة قد تكون القراءة والدراسة النظرية، مدرسة لا فقط نظرية بل إيتيقية في الانضباط الذاتي. تعلم الماركسيين فكرة المثابرة لبلوغ الأهداف. تساعدهم في تجاوز النزعة الصبيانية في تحقيق كل الرغبات بشكل آني، نحو قبول (بل واحتضان) التمزق النفسي والنضال الذي يفصل ظهور الرغبة-الهدف وتحقيقها. فمثلما لا تتحقق رغبة المعرفة إلا عبر نشاط ذهني و"صراع" مع المشاكل النظرية، لا تتحقق رغبة الاشتراكية إلا عبر جهد سياسي يستحق انضباطا جماعيا لستراتيجيات وآليات تنظيمية.

لا يمكن تفسير عجز الأفراد بشكل مستمر في ظروف حياتهم العادية عن إنجاز مثل هذه الالتزامات البسيطة، إلا بأن لهم أولويات أخرى في الحياة أو بفقدانهم للقدرة والاستعداد. بذلك لا يمكن اعتبارهم عناصرا طليعية. 

مثلما لا يعني عدم إرسال أصحاب الإعاقات الجسدية، كجنود خط أول في الحرب، أنهم عديمو النفع للمجتمع أو ليس لهم الحق في الحياة كغيرهم، لا يعني أن لا يكون الواحد ماركسيا طليعيا أنه شخص سيء أو عديم الفائدة للنضال الماركسي عموما وأنه عدو الماركسيين، بل فقط أنه يفتقد لبعض المؤهلات التي يتطلبها نشاطهم. وقد يمتلك مؤهلات أخرى تصلح في ميادين أخرى من الحياة والإنتاج لا يمتلكها الماركسيون.

تتغير هذه الأمور زمنيا أيضا. فمن يعاني اليوم حالة إحباط تمنعه من إنجاز أبسط المهام (حتى في الحياة اليومية)، يمكن أن يكون عنصرا قياديا في مرحلة لاحقة بعد حل بعض مشاكله أو تحسن حالته النفسية.

في المقابل ينساق البعض إلى طرح مهام كثيرة ومتنوعة. فلا يجدون لها الوقت ولا يتقنونها، وعادة ما لا يقدرون على إنجاز أي منها. وهكذا تكون النتيجة النهائية نفسها: يراوح الأفراد والمجموعات مكانهم في حالة من الغليان غير المثمر الذي يتحول إلى إحباط. وقد يعذر ذلك عند العناصر الأصغر سنا أو الأقل معرفة وتجربة، كمشكلة نقص نضج تجاوز بالممارسة والتصحيح، لكن انتشارها عند الكثير من قديمي العهد في الأوساط اليسارية، يشير إلى وجود مشكلة حقيقة في علاقة بالقدرة على التخطيط وتقدير الموارد والطاقات وتحديد الأهداف الممكنة بل مجرد التحكم النسبي في حياتهم.

طبعا قد يمر هذا الشخص أو ذاك بظروف صعبة لفترات متفاوتة من الزمن، تمنعه من إنجاز مهام بشكل عادي، لكن لا يجب أن يتحول ذلك إلى واقع بنيوي. من هنا يطرح على الماركسيين أن يحاولوا ضمان وضعية اجتماعية-شخصية تمكنهم من النشاط السياسي في أفضل الظروف.

يأتي للذهن أولا الشرط الاقتصادي. فلا يمكن أن تستمر ممارسة سياسية منتظمة على المدى الطويل على أساس حالة من الهشاشة الاقتصادية. كما لا يمكن أن تتواصل أيضا عند أفراد مجهدين من ساعات عمل طويلة ووظيفة منهكة. يجب أن يفكر الطلبة الماركسيون جيدا في هذا الأمر.

هناك عمل آخر يلتهم الكثير من الوقت والطاقة: رعاية الأطفال. هذه نقطة حساسة قد تثير الجدل. لكن رغم أنها قد تمس الحياة الحميمية للأشخاص إلا أنه لا يمكن تجاهل تداعياتها الجسيمة على النشاط السياسي. فمن المعروف بالنسبة إلى  الماركسيين أن رعاية الأطفال عمل إعادة-إنتاج يستهلك وقتا وطاقة جسدية ونفسية وذهنية، تقلص من المجال الممكن للنشاط السياسي. 

ولهذه النقطة أيضا بعد جندري معروف. إذ يقع كاهل جل هذا العمل بنيويا على النساء. ولا شك أنه من أهم أسباب تهميشهن في المجال السياسي بصفة عامة (مثلما هو يعيقهن في الارتقاء المهني حسب دراسات معروفة).

هذه مشكلة غير بسيطة لا يمكن حلها بسهولة في إطار هذا النص. لكن ما نلاحظه إلى اليوم في الأوساط اليسارية هو إهمالها وإعادة-إنتاج الأشكال العائلية-الجندرية السائدة التي تعرقل التنظم والنشاط السياسي الثوري، بشكل أقوى عند النساء والتي هي أصلا الأساس الاقتصادي لعجز عموم البروليتاريا عن التنظم الذاتي وحاجتها إلى طليعة: إنها الساعات الطويلة المجهدة من العمل المأجور وتنضاف لها ضرورات إعادة-الإنتاج. 

يأخذ إذن النشاط السياسي حيزا خصوصيا من وقت وجهد الماركسيين، كمجال مستقل بذاته. لكن قد توجد فرص للنشاط السياسي في مجالات أخرى من حياتهم الاجتماعية. كون أغلبهم أجراء طبقة وسطى، قد يكون مكان عملهم أو حي سكنهم ميدانا أكثر أو أقل خصوبة للعمل السياسي. هناك أيضا الوسط الجامعي.

ليس النشاط السياسي الماركسي عملية دعوة وتبليغ إيديولوجية، فلا داعي لأن يضيع الواحد جهده محاولا تحويل أفراد عائلته الإسلامية أو زملائه في شركة استشارات كبرى أو جيرانه في حي برجوازي إلى شيوعيين. فليس الهدف جعل غالبية أفراد المجتمع شيوعيين لأن ذلك مستحيل في ظلّ الرأسمالية، بل هو تنظيم البروليتاريا على برنامج وكسب الشعب له بالاستجابة لمصالحه وهواجسه التقدمية.

يستدعي ذلك من الماركسيين أولا تواضعا وقدرة على الإنصات لهواجس الناس واستيعابها. وهو سلوك على نقيض ما نراه عند عديد اليساريين من تعجرف وتكبر و نزعة لإعطاء الدروس باجترار بعض المقولات الإيديولوجية العامة التي لا يرى الناس فيها علاقتهم بواقعهم. على العكس من ذلك، من فهم فعلا الماركسية، يستوعب أولا المصالح الحارقة والهواجس التي تعتمل الجماهير التي يوجد بينها، ويعطيها إجابة ماركسية، مطورا بذلك البرنامج الماركسي استجابة لشرائح جديدة من الشعب.

وإلى جانب النضالات الجماعية التي قد تطرح في ظروف معينة، وتمثل فرصة للماركسيين لكسبهم الناس أفرادا ومجموعات في الصراع الطبقي الاقتصادي-الاجتماعي، يمكن كسبهم عبر إيتيقا فردية في الحياة الاجتماعية اليومية. بالإضافة إلى إعطاء سمعة جيدة للاشتراكيين، يجب أن ينزّل الماركسيون أفكارهم السياسية إلى مسلكية يومية تروج لها بالممارسة.

مثال بسيط على ذلك في مسألة مقاطعة منتوجات المؤسسات الاقتصادية المطبعة والمرتبطة بإسرائيل. يعطي الماركسيون المثال في هذه الممارسة ويلفتون نظر الناس إلى المسألة من حين لآخر، بشكل ذكي وخفيف، لا بشكل عدائي منفر. يأخذون السياقات وقدرات الناس واستعداداتهم، بعين الاعتبار، و يتجنبون تعجيزهم. فلا جدوى من مطالبة أب أو أم عائلة بمقاطعة حليب دليس مثلا خلال مشكلة ندرة في الحليب، يجب حينها التركيز أكثر مثلا على كوكا كولا ومضارها.

يمتد الأمر إلى التحكم في الاستهلاك بصفة عامة: من ناحية مصدره بتبجيل المنتجات المحلية، مقاطعة البلدان الإمبريالية قدر المستطاع إلخ.؛ ومن حيث نوعيته وآثاره الصحية والبيئية وكميته.

يمارس إذن الماركسيون في حياتهم اليومية إيتيقا تحمل ما أمكن من عناصر الانتقال إلى الاشتراكية وتلفظ ما أمكن من عناصر الرأسمالية التي يمكن التخلص منها. بالإضافة إلى التحكم في الاستهلاك، يبدون أيضا حرصا على الملك العمومي والفضاء العام. يخلو كلامهم وممارستهم من أي أنواع من التمييز الجندري أو الجهوي أو العنصري إلى غير ذلك.

بالتالي يتداخل الشخصي-الاجتماعي مع السياسي في الاتجاه المعاكس أيضًا؛ فكما يمكن أن يتحوّل اليومي أحيانًا إلى مجال للعمل السياسي، فإن السياسي ذاته يحمل أبعادًا اجتماعية وشخصية لا يمكن فصله عنها تمامًا.

يجب التأكيد رغم ذلك، على أن الانقسام بين المجال السياسي ومجال الحياة الاجتماعية ومجال الحياة الشخصية ليس بالأساس نظريا تحليليا بل هو، بالعكس، موجود في الواقع الاجتماعي الرأسمالي نفسه.

ليس من الخطأ تصور أن الاشتراكية تنزع إلى تخفيف هذا الفصل وتحقيق الوحدة بين "العام" و"الخاص" وبين الاجتماعي والفردي. لكن طرح تجاوز هذه الانقسامات ضمن مجتمع رأسمالي اقتراح إرادوي. فالماركسيون إن كانوا يحملون عناصرا من الاشتراكية فهم على كل حال يحملون أكثر عناصر من الرأسمالية التي يعيشون ضمنها. وذلك بالأحرى في أطراف الرأسمالية العالمية، حيث ليس البرنامج الثوري المباشر للماركسيين بناء الاشتراكية، التي تستدعي فترة انتقالية طويلة من تطوير الإنتاج والامتداد السياسي-الجغرافي.

في هذه السياقات وأمام رجعية وتكلس بقية التيارات السياسية المناهضة للإمبريالية (القومية والإسلامية أساسا) قد يأتي للماركسية، أناس لا يستبطنون تماما النظرية الماركسية والحالة النفسية-الذهنية التي تتلاءم معها. لكنهم يقبلون ببرنامج واستراتيجية الماركسيين السياسية. من الطبيعي، إذن،  أن يوجد تفاوت ضمن الحزب الماركسي خاصة في فترة تاريخية مازالت بعيدة عن الشيوعية، وأن توجد عناصر شعبية جذرية أو شعبية ثورية. عادة ما تظهر هذه الصعوبات في نقاط خارج البرنامج الماركسي المباشر. طالما تكثفت الشيوعية في مسألة تجاوز الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فالجميع شيوعيون، لكن عندما تطرح مسائل مثل تفكيك الدولة وتجاوز الانتماء القومي، وإلغاء العائلة والمبادلات المالية وتفكيك الجندر إلى غير ذلك، سرعان ما يتقلص عدد الشيوعيين.

كل هذا للقول أنه لا يجب أن نتوهم أن الحزب الشيوعي يمكن أن يكون ميكرو-مجتمعا شيوعيا سابقا لأوانه منفصلا عن المجتمع الأوسع الذي يعيش فيه أعضاؤه، ومتطلباته. من السهل تقدير معدل الساعات اليومية التي يقضيها الواحد ضمن المجتمع الرأسمالي ومعدل ما يقضيه في الممارسة الماركسية. تقي هذه المقارنة من الاستخفاف بمدى تأثير المجتمع الرأسمالي في الماركسيين. 

ما لا يعني طبعا القبول بكل سلوكات المجتمع الرأسمالي ضمن مجال الممارسة السياسية، بل فقط تجنب وضع أهداف وانتظارات إيتيقية، يوتوبية غير قابلة للتحقيق. يجب أن توضع معايير حد أدنى ديمقراطية جذرية يمكن أن يلتزم بها فعلا هؤلاء الماركسيون الذين نشأوا في تربة الرأسمالية الطرفية، ويناضلون في سياقها لتجاوزها. مثلما لا يطرح الماركسيون تحقيق الشيوعية مباشرة بل برنامجا سياسيا قابلا للتحقيق ضمن الرأسمالية يفتح الباب للانتقال إلى الاشتراكية، يطرحون معاييرا إيتيقية قابلة للتحقيق ضمن الرأسمالية ومن شأنها تحفيز الممارسة الماركسية والارتقاء بالماركسيين فكريا ونفسيا.

يتمثل أحد مخاطر تحديد معايير إيتيقية أعلى من المناسب، في دخول دوامة من الصراعات الأخلاقية اللامتناهية قصد تطهير نفوس الشيوعيين وحزبهم من كل شوائب الرأسمالية المحيطة بهم. من الواضح أن هذا الهدف اليوتوبي لن يتحقق وسيمنع أي نشاط سياسي "خارجي" مع البروليتاريا والجماهير التي تعيش تحت الرأسمالية. فلا يجب أن ننسى أن التنظيم الماركسي، هو أولا  تنظيم صراع، لقيادة النشاط الثوري.

بالعكس من ذلك إن منطلق الإيتيقا الماركسية هو تحديدا بلوغ هذه الأهداف السياسية ويجب أن تكون في خدمتها. ففي غياب معايير إيتيقية تجمع الماركسيين وتضبطهم، لا يمكن التقدم بشكل سليم ومستدام في العمل السياسي الجماعي. بتطور تنظيمهم وطبقتهم، ترتقي شروط نشاط الماركسيين ومتطلباته الإيتيقية-السياسية-النظرية.

في انتظار إقامة الاشتراكية والمرور إلى الشيوعية، واتساع مجال الوحدة النفسية والحرية، على الماركسيين إذن أن يناضلوا ضمن المجتمع الرأسمالي، في ظروف الانقسام والتناقض والتمزق النفسي، وأن يجدوا الصيغ والتوازنات النسبية بين ممارساتهم السياسية واليومية (الاجتماعية والشخصية) بما في ذلك حياتهم النفسية.

شبكات التواصل الرقمي

يبقى وصف الواقع الحياتي العيني المعاصر منقوصا دون التطرق لهذا الواقع الموازي أو بالأحرى المتشابك بشكل عضوي أكثر فأكثر مع الواقع الملموس المباشر ألا وهو الفضاء الرقمي، لاسيما في نص انطلق من واقع الأوساط اليسارية، التي تكاد تكون منصة فيسبوك أهم ميادين وأسس وجودها اليوم.

وقد تحول هذا الموقع تدريجيا مما يبدو فضاء مفتوحا للتعبير الحر إلى أن صار منذ سنوات فقاعة مغلقة وبيت أصداء. لا يرى فيها الواحد ولا يسمع إلا ما تقرر الخورزميات أنه سينال إعجابه أو يثير تفاعله أو يديم بقاه على الموقع، ولا ينتشر ما يقوله ويشاركه إلا ضمن وسط اجتماعي-رقمي تحدده نفس الخورزميات التي تخفيها سرية الملكية الخاصة.

لكن بالنظر إلى كثافة المنشورات وطبيعتها قد يظن الواحد عكس ذلك. فقد تصل حدة الصراعات الرقمية إلى درجة أن يظن ملاحظ ساذج أن رهانات سياسية جسيمة محل نزاع، أن جمهور الشعب يتابع هذه المواقف الفايسبوكية المتصارعة، وأن التاريخ يصنع هنا! ثم تأتي الانتكاسة السياسية الموالية ونخال أن المعنيين قد استفاقوا لهذا الواقع. لكن سرعان، ما ينسى أو يتناسى أو ينوم هؤلاء الناشطون مجددا.

وفعلا نعرف أن خورزميات منصات التواصل الرقمية، تستعمل  آليات عصبية-نفسية عند البشر لخلق حالة إدمان على استعمالها. هذا ما يفسر بسهولة جزءا كبيرا من هذه التصرفات اللاعقلانية (المستمرة والمتكررة بشكل بنيوي). هكذا تضرب هذه الفضاءات الرقمية النقاش الفكري العقلاني. تكرس منطق الإثارة ورد الفعل السريع ضمن سيل لامتناهي من التفاعلات والمعلومات والمستجدات. لا مكان فيها لأخذ مسافة من الأمور والتساؤل المتأني ولا تتجاوز المساحة المتاحة للتفكير النقدي والنقاش الجدي الهامش. ليس كل هذا طبعا بمعزل عن نقص القراءة والدراسة النظرية، والقدرة على ضبط-الذات والعمل الممنهج.

من جهة أخرى، تمثل الزعامتية مشكلة عويصة في تاريخ اليسار. يرتكز هذا التيار السياسي كأحد أسسه على فكرة المساواة التي تتعارض مع الزعامة. بانحسار مشروعية الزعامات القديمة في تونس، قد خلنا للحظة أن جيلا جديدا يمكنه بناء علاقات سياسية وتنظيمية أكثر مساواة وديمقراطية، لكن هيهات! فلم تكد المسألة تطرح، حتى ظهر نقضها العملي.

إذ سرعان ما خلقت هذه المنصات الرقمية، مكان حفنة من الزعماء، عشرات (ربما مئات) من الميكرو-نجوم. فبحكم منطق التفاعلات والمشاركات والمشاهدات، يدخل الناشطون اليساريون في ديناميكية مراكمة أرصدة رمزية على السوق الرقمية. ديناميكية تتجاوز نواياهم وتخيلاتهم حول أنفسهم. بينما كانت النجومية في الماضي تستدعي شهرة وطنية على الأقل، وبالتالي حالة استثنائية لا تبلغها إلا قلة قليلة محظية، صارت اليوم كل فقاعة رقمية تحتوي على كم من الميكرو-نجوم.

تسهل رؤية الصعوبات التي تطرحها هذه البنية أمام العمل السياسي الجماعي والانضباط الديمقراطي والتنظم الماركسي الثوري. ويكاد يكون اليوم الموقف النقدي منها أحد الشروط الإضافية المعاصرة لإيتيقا الماركسيين الثوريين.

يضع الماركسيون فرديا وسياسيا كمبدإ قائد لتعاملهم مع الفضاء الرقمي، مقاومة الخضوع لمنطقه. وهو جهد مستمر لا يجب الاستهانة به. يتحكمون ويحدون من الوقت الذي يقضونه على هذه المنصات، ويدخرون طاقتهم العصبية والنفسية، لأنشطة مفيدة أكثر. كما يتجنبون الدخول في المناكفات والاستفزازات والمشاجرات المفتعلة دوريا. ونلاحظ أن بعض رفاقنا غادروا بعض هذه الفضاءات أو جلها، بمبادرة فردية حفاظا على طاقتهم النفسية والذهنية.

لكن المنطلق السياسي مختلف. فالجماهير موجودة في هذا الشبكات الرقمية. لذلك فإن دعوات مقاطعتها التي ترفع أحيانا لا تتجاوز كونها سخافات يسراوية، لا يستجيب لها أحد بما فيهم دعاتها. يستعمل إذن الماركسيون هذه المنصات للدعاية لأفكارهم وبرنامجهم وشعاراتهم على أوسع نطاق. نظرا لمنطق الخورزميات، لا يمكن تحقيق ذلك تلقائيا. يتعامل الماركسيون إذن معها كفضاء إعلام غير محايد. يضعون خطة للاشتغال فيه ومجاراة آلياته قصد خرق الجدران التي تضعها بينهم وبين الجماهير. يوظفون جماعيا هذه الفضاءات الرقمية بشكل ممنهج ونفعي لبلوغ أهدافهم السياسية، ويقاومون بذلك وفي نفس الوقت، نزعتها لاستيعابهم كأفراد ضمن ديناميكياتها وامتصاص طاقاتهم.

خاتمة

تمر اليوم الحركة الماركسية بمرحلة حاسمة في تاريخها. اليوم بدأ مصير الثورة القادمة يتقرر. اليوم، ضد التيار التاريخي الرجعي الجارف، تفرز وتتكون النواة الصلبة للحزب الماركسي الثوري القادم.

بدل تنويم جيل جديد من الشيوعيين بالشعارات الكبيرة والفارغة، لنقر بحجمنا وننطلق من البداية بطرح وحل المشاكل الحارقة، التي تعترضنا في واقع الممارسة الماركسية الضعيفة الراهنة. من لا يطرق هذا الباب الصغير لن يصل إلى الباب الكبير. إذا ما نجحا في مواجهة هذه المشاكل الإيتيقية "الصغيرة"، لن نصل إلى المستوى والحجم اللذين يطرحان علينا المشاكل السياسية "الكبيرة".

نحو إيتيقا ماركسيّة 2: الطليعيّة نقيض النخبويّة

 


ورد في الجزء الأول من هذه المقالة مصطلح الطليعة في علاقة بمسألة التنظم. يستحق هذا المفهوم التوقف عنده لأن سوء فهمه مصدر بعض أسوإ النزعات المنافية للماركسية والموجودة في الأوساط المحيطة بنا وعلى رأسها النخبوية.

يعتبر الماركسيون وجود طليعة ثورية حقيقة نظرية يمكن معاينتها بسهولة في الواقع. ففي كل تشكيلة اجتماعية (رأسمالية على الأقل)، مثلما توجد طبقة مؤهلة أكثر من غيرها للثورة عليها، توجد مجموعة من الناس أكثر فهما لهذه الثورة وأكثر إصرارا على إنجازها.

لا توجد هذه الطليعة في منزلة أخلاقية أو قيمية أعلى من عموم الناس. إن كان هذا الموقع السياسي محددا بنيويا فانتماء الفرد له صدفة تاريخية، ليست مدعاة فخر شخصي بأي شكل. لا مانع لأن يفتخر الماركسيون بكونهم كذلك في وجه التيارات السياسية البرجوازية والبرجوازية-الصغيرة واعتبار أنفسهم الأكثر تقدما ونشاطا وعلمية وعملا ومادية وإصرارا (ويجب أن يستحقوا ويثبتوا ذلك بممارستهم الإيتيقية) لكن لا يمكن أن يفتخر الماركسي بأنه أرقى من طبقته ومن شعبه.

مهمة الطليعة الماركسية هي تحديدا تشكيل الطبقة، صهرها وتوحيدها. فاتساع الهوة بين الطليعة وجمهور طبقتها هو علامة فشل في الوظيفة البنيوية للماركسيين لا يمكن أن يكون مدعاة فخر إلا لمن لم يفهم الماركسية.

بالنسبة لبعض المتمردين، الماركسية هي معجم من الكلام "الصعب" للشعور بالعلوية الثقافية على جمهور الشعب والشيوعية جملة مبادئ مثالية للشعور بالرفعة الأخلاقية. السلوك التمردي سلوك نخبوي بالضرورة، وبالعكس أيضا، السلوك النخبوي سلوك تمردي. فكلمة نخبة تتضمن منطقيا فكرة الترفع فوق العامة، فوق الشعب، والنخبة بالضرورة أقلية. لذلك ليس من المفاجئ أن ينتقل بعض "الشيوعيين" إلى خندق البرجوازية، إذ لم يكونوا أبدا شيوعيين ماركسيين بل كانوا دائما نخبويين-أقليين-متمردين.

بناء على ذلك لا يستعمل الماركسيون مصطلحا مثل "الشعبوية" لازدراء خصومهم. يمكن استعمال المفهوم بمعنى تحليلي موضوعي حيثما كان مناسبا، مثلا لبيان أن مفهوما مثل الشعب قد يستعمل لطمس الصراع الطبقي. لكن لا يقبل ماركسي سليم التكون والتكوين باستعمال مصطلح شعبوية بمعنى مرادف تقريبا للفاشية أو للسفسطة، بشكل يستبطن أن الشعب غبي ويساند بالضرورة الأفكار المغلوطة والرجعية.

كما لا يرى الماركسيون البروليتاريا والطبقات الشعبية بالأساس كضحية، كطبقات "مسحوقة" أو "هشة" كما يقول اليساريون، كفقراء ومساكين يتعاطفون معهم ويسعون، بمعزل عنهم إلى تحقيق بعض "المكاسب" لهم، بصفتهم فاعلي خير أو فرسان "عدالة اجتماعية". بالعكس، يعتبرها الماركسيون فاعلا سياسيا تاريخيا في ميدان الصراع الطبقي، ويعتبرون أنفسهم جزءا منها، يعبر عنها في المستوى السياسي، ويسعون إلى تنظيمها على برنامج، لتحقيق مصالحها.

لا يعني ذلك السقوط في تصوير البروليتاريا أو الشعب صورة مثالية، سرعان ما تنقلب إلى عكسها في أول ارتطام بتعقيد الواقع. لا تمثل البروليتاريا الخير والبرجوازية الشر. ليس كل أفراد البروليتاريا أناسا خيرين. فهم مختلفون بقدر اختلاف عموم أفراد المجتمعات الرأسمالية، ولا شك أن ظروف عيشهم الأصعب مقارنة بمتوسط المجتمع تزيدهم ضغوطات.

ليس على عاتق الماركسيين أن يحبوا البروليتاريا، فالعلاقة بين الطليعة والطبقة الثورية علاقة سياسيّة بالأساس، والمطروح عليهم تنظيمها حول برنامج سياسي يحقق مصالحها.

يعني ذلك أن الماركسيين يعملون على تقليص الهوة بينهم وبين جمهور البروليتاريا، في نفس الوقت الذي يتقدمون فيه بوعيها وتنظمها وممارستها. ينطلق هذا المسار من الإحداثيات التي توجد فيها البروليتاريا في مرحلة معينة من تاريخ تشكيلة اجتماعية محددة. بأكثر فجاجة يمكن القول إن الطليعة مطالبة أولا بالنزول إلى مستوى وعي وتنظم وممارسة البروليتاريا، ثم الشروع في الارتقاء بها تدريجيا أو جرها معها بتؤدة نحو الأمام. نتحدث هنا دائما عن ارتقاء أو تقدم سياسي، إيديولوجي، تنظيمي، لا عن ارتقاء أخلاقي قيمي.

وهناك على هذا المسار انحرفان يسميان سياسيا باليسارية واليمينية يتوازيان مع نزعات وممارسات تحت-سياسية وشبه-سياسية فردية وجماعية.

يوجد من الجهة اليسرى قطب النزعة التمردية-الأقلية-اللامعيارية. على المستوى السياسي ينعكس هذا الانحراف في طرح أفكار وبرامج لا يمكن أن تقبلها وتتبناها البروليتاريا في مرحلة تطورها الراهنة، بل ربما لا تفهمها أصلا. قد تكون هذه الأفكار شيوعية ومن بين أهداف الشيوعيين على المدى البعيد وقد لا تكون.

على المستوى السلوكي تتجسد هذه النزعة في طرق ظهور وتعبير رمزي عن الذات تعمق الهوة الرمزية مع البروليتاريا وتخلق حواجزا للتواصل معها. مجددا ليست المشكلة أخلاقية ولا مبدئية بل سياسية، فقد تكون هذه السلوكات تفعيلات فردية لبعض أفكار الشيوعيين، أو قد تعتبر هذه الممارسات الرمزية أجمل استيتيقيا، أو قد تعكس تحرر الأفراد من قيود اجتماعية-إيديولوجية غير عقلانية، لكن إن كانت نتيجتها السياسية إعاقة تنظيم البروليتاريا فلا يمكن أن تكون ممارسة سياسية-ايتيقية ماركسية.

عادة ما تأتي هنا اعتراضات تنطلق من أفكار مثل الأصالة والتناسق والنفاق والصراحة والكذب والحقيقة. هل يمكن أن يكون الواحد اشتراكيا وأن "ينافق" البروليتاريا؟ هل يمكن أن يكون الواحد شيوعيا ويقمع نفسه ويتنازل عن ذاتيته وحريته أمام الإيديولوجيا السائدة؟

نلاحظ أولا أن هذه مبادئ مثالية لا يمكن على كل حال تنزيلها في الواقع بشكل مطلق. فلا يمكن أن يتخيل واحد حياة اجتماعية دون "كذب". لنتصور فقط أن يجيب بصراحة كل من يسأله "كيف الحال؟" طيلة شهر من الحياة الاجتماعية العادية بدل أن يستعمل أكذوبة "لا بأس". مهمة عبثية! يوجد طيف الواقع (في المجتمعات الطبقية والمنقسمة وخاصة الرأسمالية، على الأقل) دائما بين ثنائيات الحقيقة والكذب، الصراحة والنفاق، الشفافية والعتامة، الحرية والخضوع. تحمل الأقوال والممارسات في الواقع، عن وعي وغير وعي، نسبة من هذا وذاك (من حقيقة وكذب في ذلك القول، من صراحة ونفاق في هذا التصرف، من الذاتية الأصيلة والرضوخ الاجتماعي في ذلك السلوك…).

يحمل ثانيا، هذا النوع من الاعتراضات الأخلاقوية، حول "التلاعب" بالبروليتاريا مشكلة منطقية ضمنية. فإما أن يفترض النموذج الفكري أن كل الفاعلين، ماركسيين وبروليتاريا ذوات (واعية بذاتها تماما) متساوية. في هذه الحالة البروليتاريا حرة ومسؤولة تماما عن أفعلها ولا يمكن أن يغالطها ويوظفها الماركسيون لمصالحهم الخاصة. فكل ما تفله نابع من ذاتها ومن وعيها ووعيها بنفسها.

إما أن يفترض نموذج التفكير اللامساواة بين الماركسيين والبروليتاريا وأن ذاتية الأخيرة منقوصة ويمكن بالتالي الهيمنة عليها وتوظيفها لصالح مقاصد طرف آخر. وبما أنه من الطبيعي أن يتحرك كل فاعل لتحقيق مقاصده الذاتية، فأي تفاعل من الماركسيين (فاعل-ذات) مع البروليتاريا (ذات منقوصة أو في الأقصى موضوع) لا يمكن إلا أن يكون محاولة توظيف لها. أكثر من ذلك، يعني نقص ذاتية البروليتاريا أن ممارساتها تنبع دائما بنفس القدر من ذاتيتها ومن اغترابها وخضوعها للسيطرة (من قبل البرجوازية، أو الماركسيين، أو الأنارشيين…). هكذا لا يمكن أصلا معرفة ذاتيتها الأصيلة بشكل موضوعي لتجنب التلاعب بها!

من الواضح أن هذه المتاهة الذاتوية الأخلاقية غير مثمرة. لا يمكن أن تفضي إلى نظرية تجد لها تطبيقا في الواقع، إلى نظرية ممارسة (براكسيس). طبعا لا يبلور التلقائيون الأمر بهذا الشكل. فمن خصائص التلقائية، تعريفا وحتى اصطلاحا، نقص التفكير في الأمور. لكنهم يقولون بالمساواة المبدئية بين الجماهير والسياسيين وبأن البروليتاريا تعرف ما تريد و"لا تحتاج دروس أحد" إلخ. ويتهمون في نفس الوقت الماركسيين بمغالطتها والتلاعب بها!

لا تتجاوز هذه المواعض الذاتوية الأخلاقية في نهاية المطاف، كونها تبريرات إيديولوجية لراحة الممارسة العفوية: التمرد على السائد بعيدا عن البروليتاريا، والمزايدات الأخلاقية على محاولات العمل مع الجماهير.

ما يضبط ايتيقة الماركسيين تجاه البروليتاريا لا يمكن أن يكون إذن من قبيل هذه المثاليات الأخلاقية المطلقة: الحقيقة، الصراحة، الشفافية. وإلا لكان على البلاشفة إعلام عموم البروليتاريا الروسية (ولما لا الأممية!) بالهجوم المسلح على قصر الشتاء! ما يؤطر سلوك الماركسيين تجاه البروليتاريا هو استراتيجية تطورها السياسي كطبقة ووصولها إلى السلطة لبناء الاشتراكية. هذه الاستراتيجية نفسها مبنية على نظريات موضوعية، اقتصادية (نظرية العمل للقيمة) وتاريخية (النظرية المادية للتاريخ).

بنفس المنطق النسبي، يتبين أن تحرر الفرد تماما من كل الضغوطات الاجتماعية استحالة في الواقع (الطبقي، الانقسامي الراهن). فهو تحت الرأسمالية مثلا مجبر (عدا إن كان برجوازيا) على الخضوع طيلة عدد من الساعات يوميا للعمل المأجور. يوجد الناس دائما في خيار بين الانصياع الاجتماعي والتعبير الذاتي في بنية معقدة من الإكراهات. يقوم كل بخياراته حسب رغباته وأولوياته وحساباته وأهدافه باختصار حسب معاييره الخاصة. وعلى الماركسيين كغيرهم اختيار درجة تنازلهم للواقع الرأسمالي القائم حسب أولوياتهم ومعاييرهم، حسب استراتيجيتهم السياسية ومتطلباتها الراهنة.

وإن كان تجاوز كل التناقضات ذهنيا، عملية مثالية سهلة، لا تفوت بعض الصور في الخيال والمقولات العامة، فهو عند ماركس سيرورة اجتماعية تاريخية عسيرة بل ودامية من التمزق والصراع.

قاد الانحراف الأيسر على طريق تنظيم البروليتاريا إلى نقاش بعض التعقيدات، أما الانحراف الأيمن، فيتمثل في نكوص وعي ونفسية الماركسيين، في تذيلهم وخضوعهم للممارسات والإيديولوجيا السائدة. تتحول ممارسات وتصورات ونفسية جمهور الشعب والبروليتاريا من واقع يجب الإقرار به والتعامل معه لتغييره بالتنظم والتثقف نحو الأفق الاشتراكي، إلى معيار الشيوعية، ويصير كل ما تفعله وتتصوره الجماهير هو السلوك البروليتاري الثوري الأصيل وأما النقد والمعرفة العلمية الماركسية هي أفكار "برجوازية-صغيرة".

قد ينطلق ذلك من نزعات تلقائية أنارشية أو شبه-أنارشية، تنتهي أمام حدود التلقائية في محافظة-جديدة. تغدو، في هذا الانحراف، الأفكار التقدمية والثورية التي تعبر عن مصالح البروليتاريا، غريبة عنها، والإيديولوجيا البرجوازية والبرجوازية-الصغيرة التي تديم الهيمنة الطبقية هي الفكر البروليتاري الأصيل. تصير بذلك بعض الجماعات المتمردة الهامشية الصغيرة والتيارات الليبرالية الجذرية ألد أعداء الشعب، في حين تختفي البرجوازية وقواها السياسية الحاكمة فعلا من الصورة. لهذه المشكلة راهنية كبيرة فهي جوهر ومحرك جل مساندي مسار 25 جويلية من اليسار. فلا يمكن المبالغة في التنبيه إليها.

 يتبع ...