نحو إيتيقا ماركسية 3: في علاقة الحقل السياسيّ بالحياة الشخصيّة الاجتماعية



يمثل القبول بمبدأ العمل السياسي المنظم والستراتيجي، والموقف الصحيح من جماهير البروليتاريا والشعب شرطين أساسيين في الإيتيقا الماركسية. لكن إنجاز مهام الماركسيين في الواقع يتطلب قدرات على الانضباط-الذاتي والصراع الفردي النفسي والاجتماعي. فعندما يكتب ماركس وانجلس أن « الشيوعيين هم، من الناحية العملية، الفصيل الأكثر تصميماً بين الأحزاب العمالية في جميع البلدان، الفصيل الذي يحفز جميع الفصائل الأخرى؛ ومن الناحية النظرية، فلديهم على بقية البروليتاريا أسبقية فهم واضح للظروف والمسار والأهداف العامة للحركة البروليتارية »، لا يمكن أن يقول الواحد عن نفسه أنه طليعة البروليتاريا، بمجرد انتمائه إلى مجموعة سياسية وترديده بعض المقولات. بل هناك نوع من الاستحقاق الإيتيقي-السياسي الذي يجب أن يبرهن عليه بممارسته.

الفعل السياسي والحياة اليومية

ليحفز الماركسيون النضال البروليتاري يجب أن يكونوا الأكثر حيوية وفاعلية، يجب كطليعة أن ينيروا الطريق أمام العناصر الأكثر تململا وتذبذبا. ما يرسم ملامح إيتيقا على نقيض أساليب عيش منتشرة في الأوساط اليسارية. تزيد على ثماني ساعات عمل (أو تكوين) ساعات طويلة أخرى من الاستهلاك السلبي والتآكل الذهني-النفسي على المنصات الرقمية. ومن الملفت أن هذا التهافت يلقى مؤخرا بعض التبريرات الإيديولوجية المتغلفة بمناهضة الرأسمالية والنيولبرالية، تحت عنوان "الحق في الكسل" ورفض الإنتاجوية. في هذه التصورات يصير مجرد "قتل الوقت" فيما-لا-يعني فعلا تمرديا ثوريا.

من الضروري هنا الإشارة سريعا إلى أن ماركس والماركسيين الثوريين الذين نقدوا العمل (المجرد، المغترب)، وضعوا نقيضه النشاط الحر المنتج، لا السلبية والكسل. فالإنسان الشيوعي الذي تصوره ماركس والماركسيون هو إنسان أرقى من الإنسان الذي تكونه بنى ومؤسسات الرأسمالية: أكثر نشاطا وإنتاجية وأفضل صحة، أكثر معرفة وثقافة، إلخ. بهذا المعنى إن الماركسيين يبشرون بمجتمع وإنسان أكثر تقدما وتوازنا وتكاملا وسعادة. كما ذكر أعلاه لا يمكن تخيل الإنسان الشيوعي انطلاقا من الرأسمالية الطرفية التونسية مثلا، لكن يمكن تخيل إنسان أكثر تطورا (اجتماعيا ليس بيولوجيا طبعا) من الذي تنتجه اليوم، الإنسان الذي سيتشكل ضمن المؤسسات والبنى التي ستقيمها الثورة.

يحاول الماركسيون ككل الناس أن يكون عملهم (أو تكوينهم) الرأسمالي المجرد، أقل إنهاكا واغترابا ممكنا. لكن مهما كان من ذلك، فإن الوقت المتبقي من حياتهم خارج هذا العمل، يمثل المجال الرئيسي لتركيز طاقاتهم الذهنية والجسدية والنفسية، وممارستهم السياسية جزء من هذا النشاط الحر (الذي يشمل أنشطة وعلاقات أخرى غير السياسة طبعا). أما المتمردون الكسالى فبالإضافة لخضوعهم للرأسمالية في العمل المجرد، يخضعون لها في سلبية الاستهلاك المادي والاستعراضي-الإيديولوجي.

بعيدا عن ذلك وعلى طرف نقيضه، يشترط تنظيم البروليتاريا لتجاوز الرأسمالية، طاقة كبيرة ونشاطا شديدا وممنهجا طويل الأمد. يتطلب الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية والذهنية ويتنافى مثلا مع الإفراط في تناول الكحول والمخدرات المنتشر في أوساطنا.

يظهر هنا أن انفصال المجال اليومي (الاجتماعي-الشخصي) عن المجال السياسي نسبي. فلكل منهما استقلاليته النسبية لكنهما يؤثران على بعضهما البعض. بما أن إيتيقتنا سياسية، فلن نهتم بالمجال اليومي للماركسيين إلا بقدر ما يؤثر على المجال السياسي الذي يهمنا. فيما عدا ذلك فإن المبدأ هو حرية الأفراد.

يرتكز الفعل الاستراتيجي الماركسي على التخطيط وهو مبدأ اشتراكي. فمثلما يسند مخطط جمهورية اشتراكية قوة عمل مواطنيها لتلبية حاجياتهم بأكثر نجاعة، يقسم التنظيم طاقات أعضائه حتى يكون عمله السياسي أكثر نجاعة. وبنفس المنطق يجب أن يفكر كل ماركسي في توزيع طاقاته ووقته، حتى يكون أكثر نجاعة في نشاطه السياسي الذي يهمنا، لكن قد ندعي أن ذلك قد يساعده في التحكم بشكل أفضل بحياته بصفة عامة.

وقبل التقدم في هذا الموضوع هناك اليوم حد أدنى يجب أن يتساءل حوله الواحد في قرارة نفسه. كيف يمكن أن يقول عن نفسه أنه ماركسي، وأن يمر يوم واثنان وثلاث وأسبوع من حياته العادية، دون ممارسة ماركسية. وعندما نتحدث عن الممارسة ندمج هنا حدا أدنى يتمثل في دراسة وتعلم النظرية الماركسية أو أي معرفة ومهارة أخرى قد تفيد السياسية الماركسية.

وقد يكون أحد أسباب هذا المشكل موجودا في خضوع الحياة اليومية إلى منطق التلقائية بدل التنظيم والتخطيط. لا يحتوي اليوم أكثر من 24 ساعة. يحتاج جلنا في المتوسط إلى 16 ساعة بين نوم وعمل لتحقيق حاجياته المادية الأساسية. على كل ماركسي إذن إيجاد توازن معين في هذه الساعات الثمان المتبقية بين أنشطته الاجتماعية والشخصية، ونشاطه السياسي الصرف، أن يتحكم في رزنامته ويحدد وقتا يوميا وأسبوعيا لتحقيق منجز شيوعي، مساهمة متواضعة في العمل الجماعي.

لننطلق من هذه النقطة ومن معاينة بسيطة. جل اليساريين ودعاة الشيوعية لا يقرؤون. لا يقرؤون نصوصهم الكلاسيكية ولا تطورات النظرية (الماركسية) اللاحقة والمعاصرة. بل تردد غالبيتهم مقولات متناثرة خارجة عن سياقها الفكري والتاريخي، وعناوين كتب وأسماء مؤلفين لم يقرؤوهم يوما. في نفس الوقت يدّعي عديد هؤلاء أنهم نخب ومثقفون وأن "هذا الشعب" جاهل ولا يحترم مثقفيه. في حين أن أغلبيتهم الساحقة محتالون أدعياء، يتقمصون دور وشخصية وموقع "المثقف" زورا.

لنتساءل الآن وليسأل كل واحد منا نفسه: إلى أي مدى يمكن يوميا تخصيص ساعة أو ساعتين أو نصف ساعة لقراءة النظرية الماركسية؟ من الواضح أن من لا يقدر على ضبط-نفسه والالتزام بمثل هذه الممارسة الدورية البسيطة (والأساسية) لن يقدر على القيام بأي عمل استراتيجي منهجي طويل الأمد أكثر عسرا. ودون نية في المغالاة قد تكون القراءة والدراسة النظرية، مدرسة لا فقط نظرية بل إيتيقية في الانضباط الذاتي. تعلم الماركسيين فكرة المثابرة لبلوغ الأهداف. تساعدهم في تجاوز النزعة الصبيانية في تحقيق كل الرغبات بشكل آني، نحو قبول (بل واحتضان) التمزق النفسي والنضال الذي يفصل ظهور الرغبة-الهدف وتحقيقها. فمثلما لا تتحقق رغبة المعرفة إلا عبر نشاط ذهني و"صراع" مع المشاكل النظرية، لا تتحقق رغبة الاشتراكية إلا عبر جهد سياسي يستحق انضباطا جماعيا لستراتيجيات وآليات تنظيمية.

لا يمكن تفسير عجز الأفراد بشكل مستمر في ظروف حياتهم العادية عن إنجاز مثل هذه الالتزامات البسيطة، إلا بأن لهم أولويات أخرى في الحياة أو بفقدانهم للقدرة والاستعداد. بذلك لا يمكن اعتبارهم عناصرا طليعية. 

مثلما لا يعني عدم إرسال أصحاب الإعاقات الجسدية، كجنود خط أول في الحرب، أنهم عديمو النفع للمجتمع أو ليس لهم الحق في الحياة كغيرهم، لا يعني أن لا يكون الواحد ماركسيا طليعيا أنه شخص سيء أو عديم الفائدة للنضال الماركسي عموما وأنه عدو الماركسيين، بل فقط أنه يفتقد لبعض المؤهلات التي يتطلبها نشاطهم. وقد يمتلك مؤهلات أخرى تصلح في ميادين أخرى من الحياة والإنتاج لا يمتلكها الماركسيون.

تتغير هذه الأمور زمنيا أيضا. فمن يعاني اليوم حالة إحباط تمنعه من إنجاز أبسط المهام (حتى في الحياة اليومية)، يمكن أن يكون عنصرا قياديا في مرحلة لاحقة بعد حل بعض مشاكله أو تحسن حالته النفسية.

في المقابل ينساق البعض إلى طرح مهام كثيرة ومتنوعة. فلا يجدون لها الوقت ولا يتقنونها، وعادة ما لا يقدرون على إنجاز أي منها. وهكذا تكون النتيجة النهائية نفسها: يراوح الأفراد والمجموعات مكانهم في حالة من الغليان غير المثمر الذي يتحول إلى إحباط. وقد يعذر ذلك عند العناصر الأصغر سنا أو الأقل معرفة وتجربة، كمشكلة نقص نضج تجاوز بالممارسة والتصحيح، لكن انتشارها عند الكثير من قديمي العهد في الأوساط اليسارية، يشير إلى وجود مشكلة حقيقة في علاقة بالقدرة على التخطيط وتقدير الموارد والطاقات وتحديد الأهداف الممكنة بل مجرد التحكم النسبي في حياتهم.

طبعا قد يمر هذا الشخص أو ذاك بظروف صعبة لفترات متفاوتة من الزمن، تمنعه من إنجاز مهام بشكل عادي، لكن لا يجب أن يتحول ذلك إلى واقع بنيوي. من هنا يطرح على الماركسيين أن يحاولوا ضمان وضعية اجتماعية-شخصية تمكنهم من النشاط السياسي في أفضل الظروف.

يأتي للذهن أولا الشرط الاقتصادي. فلا يمكن أن تستمر ممارسة سياسية منتظمة على المدى الطويل على أساس حالة من الهشاشة الاقتصادية. كما لا يمكن أن تتواصل أيضا عند أفراد مجهدين من ساعات عمل طويلة ووظيفة منهكة. يجب أن يفكر الطلبة الماركسيون جيدا في هذا الأمر.

هناك عمل آخر يلتهم الكثير من الوقت والطاقة: رعاية الأطفال. هذه نقطة حساسة قد تثير الجدل. لكن رغم أنها قد تمس الحياة الحميمية للأشخاص إلا أنه لا يمكن تجاهل تداعياتها الجسيمة على النشاط السياسي. فمن المعروف بالنسبة إلى  الماركسيين أن رعاية الأطفال عمل إعادة-إنتاج يستهلك وقتا وطاقة جسدية ونفسية وذهنية، تقلص من المجال الممكن للنشاط السياسي. 

ولهذه النقطة أيضا بعد جندري معروف. إذ يقع كاهل جل هذا العمل بنيويا على النساء. ولا شك أنه من أهم أسباب تهميشهن في المجال السياسي بصفة عامة (مثلما هو يعيقهن في الارتقاء المهني حسب دراسات معروفة).

هذه مشكلة غير بسيطة لا يمكن حلها بسهولة في إطار هذا النص. لكن ما نلاحظه إلى اليوم في الأوساط اليسارية هو إهمالها وإعادة-إنتاج الأشكال العائلية-الجندرية السائدة التي تعرقل التنظم والنشاط السياسي الثوري، بشكل أقوى عند النساء والتي هي أصلا الأساس الاقتصادي لعجز عموم البروليتاريا عن التنظم الذاتي وحاجتها إلى طليعة: إنها الساعات الطويلة المجهدة من العمل المأجور وتنضاف لها ضرورات إعادة-الإنتاج. 

يأخذ إذن النشاط السياسي حيزا خصوصيا من وقت وجهد الماركسيين، كمجال مستقل بذاته. لكن قد توجد فرص للنشاط السياسي في مجالات أخرى من حياتهم الاجتماعية. كون أغلبهم أجراء طبقة وسطى، قد يكون مكان عملهم أو حي سكنهم ميدانا أكثر أو أقل خصوبة للعمل السياسي. هناك أيضا الوسط الجامعي.

ليس النشاط السياسي الماركسي عملية دعوة وتبليغ إيديولوجية، فلا داعي لأن يضيع الواحد جهده محاولا تحويل أفراد عائلته الإسلامية أو زملائه في شركة استشارات كبرى أو جيرانه في حي برجوازي إلى شيوعيين. فليس الهدف جعل غالبية أفراد المجتمع شيوعيين لأن ذلك مستحيل في ظلّ الرأسمالية، بل هو تنظيم البروليتاريا على برنامج وكسب الشعب له بالاستجابة لمصالحه وهواجسه التقدمية.

يستدعي ذلك من الماركسيين أولا تواضعا وقدرة على الإنصات لهواجس الناس واستيعابها. وهو سلوك على نقيض ما نراه عند عديد اليساريين من تعجرف وتكبر و نزعة لإعطاء الدروس باجترار بعض المقولات الإيديولوجية العامة التي لا يرى الناس فيها علاقتهم بواقعهم. على العكس من ذلك، من فهم فعلا الماركسية، يستوعب أولا المصالح الحارقة والهواجس التي تعتمل الجماهير التي يوجد بينها، ويعطيها إجابة ماركسية، مطورا بذلك البرنامج الماركسي استجابة لشرائح جديدة من الشعب.

وإلى جانب النضالات الجماعية التي قد تطرح في ظروف معينة، وتمثل فرصة للماركسيين لكسبهم الناس أفرادا ومجموعات في الصراع الطبقي الاقتصادي-الاجتماعي، يمكن كسبهم عبر إيتيقا فردية في الحياة الاجتماعية اليومية. بالإضافة إلى إعطاء سمعة جيدة للاشتراكيين، يجب أن ينزّل الماركسيون أفكارهم السياسية إلى مسلكية يومية تروج لها بالممارسة.

مثال بسيط على ذلك في مسألة مقاطعة منتوجات المؤسسات الاقتصادية المطبعة والمرتبطة بإسرائيل. يعطي الماركسيون المثال في هذه الممارسة ويلفتون نظر الناس إلى المسألة من حين لآخر، بشكل ذكي وخفيف، لا بشكل عدائي منفر. يأخذون السياقات وقدرات الناس واستعداداتهم، بعين الاعتبار، و يتجنبون تعجيزهم. فلا جدوى من مطالبة أب أو أم عائلة بمقاطعة حليب دليس مثلا خلال مشكلة ندرة في الحليب، يجب حينها التركيز أكثر مثلا على كوكا كولا ومضارها.

يمتد الأمر إلى التحكم في الاستهلاك بصفة عامة: من ناحية مصدره بتبجيل المنتجات المحلية، مقاطعة البلدان الإمبريالية قدر المستطاع إلخ.؛ ومن حيث نوعيته وآثاره الصحية والبيئية وكميته.

يمارس إذن الماركسيون في حياتهم اليومية إيتيقا تحمل ما أمكن من عناصر الانتقال إلى الاشتراكية وتلفظ ما أمكن من عناصر الرأسمالية التي يمكن التخلص منها. بالإضافة إلى التحكم في الاستهلاك، يبدون أيضا حرصا على الملك العمومي والفضاء العام. يخلو كلامهم وممارستهم من أي أنواع من التمييز الجندري أو الجهوي أو العنصري إلى غير ذلك.

بالتالي يتداخل الشخصي-الاجتماعي مع السياسي في الاتجاه المعاكس أيضًا؛ فكما يمكن أن يتحوّل اليومي أحيانًا إلى مجال للعمل السياسي، فإن السياسي ذاته يحمل أبعادًا اجتماعية وشخصية لا يمكن فصله عنها تمامًا.

يجب التأكيد رغم ذلك، على أن الانقسام بين المجال السياسي ومجال الحياة الاجتماعية ومجال الحياة الشخصية ليس بالأساس نظريا تحليليا بل هو، بالعكس، موجود في الواقع الاجتماعي الرأسمالي نفسه.

ليس من الخطأ تصور أن الاشتراكية تنزع إلى تخفيف هذا الفصل وتحقيق الوحدة بين "العام" و"الخاص" وبين الاجتماعي والفردي. لكن طرح تجاوز هذه الانقسامات ضمن مجتمع رأسمالي اقتراح إرادوي. فالماركسيون إن كانوا يحملون عناصرا من الاشتراكية فهم على كل حال يحملون أكثر عناصر من الرأسمالية التي يعيشون ضمنها. وذلك بالأحرى في أطراف الرأسمالية العالمية، حيث ليس البرنامج الثوري المباشر للماركسيين بناء الاشتراكية، التي تستدعي فترة انتقالية طويلة من تطوير الإنتاج والامتداد السياسي-الجغرافي.

في هذه السياقات وأمام رجعية وتكلس بقية التيارات السياسية المناهضة للإمبريالية (القومية والإسلامية أساسا) قد يأتي للماركسية، أناس لا يستبطنون تماما النظرية الماركسية والحالة النفسية-الذهنية التي تتلاءم معها. لكنهم يقبلون ببرنامج واستراتيجية الماركسيين السياسية. من الطبيعي، إذن،  أن يوجد تفاوت ضمن الحزب الماركسي خاصة في فترة تاريخية مازالت بعيدة عن الشيوعية، وأن توجد عناصر شعبية جذرية أو شعبية ثورية. عادة ما تظهر هذه الصعوبات في نقاط خارج البرنامج الماركسي المباشر. طالما تكثفت الشيوعية في مسألة تجاوز الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فالجميع شيوعيون، لكن عندما تطرح مسائل مثل تفكيك الدولة وتجاوز الانتماء القومي، وإلغاء العائلة والمبادلات المالية وتفكيك الجندر إلى غير ذلك، سرعان ما يتقلص عدد الشيوعيين.

كل هذا للقول أنه لا يجب أن نتوهم أن الحزب الشيوعي يمكن أن يكون ميكرو-مجتمعا شيوعيا سابقا لأوانه منفصلا عن المجتمع الأوسع الذي يعيش فيه أعضاؤه، ومتطلباته. من السهل تقدير معدل الساعات اليومية التي يقضيها الواحد ضمن المجتمع الرأسمالي ومعدل ما يقضيه في الممارسة الماركسية. تقي هذه المقارنة من الاستخفاف بمدى تأثير المجتمع الرأسمالي في الماركسيين. 

ما لا يعني طبعا القبول بكل سلوكات المجتمع الرأسمالي ضمن مجال الممارسة السياسية، بل فقط تجنب وضع أهداف وانتظارات إيتيقية، يوتوبية غير قابلة للتحقيق. يجب أن توضع معايير حد أدنى ديمقراطية جذرية يمكن أن يلتزم بها فعلا هؤلاء الماركسيون الذين نشأوا في تربة الرأسمالية الطرفية، ويناضلون في سياقها لتجاوزها. مثلما لا يطرح الماركسيون تحقيق الشيوعية مباشرة بل برنامجا سياسيا قابلا للتحقيق ضمن الرأسمالية يفتح الباب للانتقال إلى الاشتراكية، يطرحون معاييرا إيتيقية قابلة للتحقيق ضمن الرأسمالية ومن شأنها تحفيز الممارسة الماركسية والارتقاء بالماركسيين فكريا ونفسيا.

يتمثل أحد مخاطر تحديد معايير إيتيقية أعلى من المناسب، في دخول دوامة من الصراعات الأخلاقية اللامتناهية قصد تطهير نفوس الشيوعيين وحزبهم من كل شوائب الرأسمالية المحيطة بهم. من الواضح أن هذا الهدف اليوتوبي لن يتحقق وسيمنع أي نشاط سياسي "خارجي" مع البروليتاريا والجماهير التي تعيش تحت الرأسمالية. فلا يجب أن ننسى أن التنظيم الماركسي، هو أولا  تنظيم صراع، لقيادة النشاط الثوري.

بالعكس من ذلك إن منطلق الإيتيقا الماركسية هو تحديدا بلوغ هذه الأهداف السياسية ويجب أن تكون في خدمتها. ففي غياب معايير إيتيقية تجمع الماركسيين وتضبطهم، لا يمكن التقدم بشكل سليم ومستدام في العمل السياسي الجماعي. بتطور تنظيمهم وطبقتهم، ترتقي شروط نشاط الماركسيين ومتطلباته الإيتيقية-السياسية-النظرية.

في انتظار إقامة الاشتراكية والمرور إلى الشيوعية، واتساع مجال الوحدة النفسية والحرية، على الماركسيين إذن أن يناضلوا ضمن المجتمع الرأسمالي، في ظروف الانقسام والتناقض والتمزق النفسي، وأن يجدوا الصيغ والتوازنات النسبية بين ممارساتهم السياسية واليومية (الاجتماعية والشخصية) بما في ذلك حياتهم النفسية.

شبكات التواصل الرقمي

يبقى وصف الواقع الحياتي العيني المعاصر منقوصا دون التطرق لهذا الواقع الموازي أو بالأحرى المتشابك بشكل عضوي أكثر فأكثر مع الواقع الملموس المباشر ألا وهو الفضاء الرقمي، لاسيما في نص انطلق من واقع الأوساط اليسارية، التي تكاد تكون منصة فيسبوك أهم ميادين وأسس وجودها اليوم.

وقد تحول هذا الموقع تدريجيا مما يبدو فضاء مفتوحا للتعبير الحر إلى أن صار منذ سنوات فقاعة مغلقة وبيت أصداء. لا يرى فيها الواحد ولا يسمع إلا ما تقرر الخورزميات أنه سينال إعجابه أو يثير تفاعله أو يديم بقاه على الموقع، ولا ينتشر ما يقوله ويشاركه إلا ضمن وسط اجتماعي-رقمي تحدده نفس الخورزميات التي تخفيها سرية الملكية الخاصة.

لكن بالنظر إلى كثافة المنشورات وطبيعتها قد يظن الواحد عكس ذلك. فقد تصل حدة الصراعات الرقمية إلى درجة أن يظن ملاحظ ساذج أن رهانات سياسية جسيمة محل نزاع، أن جمهور الشعب يتابع هذه المواقف الفايسبوكية المتصارعة، وأن التاريخ يصنع هنا! ثم تأتي الانتكاسة السياسية الموالية ونخال أن المعنيين قد استفاقوا لهذا الواقع. لكن سرعان، ما ينسى أو يتناسى أو ينوم هؤلاء الناشطون مجددا.

وفعلا نعرف أن خورزميات منصات التواصل الرقمية، تستعمل  آليات عصبية-نفسية عند البشر لخلق حالة إدمان على استعمالها. هذا ما يفسر بسهولة جزءا كبيرا من هذه التصرفات اللاعقلانية (المستمرة والمتكررة بشكل بنيوي). هكذا تضرب هذه الفضاءات الرقمية النقاش الفكري العقلاني. تكرس منطق الإثارة ورد الفعل السريع ضمن سيل لامتناهي من التفاعلات والمعلومات والمستجدات. لا مكان فيها لأخذ مسافة من الأمور والتساؤل المتأني ولا تتجاوز المساحة المتاحة للتفكير النقدي والنقاش الجدي الهامش. ليس كل هذا طبعا بمعزل عن نقص القراءة والدراسة النظرية، والقدرة على ضبط-الذات والعمل الممنهج.

من جهة أخرى، تمثل الزعامتية مشكلة عويصة في تاريخ اليسار. يرتكز هذا التيار السياسي كأحد أسسه على فكرة المساواة التي تتعارض مع الزعامة. بانحسار مشروعية الزعامات القديمة في تونس، قد خلنا للحظة أن جيلا جديدا يمكنه بناء علاقات سياسية وتنظيمية أكثر مساواة وديمقراطية، لكن هيهات! فلم تكد المسألة تطرح، حتى ظهر نقضها العملي.

إذ سرعان ما خلقت هذه المنصات الرقمية، مكان حفنة من الزعماء، عشرات (ربما مئات) من الميكرو-نجوم. فبحكم منطق التفاعلات والمشاركات والمشاهدات، يدخل الناشطون اليساريون في ديناميكية مراكمة أرصدة رمزية على السوق الرقمية. ديناميكية تتجاوز نواياهم وتخيلاتهم حول أنفسهم. بينما كانت النجومية في الماضي تستدعي شهرة وطنية على الأقل، وبالتالي حالة استثنائية لا تبلغها إلا قلة قليلة محظية، صارت اليوم كل فقاعة رقمية تحتوي على كم من الميكرو-نجوم.

تسهل رؤية الصعوبات التي تطرحها هذه البنية أمام العمل السياسي الجماعي والانضباط الديمقراطي والتنظم الماركسي الثوري. ويكاد يكون اليوم الموقف النقدي منها أحد الشروط الإضافية المعاصرة لإيتيقا الماركسيين الثوريين.

يضع الماركسيون فرديا وسياسيا كمبدإ قائد لتعاملهم مع الفضاء الرقمي، مقاومة الخضوع لمنطقه. وهو جهد مستمر لا يجب الاستهانة به. يتحكمون ويحدون من الوقت الذي يقضونه على هذه المنصات، ويدخرون طاقتهم العصبية والنفسية، لأنشطة مفيدة أكثر. كما يتجنبون الدخول في المناكفات والاستفزازات والمشاجرات المفتعلة دوريا. ونلاحظ أن بعض رفاقنا غادروا بعض هذه الفضاءات أو جلها، بمبادرة فردية حفاظا على طاقتهم النفسية والذهنية.

لكن المنطلق السياسي مختلف. فالجماهير موجودة في هذا الشبكات الرقمية. لذلك فإن دعوات مقاطعتها التي ترفع أحيانا لا تتجاوز كونها سخافات يسراوية، لا يستجيب لها أحد بما فيهم دعاتها. يستعمل إذن الماركسيون هذه المنصات للدعاية لأفكارهم وبرنامجهم وشعاراتهم على أوسع نطاق. نظرا لمنطق الخورزميات، لا يمكن تحقيق ذلك تلقائيا. يتعامل الماركسيون إذن معها كفضاء إعلام غير محايد. يضعون خطة للاشتغال فيه ومجاراة آلياته قصد خرق الجدران التي تضعها بينهم وبين الجماهير. يوظفون جماعيا هذه الفضاءات الرقمية بشكل ممنهج ونفعي لبلوغ أهدافهم السياسية، ويقاومون بذلك وفي نفس الوقت، نزعتها لاستيعابهم كأفراد ضمن ديناميكياتها وامتصاص طاقاتهم.

خاتمة

تمر اليوم الحركة الماركسية بمرحلة حاسمة في تاريخها. اليوم بدأ مصير الثورة القادمة يتقرر. اليوم، ضد التيار التاريخي الرجعي الجارف، تفرز وتتكون النواة الصلبة للحزب الماركسي الثوري القادم.

بدل تنويم جيل جديد من الشيوعيين بالشعارات الكبيرة والفارغة، لنقر بحجمنا وننطلق من البداية بطرح وحل المشاكل الحارقة، التي تعترضنا في واقع الممارسة الماركسية الضعيفة الراهنة. من لا يطرق هذا الباب الصغير لن يصل إلى الباب الكبير. إذا ما نجحا في مواجهة هذه المشاكل الإيتيقية "الصغيرة"، لن نصل إلى المستوى والحجم اللذين يطرحان علينا المشاكل السياسية "الكبيرة".

نحو إيتيقا ماركسيّة 2: الطليعيّة نقيض النخبويّة

 


ورد في الجزء الأول من هذه المقالة مصطلح الطليعة في علاقة بمسألة التنظم. يستحق هذا المفهوم التوقف عنده لأن سوء فهمه مصدر بعض أسوإ النزعات المنافية للماركسية والموجودة في الأوساط المحيطة بنا وعلى رأسها النخبوية.

يعتبر الماركسيون وجود طليعة ثورية حقيقة نظرية يمكن معاينتها بسهولة في الواقع. ففي كل تشكيلة اجتماعية (رأسمالية على الأقل)، مثلما توجد طبقة مؤهلة أكثر من غيرها للثورة عليها، توجد مجموعة من الناس أكثر فهما لهذه الثورة وأكثر إصرارا على إنجازها.

لا توجد هذه الطليعة في منزلة أخلاقية أو قيمية أعلى من عموم الناس. إن كان هذا الموقع السياسي محددا بنيويا فانتماء الفرد له صدفة تاريخية، ليست مدعاة فخر شخصي بأي شكل. لا مانع لأن يفتخر الماركسيون بكونهم كذلك في وجه التيارات السياسية البرجوازية والبرجوازية-الصغيرة واعتبار أنفسهم الأكثر تقدما ونشاطا وعلمية وعملا ومادية وإصرارا (ويجب أن يستحقوا ويثبتوا ذلك بممارستهم الإيتيقية) لكن لا يمكن أن يفتخر الماركسي بأنه أرقى من طبقته ومن شعبه.

مهمة الطليعة الماركسية هي تحديدا تشكيل الطبقة، صهرها وتوحيدها. فاتساع الهوة بين الطليعة وجمهور طبقتها هو علامة فشل في الوظيفة البنيوية للماركسيين لا يمكن أن يكون مدعاة فخر إلا لمن لم يفهم الماركسية.

بالنسبة لبعض المتمردين، الماركسية هي معجم من الكلام "الصعب" للشعور بالعلوية الثقافية على جمهور الشعب والشيوعية جملة مبادئ مثالية للشعور بالرفعة الأخلاقية. السلوك التمردي سلوك نخبوي بالضرورة، وبالعكس أيضا، السلوك النخبوي سلوك تمردي. فكلمة نخبة تتضمن منطقيا فكرة الترفع فوق العامة، فوق الشعب، والنخبة بالضرورة أقلية. لذلك ليس من المفاجئ أن ينتقل بعض "الشيوعيين" إلى خندق البرجوازية، إذ لم يكونوا أبدا شيوعيين ماركسيين بل كانوا دائما نخبويين-أقليين-متمردين.

بناء على ذلك لا يستعمل الماركسيون مصطلحا مثل "الشعبوية" لازدراء خصومهم. يمكن استعمال المفهوم بمعنى تحليلي موضوعي حيثما كان مناسبا، مثلا لبيان أن مفهوما مثل الشعب قد يستعمل لطمس الصراع الطبقي. لكن لا يقبل ماركسي سليم التكون والتكوين باستعمال مصطلح شعبوية بمعنى مرادف تقريبا للفاشية أو للسفسطة، بشكل يستبطن أن الشعب غبي ويساند بالضرورة الأفكار المغلوطة والرجعية.

كما لا يرى الماركسيون البروليتاريا والطبقات الشعبية بالأساس كضحية، كطبقات "مسحوقة" أو "هشة" كما يقول اليساريون، كفقراء ومساكين يتعاطفون معهم ويسعون، بمعزل عنهم إلى تحقيق بعض "المكاسب" لهم، بصفتهم فاعلي خير أو فرسان "عدالة اجتماعية". بالعكس، يعتبرها الماركسيون فاعلا سياسيا تاريخيا في ميدان الصراع الطبقي، ويعتبرون أنفسهم جزءا منها، يعبر عنها في المستوى السياسي، ويسعون إلى تنظيمها على برنامج، لتحقيق مصالحها.

لا يعني ذلك السقوط في تصوير البروليتاريا أو الشعب صورة مثالية، سرعان ما تنقلب إلى عكسها في أول ارتطام بتعقيد الواقع. لا تمثل البروليتاريا الخير والبرجوازية الشر. ليس كل أفراد البروليتاريا أناسا خيرين. فهم مختلفون بقدر اختلاف عموم أفراد المجتمعات الرأسمالية، ولا شك أن ظروف عيشهم الأصعب مقارنة بمتوسط المجتمع تزيدهم ضغوطات.

ليس على عاتق الماركسيين أن يحبوا البروليتاريا، فالعلاقة بين الطليعة والطبقة الثورية علاقة سياسيّة بالأساس، والمطروح عليهم تنظيمها حول برنامج سياسي يحقق مصالحها.

يعني ذلك أن الماركسيين يعملون على تقليص الهوة بينهم وبين جمهور البروليتاريا، في نفس الوقت الذي يتقدمون فيه بوعيها وتنظمها وممارستها. ينطلق هذا المسار من الإحداثيات التي توجد فيها البروليتاريا في مرحلة معينة من تاريخ تشكيلة اجتماعية محددة. بأكثر فجاجة يمكن القول إن الطليعة مطالبة أولا بالنزول إلى مستوى وعي وتنظم وممارسة البروليتاريا، ثم الشروع في الارتقاء بها تدريجيا أو جرها معها بتؤدة نحو الأمام. نتحدث هنا دائما عن ارتقاء أو تقدم سياسي، إيديولوجي، تنظيمي، لا عن ارتقاء أخلاقي قيمي.

وهناك على هذا المسار انحرفان يسميان سياسيا باليسارية واليمينية يتوازيان مع نزعات وممارسات تحت-سياسية وشبه-سياسية فردية وجماعية.

يوجد من الجهة اليسرى قطب النزعة التمردية-الأقلية-اللامعيارية. على المستوى السياسي ينعكس هذا الانحراف في طرح أفكار وبرامج لا يمكن أن تقبلها وتتبناها البروليتاريا في مرحلة تطورها الراهنة، بل ربما لا تفهمها أصلا. قد تكون هذه الأفكار شيوعية ومن بين أهداف الشيوعيين على المدى البعيد وقد لا تكون.

على المستوى السلوكي تتجسد هذه النزعة في طرق ظهور وتعبير رمزي عن الذات تعمق الهوة الرمزية مع البروليتاريا وتخلق حواجزا للتواصل معها. مجددا ليست المشكلة أخلاقية ولا مبدئية بل سياسية، فقد تكون هذه السلوكات تفعيلات فردية لبعض أفكار الشيوعيين، أو قد تعتبر هذه الممارسات الرمزية أجمل استيتيقيا، أو قد تعكس تحرر الأفراد من قيود اجتماعية-إيديولوجية غير عقلانية، لكن إن كانت نتيجتها السياسية إعاقة تنظيم البروليتاريا فلا يمكن أن تكون ممارسة سياسية-ايتيقية ماركسية.

عادة ما تأتي هنا اعتراضات تنطلق من أفكار مثل الأصالة والتناسق والنفاق والصراحة والكذب والحقيقة. هل يمكن أن يكون الواحد اشتراكيا وأن "ينافق" البروليتاريا؟ هل يمكن أن يكون الواحد شيوعيا ويقمع نفسه ويتنازل عن ذاتيته وحريته أمام الإيديولوجيا السائدة؟

نلاحظ أولا أن هذه مبادئ مثالية لا يمكن على كل حال تنزيلها في الواقع بشكل مطلق. فلا يمكن أن يتخيل واحد حياة اجتماعية دون "كذب". لنتصور فقط أن يجيب بصراحة كل من يسأله "كيف الحال؟" طيلة شهر من الحياة الاجتماعية العادية بدل أن يستعمل أكذوبة "لا بأس". مهمة عبثية! يوجد طيف الواقع (في المجتمعات الطبقية والمنقسمة وخاصة الرأسمالية، على الأقل) دائما بين ثنائيات الحقيقة والكذب، الصراحة والنفاق، الشفافية والعتامة، الحرية والخضوع. تحمل الأقوال والممارسات في الواقع، عن وعي وغير وعي، نسبة من هذا وذاك (من حقيقة وكذب في ذلك القول، من صراحة ونفاق في هذا التصرف، من الذاتية الأصيلة والرضوخ الاجتماعي في ذلك السلوك…).

يحمل ثانيا، هذا النوع من الاعتراضات الأخلاقوية، حول "التلاعب" بالبروليتاريا مشكلة منطقية ضمنية. فإما أن يفترض النموذج الفكري أن كل الفاعلين، ماركسيين وبروليتاريا ذوات (واعية بذاتها تماما) متساوية. في هذه الحالة البروليتاريا حرة ومسؤولة تماما عن أفعلها ولا يمكن أن يغالطها ويوظفها الماركسيون لمصالحهم الخاصة. فكل ما تفله نابع من ذاتها ومن وعيها ووعيها بنفسها.

إما أن يفترض نموذج التفكير اللامساواة بين الماركسيين والبروليتاريا وأن ذاتية الأخيرة منقوصة ويمكن بالتالي الهيمنة عليها وتوظيفها لصالح مقاصد طرف آخر. وبما أنه من الطبيعي أن يتحرك كل فاعل لتحقيق مقاصده الذاتية، فأي تفاعل من الماركسيين (فاعل-ذات) مع البروليتاريا (ذات منقوصة أو في الأقصى موضوع) لا يمكن إلا أن يكون محاولة توظيف لها. أكثر من ذلك، يعني نقص ذاتية البروليتاريا أن ممارساتها تنبع دائما بنفس القدر من ذاتيتها ومن اغترابها وخضوعها للسيطرة (من قبل البرجوازية، أو الماركسيين، أو الأنارشيين…). هكذا لا يمكن أصلا معرفة ذاتيتها الأصيلة بشكل موضوعي لتجنب التلاعب بها!

من الواضح أن هذه المتاهة الذاتوية الأخلاقية غير مثمرة. لا يمكن أن تفضي إلى نظرية تجد لها تطبيقا في الواقع، إلى نظرية ممارسة (براكسيس). طبعا لا يبلور التلقائيون الأمر بهذا الشكل. فمن خصائص التلقائية، تعريفا وحتى اصطلاحا، نقص التفكير في الأمور. لكنهم يقولون بالمساواة المبدئية بين الجماهير والسياسيين وبأن البروليتاريا تعرف ما تريد و"لا تحتاج دروس أحد" إلخ. ويتهمون في نفس الوقت الماركسيين بمغالطتها والتلاعب بها!

لا تتجاوز هذه المواعض الذاتوية الأخلاقية في نهاية المطاف، كونها تبريرات إيديولوجية لراحة الممارسة العفوية: التمرد على السائد بعيدا عن البروليتاريا، والمزايدات الأخلاقية على محاولات العمل مع الجماهير.

ما يضبط ايتيقة الماركسيين تجاه البروليتاريا لا يمكن أن يكون إذن من قبيل هذه المثاليات الأخلاقية المطلقة: الحقيقة، الصراحة، الشفافية. وإلا لكان على البلاشفة إعلام عموم البروليتاريا الروسية (ولما لا الأممية!) بالهجوم المسلح على قصر الشتاء! ما يؤطر سلوك الماركسيين تجاه البروليتاريا هو استراتيجية تطورها السياسي كطبقة ووصولها إلى السلطة لبناء الاشتراكية. هذه الاستراتيجية نفسها مبنية على نظريات موضوعية، اقتصادية (نظرية العمل للقيمة) وتاريخية (النظرية المادية للتاريخ).

بنفس المنطق النسبي، يتبين أن تحرر الفرد تماما من كل الضغوطات الاجتماعية استحالة في الواقع (الطبقي، الانقسامي الراهن). فهو تحت الرأسمالية مثلا مجبر (عدا إن كان برجوازيا) على الخضوع طيلة عدد من الساعات يوميا للعمل المأجور. يوجد الناس دائما في خيار بين الانصياع الاجتماعي والتعبير الذاتي في بنية معقدة من الإكراهات. يقوم كل بخياراته حسب رغباته وأولوياته وحساباته وأهدافه باختصار حسب معاييره الخاصة. وعلى الماركسيين كغيرهم اختيار درجة تنازلهم للواقع الرأسمالي القائم حسب أولوياتهم ومعاييرهم، حسب استراتيجيتهم السياسية ومتطلباتها الراهنة.

وإن كان تجاوز كل التناقضات ذهنيا، عملية مثالية سهلة، لا تفوت بعض الصور في الخيال والمقولات العامة، فهو عند ماركس سيرورة اجتماعية تاريخية عسيرة بل ودامية من التمزق والصراع.

قاد الانحراف الأيسر على طريق تنظيم البروليتاريا إلى نقاش بعض التعقيدات، أما الانحراف الأيمن، فيتمثل في نكوص وعي ونفسية الماركسيين، في تذيلهم وخضوعهم للممارسات والإيديولوجيا السائدة. تتحول ممارسات وتصورات ونفسية جمهور الشعب والبروليتاريا من واقع يجب الإقرار به والتعامل معه لتغييره بالتنظم والتثقف نحو الأفق الاشتراكي، إلى معيار الشيوعية، ويصير كل ما تفعله وتتصوره الجماهير هو السلوك البروليتاري الثوري الأصيل وأما النقد والمعرفة العلمية الماركسية هي أفكار "برجوازية-صغيرة".

قد ينطلق ذلك من نزعات تلقائية أنارشية أو شبه-أنارشية، تنتهي أمام حدود التلقائية في محافظة-جديدة. تغدو، في هذا الانحراف، الأفكار التقدمية والثورية التي تعبر عن مصالح البروليتاريا، غريبة عنها، والإيديولوجيا البرجوازية والبرجوازية-الصغيرة التي تديم الهيمنة الطبقية هي الفكر البروليتاري الأصيل. تصير بذلك بعض الجماعات المتمردة الهامشية الصغيرة والتيارات الليبرالية الجذرية ألد أعداء الشعب، في حين تختفي البرجوازية وقواها السياسية الحاكمة فعلا من الصورة. لهذه المشكلة راهنية كبيرة فهي جوهر ومحرك جل مساندي مسار 25 جويلية من اليسار. فلا يمكن المبالغة في التنبيه إليها.

 يتبع ...

نحو إيتيقا ماركسية 1: من التمرد إلى التنظم

 



في مرحلة تفكك الساحة السياسية القديمة ومحاولات بناء الجديد الراهنة، تواجه الحركة الماركسية (في تونس) عدة صعوبات عملية. لا تعود في أغلبها إلى فهم التشكيلة الاجتماعية الصينية أو إشكاليات التجارة اللامتكافئة بل إلى مسائل من نوع آخر. مسائل عادة ما يهمل تنظيرها، إذ يظن العديدون أن النظرية تهتم حصرا بالمسائل "الكبرى"، البعيدة عن واقع الماركسيين في المرحلة الراهنة.

أما الوضع الاجتماعي والنفسي والإيديولوجي الملموس فهو محل تعامل براغماتي. ومتى كتب عنه كانت الأوهام المثالية والمواعظ الأخلاقية. صور للمناضل الشيوعي كبطل ملحمي، أدت خاصة في غياب ملاحم حقيقية إلى أسوإ كاريكاتور من البطولات الوهمية والمعارك الدونكيشوتية، في شارع الحبيب بورقيبة أو على منصة فيسبوك.

خلق ذلك نوعين كبيرين من المشاكل. صار البعض براغماتيين كلبيين. قد لا يهاجمون المثل الأخلاقية صراحة لكنهم يعتبرونها مجعولة لاستهلاك السذج والتوظيف لبلوغ الأهداف العملية. أما البعض الآخر فقد تخلى عن بلوغ أي أهداف سياسية عملية، وكرس ممارسته إلى السعي للارتقاء، الفردي والجماعي، إلى معايير أخلاقية مثالية، إلى نوع من النقاء الأخلاقي.

في مثل هذه الحالة الضبابية حول واقعنا من الطبيعي أن تكثر المشادات والمهاترات وأن يصعب حلها بشكل بناء. فتكون عادة فرصة التراشق بتهمة "البرجوازية-الصغيرة" وحزمة من التهم المتجددة والمتزايدة: السلطوية، الوصاية، النفاق، حب الظهور، التكبر، الانفصال عن واقع الشعب، المبالغة في التنظير، التبرجز، الرجولية، المحافظة، الليبرالية، إلخ.

تمتد إذن الأخلاقوية داخل الأوساط اليسارية بل ولعلها تترعرع  نظرا للردة السياسية الرهيبة وصعوبة تحقيق أهداف سياسية "كبرى" تمس سلطة الدولة. تختلف طبعا هنا المرجعية الأخلاقية عن المعايير السائدة اجتماعيا، لكنها تبقى ضمنية وبذلك إيديولوجية وضبابية ومتناقضة. ليست استمراريتها وقطيعتها مع المعايير السائدة واضحة ومنتظمة عبر مختلف المسائل. كما يجعلها هذا النقص في الوضوح محل توظيف للأقدر حسب الوضعية.

يعتبر الماركسيين أن الأخلاق أحد عناصر الإيديولوجيا في كل مجتمع وأنها تتشكل وتعيد التشكل تاريخيا، في علاقة بتطور البنى الاجتماعية (الاقتصادية والقانونية والإيديولوجية والسياسية) والصراعات الطبقية، وأنها، بصفة عامة، ليست شيئا « طبيعيا » أو فوق التاريخ.

إذا أخذنا الماركسيين كأفراد في الحياة الاجتماعية اليومية، يمكن أن نرى أن كلا منهم يقدم، حسب تقديره، التنازلات الضرورية، لهذه الأخلاق السائدة. في نفس الوقت ليس الماركسيون في قطيعة مطلقة مع هذا المجتمع وهم يحملونه "داخلهم" (نفسيا، إيديولوجيا، أخلاقيا) إلى حد ما.

عندما نتناول الآن الماركسيين في مجال العمل السياسي، وهو عمل جماعي، يحتاج تنسيقا واتفاقا بين أفراد، تطرح إشكالية. نلاحظ أنهم وإن اشتركوا نسبيا في أرضية نظرية وسياسية يختلفون كأفراد في ممارساتهم ونفسيتهم وعقليتهم. يعود ذلك طبعا إلى قصة الحياة المختلفة نسبيا التي عاشها كل منهم والتي نحتته. يخلق هذا المستوى (إلى جانب المستوى النظري والسياسي طبعا) صعوبات في الاتفاق على قرارات ثم تنفيذها. كما نفتقد إلى مرجعية لفرز السلوكات وتقليص التشويشات التي تخلقها للعمل السياسي. يحل ذلك عادة بنكوص (انتقائي) إلى الأخلاق السائدة أو إلى تأويلات سياسية-إيديولوجية تعسفية ("سلوك برجوازي-صغير"، "سلوك ليبرالي"…).

تحمل هذه الإشكالية تشعبات أخرى. الماركسية منهجية نظرية وحركة سياسية، وليست دينا ولا هي فلسفة أخلاقية. لا تشمل غاياتها التحكم في حياة الأفراد. لكن من وجهة نظر سياسية، نرى أن ما يخرج على المجال السياسي أي ما يمكن تسميته، الحياة اليومية للأفراد (الماركسيين)، له انعكاسات على نشاطهم في المجال السياسي.

ينتج عن هذا الكلام نقطتان. لا يمكن الاكتفاء بنفي الأخلاق السائدة. يحتاج الماركسيون إلى معايير لتنظيم عملهم السياسي الجماعي وحياتهم الفردية فيما يتعلق بهذا العمل السياسي. تأتي النقطة الثانية تلقائيا. مرجعية هذه المعايير ليست مطلقة بل تنطلق من متطلبات النشاط السياسي الماركسي.

لذلك نقترح تسميتها بالايتيقة السياسية. فهي على عكس الأخلاق، يجب أن تحدد بشكل واعي وطوعي وديمقراطي وعقلاني لتيسير بلوغ غايات سياسية. كما أنها مؤقتة وقابلة للتغيير والتعديل على ضوء التجربة ونتائجها، وليست منزلة من الخارج كمبادئ متعالية (ترنسندنتالية).

تشبه هذه الإيتيقا أكثر التشريعات الوضعية، لكنها لا تستند في تطبيقها بالأساس إلى منطق العقاب بل إلى محاولة الانضباط والالتزام الطوعي.

واقع الممارسة في الأوساط اليسارية: التمرد على السائد

يعارض العديدون، في الأوساط اليسارية وضمن الشباب المتمرد، الرأسمالية ويتحدثون عن الشيوعية وربما يقولون أنهم شيوعيون. يحمل هذا الحضور المتواصل للشيوعية ولمناهضة الرأسمالية، دلالات متناقضة. فقد يدل على حيوية الفكرة الشيوعية وراهنيتها كحركة سياسية. بينما تشير العناصر التالية، بالعكس، إلى تحنطها كحركة سياسية فعلية، وتحولها إلى تراث يشكل ثقافة-فرعية، إلى جملة من الرموز، إلى استعراض محاكاة أو تمويه.

فلو حسبنا عدد الشيوعيين ومناهضي الرأسمالية مثلا بكمية « الميمز » والمناشير الشيوعية والمناهضة للرأسمالية على الأنترنت (صور شخصيات ورموز ونصوص…)، قد نجد أننا في البلاد التونسية مئات وربما بضع آلاف. لكن الحركة السياسية الشيوعية لا تضم هذا العدد. كيف يفهم ذلك؟

يجب في مستوى أول التفريق بين الشيوعيين والمتعاطفين مع الشيوعية. فهناك حتما أناس يستحسنون فكرة المساواة التامة بين الناس وربما الملكية العمومية لوسائل الإنتاج، قد يصوتون في انتخابات لحزب شيوعي، قد يدافعون عن فكرة الشيوعية في الفضاءات الاجتماعية التي يتواجدون فيها، لكن إلى أي مدى هم مستعدون  للنضال السياسي الممنهج؟

قد يسمي هؤلاء أنفسهم بالشيوعيين وليس هذا مشكلا في حد ذاته، لكن يجب أن يضعهم التحليل في مكانهم المحدد. لا تمثل هذه المجموعة مشكلة لأن فرزها سهل عما سنسميه بالشيوعيين الماركسيين أو الماركسيين باختصار. يطرح فرز هؤلاء إشكالات ضمن ما يمكن تسميته بالأوساط اليسارية الناشطة أو المناضلة.

الموضوع الرئيسي لهذا النص هو البحث في عناصر أولية لإيتيقية يحاول الماركسيون الامتثال لها. إن كانت الغاية من المعايير الإيتيقية بلوغ الأهداف السياسية للماركسيين، فهي تمكّن أيضا عرضيا من تعريفهم في الممارسة وفرزهم عن غيرهم. لنكتفي مؤقتا بالقول أن الماركسيين هم من يمارسون السياسية على أساس المنهج النظري لماركس وانجلس ومن نسجوا على منوالهما من الماركسيين الثوريين. باقتضاب شديد نذكر هنا هذه المقولات من البيان الشيوعي:  

« ما هو موقف الشيوعيين تجاه البروليتاريا ككل؟ الشيوعيون لا يشكلون حزباً منفصلاً معارضاً للأحزاب العمالية الأخرى. ليس لديهم قط مصالح تفصلهم عن البروليتاريا ككل. لا يضعون مبادئ خاصة يريدون أن يشكلوا على أساسها الحركة العمالية. (...) الهدف المباشر للشيوعيين هو نفسه هدف جميع الأحزاب العمالية: تكوين البروليتاريين كطبقة والإطاحة بالهيمنة البرجوازية، واستيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية. »

سينطلق التفكير من الأوساط اليسارية كأوساط اجتماعية لا كتيار سياسي: "اليسار"¹. الحديث هنا عن جماعات أصدقاء مرتبطة بمؤسسات مثل الجامعات (إتحاد الطلبة) والجمعيات (اليسارية طبعا) والمجموعات السياسية اليسارية إلى غير ذلك من المؤسسات التي تلتقي وتتقارب في فضاءات وأنشطة عدة. الممارسات الرئيسية لليساريين هي الحديث عن السياسة، أساسا في فيسبوك وأيضا في المقاهي والحانات، وتنظيم وحضور المظاهرات وأيضا الندوات إلى ما شابه ذلك. تنتج هذه البنى والممارسات ثقافة يسارية: جملة من الخطابات والرموز. تتنوع من الحديث عن والحرية والشيوعية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتقاطعية والديكولونيالية والشعبوية إلى أنماط لباس ومظهر خصوصية.

في مستوى ما من التجريد إذن، تتماثل الأوساط اليسارية مع ما درجت تسميته بثقافات فرعية أو ربما ثقافات-معارضة أو ثقافات-مضادة. مجموعات أقلية تتجمع على تعبيرات خطابية-رمزية وممارسات متمردة على الثقافة والممارسات الاجتماعية السائدة-الأغلبية.

من بين الفوارق العديدة على المستوى الملموس، بين الأوساط اليسارية وغيرها من الجماعات المتمردة، سنتوقف عند عنصر السياسة الذي يهمنا. لنتساءل هل السياسة عنصر خاضع للبنية الأساسية للجماعة الأقلية-المتمردة؟ أم أن السياسة هي العنصر البنيوي الأساسي المحدد لطبيعة الأوساط اليسارية وأن تشابهها مع الجماعات الأقلية-المتمردة الأخرى عرضي؟

 توجد السياسة بمعنى ما في مركز تجمع الأوساط اليسارية كجماعات اجتماعية، لكن بأي معنى؟ من الواضح أنها ليست موجودة بالمعنى الماركسي، أي بمعنى تشكيل البروليتاريا كطبقة وإقامة سلطتها. على مستوى الخطاب والممارسة لا تتعدى مسألة البروليتاريا وطريقة الوصول إليها وتنظيمها مكانة هامشية. لا يستحق الواحد أن يحاجج كثيرا للقول أن أفعال وخطاب هذه الأوساط تحكمه أهداف أخرى ومنطق آخر عن وعي أو دونه.

ليس هذا المنطق جديدا ولا غريبا أو مجهولا. يعود صعوده إلى أزمة الأحزاب "السوفياتية" وفشل معارضاتها الماركسية الأخرى (تروتسكية، ماوية، يسارية) بداية من سبعينات القرن الماضي. ارتبط ببعض تيارات ما سمي باليسار الجديد. سرعان ما تشكلت في الجامعة تعبيرة إيديولوجية عن هذه الممارسات. تسمى عادة بالمدرسة بعد-البنيوية. وصفت منطقها وعقلنته وأعطتها مشروعية إيديولوجية وحججا في وجه الماركسية بشكل صريح².

نظرا لتفاوت حركة التاريخ، كان يجب أن تمر تونس بالثورة وأن تتأزم "الشيوعيات" التونسية (حزب العمال، الأوطاد، التروتسكيون، الماويون) لتهيمن الحالة بعد-الحداثية³. في الفترة الزمنية الفاصلة كانت الحركات الماركسية قد تلقت عدة ضربات أخرى: سقوط الاتحاد السوفياتي ورأسملة الاقتصاد الصيني وانهيار أو انحسار جل تجارب البناء الاشتراكي والأحزاب الماركسية. كما أن انتشار أنترنات وهيمنة اللغة (الإمبريالية) الانجليزية ضمن الطبقات الوسطى، فرش أرضية خصبة لتسريع صعود هذه الحالة اليسارية بعد-الحداثية.

وإن لم يكن سواد اليساريين يقرأون ميشال فوكو أو جوديث بتلر ليطبقوا نصوصهما، فإن هذه الكتابات قد ولجت إلى جوهر الحالة التمردية-الأقلية ، ووصفت المنطق الذي يحكمها.

لا يتسع هذا المقال العودة عليها بالتفصيل طبعا وسيكتفي بالتطرق لفكرتين مركزيتين يمكن منهما اشتقاق جل الممارسات التي تميز  الأوساط اليسارية في حالتها الراهنة.

يؤكد فوكو أن السلطة، وهي مفهوم مركزي عنده، شبكة متناثرة من الهيمنات الصغيرة الحاضرة في كل تفاصيل الحياة الاجتماعية، ولا يعتبر أنها تفرعات لبنية عامة متناسقة. يستنتج من ذلك أن كل مشروع كبير للتغيير الاجتماعي-السياسي الكلي، لا يمكن إلا أن يفشل بل أن يقود إلى الاستبداد⁴.

وربما تكفي هذه الفقرة التي يمكن إيجاد أمثال متعددة لها في جل كتابات بتلر لتلخيص المنطق التمردي: « بخلاف نظرة تصور أن اشتغال السلطة في المجال السياسي يتم حصريًا من خلال كتل منفصلة تتنافس فيما بينها للسيطرة على مسائل السياسة، تؤكد الهيجمونية على الطرق التي تشتغل بها السلطة لتشكيل فهمنا اليومي للعلاقات الاجتماعية، وتنسيق الطرق التي نقبل بها (ونعيد-إنتاج) تلك العلاقات الضمنية والمستترة للسلطة. ليست السلطة مستقرة أو ثابتة، بل يتم إعادة تكوينها في منعطفات مختلفة من الحياة اليومية؛ فهي تشكل إحساسنا الهش بالفطرة السليمة، وترسَّخ باعتبارها الإبستام [épistémè]⁵ السائد في ثقافة ما. علاوة على ذلك، لا يحدث التحول الاجتماعي بمجرد حشد أعداد كبيرة من الناس لصالح قضية، بل من خلال الطرق التي تعاد بها مفصلة العلاقات الاجتماعية اليومية، وتفتح بها آفاق مفاهيمية جديدة من خلال ممارسات غير عادية أو متمردة. »⁶

إنطلاقا من هذا المنطق يسهل فهم أهم خصائص ممارسة الأوساط اليسارية. إذا كان التحرر يوجد دائما في التمرد على معايير سائدة-أغلبية اجتماعيا، فهو إذن تمردي-أقلي تعريفا وجوهرا. الممارسة التحررية لا يمكن إذن أن تسعى إلى الصير أغلبية، سائدة، مهيمنة، وبالأحرى إلى إقامة سلطة ولا سيما ديكتاتورية البروليتاريا. ليس من الغريب إذن أن تتباهى المعارضات ، في نوع من الطهورية، بمعارضتها لـ "السلطة"، لا هذه السلطة أو تلك، بل السلطة كسلطة، أي السلطة السياسية في المطلق⁷.

وبما أن المشكلة المطروحة ليست مسألة تفكيك بنى ومؤسسات (العائلة، الشرطة، رأس المال…) متمفصلة بشكل معين وبناء تشكيلة اجتماعية جديدة، بل مسألة خروج عن تكرار الممارسات المعيارية التي تكرسها، تصير الشيوعية هوية أقلية-تمردية، جملة ممارسات لاسياسية متعلقة بالسياسة. فالشيوعية هنا ليست الشيوعية الماركسية بل تأخذ مكانها كخطاب وشفرة رمزية وممارسات في حقل من التمرد اللامعياري: التمرد على الملكية الخاصة بسرقة الكتب بدل شرائها؛ تزهد وتمرد (كاريكاتوري أحيانا) على أنماط الظهور والسلوك والحياة السائدة-"البرجوازية"⁸. 

ليس هذا الوصف بأي شكل إدانة أخلاقية للأوساط اليسارية وممارساتها التمردية ولا طبعا دفاعا عن المعايير الاجتماعية السائدة. كما لا شك أننا أيضا، نقوم بوعي أو غير وعي ببعض الممارسات التمردية اللامعيارية جماعة وأفراد. يجب تقييم هذه الممارسات من وجهة نظر سياسية حسب المعايير الماركسية التي سنحاول صياغتها.

إلى هذا الحد، لا تتجاوز غاية النص دعوة لينظر الشيوعيون إلى أنفسهم في المرآة، أفرادا وجماعات، وأن يتساءلوا حول ما هم بصدد فعله، عن الهوة بين ما قد يقولون أو يظنون أنهم يفعلون وبين ما يفعلونه حقا، بين الغايات والأهداف المعلنة أو الضمنية لممارساتهم وبين دوافعها الحقيقية. هل ما نقوم به فعل سياسي جدي؟ وبأي معنى هو سياسي؟ ما هي أهدافنا منه؟ هل لدينا ستراتيجية عقلانية-منطقية لبلوغ هذه الأهداف؟ ليختر الكل المكان الذي يناسبه بوعي ودون أوهام. المتمردون اليساريون ليسوا أعداءنا. لكنهم لا يمارسون السياسة بالمنهجية الماركسية.

من التلقائية إلى التنظم

مع ذلك يجب الإقرار أن الماركسيين ليسوا إلى حد اليوم، خارج الوسط اليساري. غير أنهم لا يقبلون بهذه الحالة ولا يطبعون معها، بل يجتهدون في محاولة الخروج نحو حالة بروليتارية، نحو "تكوين البروليتاريا كطبقة".

لا يمكن إذن أن تبقى الممارسة الماركسية فردية-شللية وأن ترضى بحالة أقلية-تمردية، بل هي تسعى بالضرورة لأن تصير طبقية-جماهيرية فشعبية. كما يترتب عن ذلك أيضا أن يكون لها أهداف واضحة وخطة لبلوغها، أي أن تكون ممارسة استراتيجية. 

فعلى عكس ما توحي به بعض الخطابات حول الليبرالية، لا تتناقض الأخيرة مع الممارسة الجماعية بصفة عامة. فهي ليست في الأوساط اليسارية مسألة انعزال الأفراد عن بعضهم البعض. بالعكس، عادة ما يشكلون شللا وجماعات مبنية على علاقات حميمية من صداقة وحب وعلى نزعات نفسية مشتركة. يتواجدون في نفس الوقت في تظاهرات مع عشرات وأحيانا مئات من الأفراد والجماعات الأخرى. هذه التجمعات الكبيرة (نسبيا) تحديدا، تقوم على التنوع والتلقائية وهي فضاءات  للتعبير عن الذات (الفردية أو الجماعية) لا تحقيق أهداف سياسية.

إذا أزحنا إمكانية تشكل البروليتاريا كطبقة ووصولها إلى السلطة بشكل تلقائي، فالسؤال الرئيسي الذي يجب أن تتمركز حوله اليوم محاولات الماركسيين النظرية والميدانية هو تنظيم البروليتاريا⁹. يتطلب تحقيق هذه المهمة وجود جماعة تضطلع بها.

يحتاج التقدم فيها مواردا وطاقات ومعارفا لا تتوفر عند أي فرد وتنسيقا ممنهجا بين كل هذا لا يمكن أن يتحقق تلقائيا. ما يطرح مسألة التنظم. لا داعي هنا للإطالة في تعليل هذه النقطة، فقد يختلف الماركسيون حول بعض خصائص وأدوار تنظيمهم السياسي ووظائفه (علاقته بالطبقة، علاقته بالسلطة السياسية، مؤسساته…)، لكنهم لا يختلفون على ضرورته لتنظيم البروليتاريا وإرساء سلطتها السياسية.

تنظم البروليتاريا يستدعي إذن أولا تنظم طليعتها: الاشتراكيون الماركسيون، بل لعله يستدعي تكوين وتكون هذه الطليعة. هذه المقالة مساهمة أولية في هذا الاتجاه.

يستتبع تبني النهج الماركسي الشروع في الاطلاع على النظرية الماركسية والتمكن من المنهجية التي تعتمدها وذلك عبر دراستها على ألسن وأقلام منظريها. فلا تحديد للأهداف السياسية على المدى القصير والبعيد، دون فهم للتشكيلة الاجتماعية التي يمارس فيها الماركييون السياسة. ينطلق هذا الفهم من نظريتهم.

في الحياة الملموسة تكون الأمور متشابكة ومتداخلة ولا يأتي الفرد للماركسية في فراغ مجرد، بل يجد نفسه مباشرة في وسط اجتماعي ووريثا لمسار تاريخه الفردي. مثلا لا يأتي للماركسية من قراءة النظرية ليطبقها بعد ذلك. أيضا، عندما يأتي للماركسية هناك ماركسيون وحركة وتنظيمات ماركسية سابقة له. هناك إذن تشابك زمني معقد لمستويات مختلفة من نظرية وممارسة وتنظم. كيف يمكن الانطلاق اليوم في تجاوز الحالة الأقلية التمردية نحو الحالة الماركسية السياسية؟

الخط الصفر هو تجاوز التلقائية نحو الفعل العقلاني الاستراتيجي. ولا يخرج الفرد من التلقائية في ليلة وضحاها بمجرد انخراطه الشكلي في مجموعة سياسية. إذ يوجد العديد من المنتسبين إلى تنظيمات، يعكس فعلهم مستويات عفوية لا تقل عن غيرهم.

يمكن أن تطرح ستراتيجيات مختلفة لتنظيم البروليتاريا، بل حتى تحديدات اجتماعية مختلفة لهذه الطبقة. لا سوء ولا مفر من تشكل عدة مجموعات ماركسية على هذا الأساس. هذا من شأنه خلق نقاش سليم. ثم على محك التجربة الواقعية يمكن تقييم مختلف هذه الستراتيجيات والتقدم في تشكيل الخط الماركسي البروليتاري الصحيح.

من واجب الماركسيين أفرادا وجماعات أن يدعوا لأفكارهم ومقترحاتهم الستراتيجية وأن يتجمعوا وتنظموا وينخرطوا مع من يشاطرونهم التوجه، لتجربته الميدانية.

يستدعي كل هذا مجددا حدا أدنى من المعرفة النظرية العامة بالماركسية والخاصة بالواقع الاجتماعي التونسي. في مستوى أدنى من التنظم قبل-السياسي، يشكل الماركسيون حلقات قراءة، يدرسون ويناقشون فيها النظرية الماركسية وتطبيقاتها الممكنة في الواقع التونسي. من هناك يمكن أن تنبع أفكار وخطط ومقترحات للمرور إلى الممارسة السياسية.

يتبع ...      


-----------------------------------

 ¹ حول اليسار كتيار سياسي، أنظر اليسار والشيوعية والماركسية، إزميل https://izmile.blogspot.com/2023/06/blog-post.html 

²  « عندما نبحث عن مصدر هذا الفقر في الخيال على الصعيد الاجتماعي-السياسي في القرن العشرين، يبدو لي، على الرغم من كل شيء، أن الماركسية تلعب دوراً هاماً. لذلك أتناول الماركسية. ستفهم إذن أن محور "كيف ننتهي من الماركسية" […] هو أيضًا أساسي في تفكيري. هناك شيء حاسم: أن الماركسية ساهمت ولا تزال تساهم في إفقار الخيال السياسي، هذه هي نقطة انطلاقنا.

[…]

من البديهي أن مثل هذه الفلسفة [الماركسية] تتضاعف وأن علاقات سلطتها تقبل الانجراف في دينامية آليات الدولة. ولتلخيص كل هذا، فإن الجوانب الثلاثة للماركسية [...] مرتبطة ارتباطًا جوهريًا لا مفر منه بمجمل علاقات السلطة. » ترجمت هذه الاقتباسات من حوار لميشال فوكو بعنوان « منهجية لمعرفة العالم: كيف نتخلص من الماركسية» :

Méthodologie pour la connaissance du monde : comment se débarrasser du marxisme, entretien avec R. Yoshimoto, 25 avril 1978, in Dits et écrits III (1976-1979)

³ حول هذه الحالة أنظر في الفعل السياسي الناشطي،إزميل https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html 

 « تدور جميع الصراعات الحالية حول السؤال نفسه: من نحن؟ إنها رفض لهذه التجريدات ورفض للعنف الذي تمارسه الدولة الاقتصادية الإيديولوجية التي تتجاهل من نحن فرديا، ورفض أيضًا للتفتيش العلمي أو الإداري الذي يحدد هويتنا. للتلخيص، الهدف الرئيسي لهذه الصراعات ليس مهاجمة مؤسسة سلطة معينة، أو مجموعة، أو طبقة، أو نخبة، بقدر ما هو مهاجمة تقنية خاصة، شكل معين من أشكال السلطة. يمارس هذا الشكل من السلطة على الحياة اليومية المباشرة، التي تصنف الأفراد إلى فئات، تحددهم بفرديتهم الخاصة، وتربطهم بهويتهم، وتفرض عليهم قانون حقيقة عليهم الاعتراف به وعلى الآخرين الاعتراف به فيهم.

[…]

في القرن التاسع عشر، جاء الصراع ضد الاستغلال لصدارة المشهد. واليوم، أصبح الصراع ضد أشكال الإخضاع - ضد إخضاع الذات - هو السائد أكثر فأكثر، حتى وإن لم تختفِ الصراعات ضد الهيمنة والاستغلال، بل على العكس.

[…]

أعرف ما هي الاعتراضات التي يمكن أن تُثار. يمكن القول إن جميع أنواع الإخضاع ليست سوى ظواهر مشتقة، تداعيات لمسارات اقتصادية واجتماعية أخرى: قوى الإنتاج، والصراعات الطبقية، والبنى الإيديولوجية التي تحدد نوع الذاتية التي يتم اللجوء إليها.

من الواضح أنه لا يمكن دراسة آليات الخضوع دون مراعاة علاقتها بآليات الاستغلال والهيمنة. لكن آليات الخضوع هذه لا تشكل مجرد "نهاية" لآليات أخرى أساسية أكثر. تربطها علاقات معقدة ودائرية بأشكال أخرى

[…]

يمكن القول، في الختام، إن المشكلة السياسية والإيتيقية والاجتماعية والفلسفية التي تطرح علينا اليوم ليست محاولة تحرير الفرد من الدولة ومؤسساتها، بل هي تحرير أنفسنا نحن من الدولة ومن نوع الفردية المرتبط بها. علينا أن نروج لأشكال جديدة من الذاتية رافضين نوع الفردية الذي فُرض علينا لعدة قرون

[…]

علاقات السلطة متجذرة بعمق في النسيج الاجتماعي؛ ولا تشكل فوق "المجتمع" بنية إضافية يمكن أن نحلم بإزالتها بشكل جذري.

[…]

تحليل وصياغة وإعادة -مساءلة علاقات السلطة، و"النزاع" بين علاقات السلطة وعدم-تعدي [instransitivité] الحرية، هي مهمة سياسية لا تتوقف؛ بل إنها المهمة السياسية الملازمة لكل وجود اجتماعي.

[…]

نرى لماذا لا يمكن أن يُرجَع تحليل علاقات السلطة في المجتمع إلى دراسة سلسلة من المؤسسات، ولا حتى دراسة كل تلك التي تستحق إسم "سياسية". تتجذر علاقات السلطة في مجمل الشبكة الاجتماعية. » ترجمت هذه الاقتباسات من:

Michel Foucault - Le sujet et le pouvoir, in Dits et écrits IV (1980-1988)

من المثير للاهتمام مهاجمة فوكو لفكرة اشتقاق أو تفرع علاقات السلطة من مستوى بنيوي أعلى واقتراحه النظر إلى تفاعل مختلف أنواعها بشكل دائري. يضرب هذا صراحة فكرة "بنية ذات (عنصر) مهيمن" التي روج لها ماركسيون منذ الستينات وعلى رأسهم ألتوسير وبولنتزاس، تحديدا وصراحة كنقيض للتفكير الدائري. بهذا المعنى يمكن القول حرفيا أن هذا التفكير الفوكولدي "بعد-بنيوي".

أما بالنسبة للتغيير الاجتماعي فقد دأب فوكو على الشك والتشكيك في مفهوم الثورة والتركيز على "الآثار الاستبدادية" التي خلفتها الثورات.

« عودة الثورة، هذه هي مشكلتنا […] إلا أن الأمر فعلا شيء آخر تمامًا في الستالينية. تعرف ذلك جيدًا: إنها مرغوبية الثورة نفسها التي تمثل اليوم مشكلة.

[…]

أعتقد، إذا شئت، أن ممارسة السياسة بطريقة غير سياسوية هي محاولة معرفة، بأكبر قدر ممكن من الصدق، ما إذا كانت الثورة مرغوبة. » ترجم من حوار:

Non au sexe roi (entretien avec B.- H. Lévy), Le Nouvel Observateur, n° 644, mars 1977, in Dits et écrits III (1976-1979)

« هل نشهد، في نهاية القرن العشرين، شيئا يمكن اعتباره نهاية عصر الثورة؟ يبدو لي أن هذا النوع من النبوءات، هذا النوع من الحكم بالإعدام على الثورة، أمر سخيف بعض الشيء. ربما نحن نشهد نهاية فترة تاريخية كان، منذ 1789-1793، على الأقل بالنسبة للغرب، يهيمن عليها احتكار الثورة، مع كل ما قد ينطوي عليه ذلك من آثار استبدادية مصاحبة، دون أن يعني اختفاء احتكار الثورة إعادة الاعتبار للإصلاحية. في النضالات التي تحدثت عنها للتو، ليس الأمر بالإصلاحية على الإطلاق، بما أن دور الإصلاحية هو تثبيت نظام السلطة بعد عدد من التغييرات، في حين أن كل هذه النضالات تتعلق بزعزعة آليات السلطة، وهو زعزعة لا نهاية لها على ما يبدو. » ترجم من محاضرة ألقيت في مقر صحيفة يابانية:

La philosophie analytique de la politique (Conférence donnée le 27 avril 1978 à l'Asahi Kodo, centre de conférences de Tokyo, siège du journal Asahi.), in Dits et écrits III (1976-1979)

مفهوم فوكولدي يشير إلى الإطار غير الواعي الذي تتشكل ضمنه "المعرفة" و"الحقيقة" في حقبة تاريخية معينة.

Judith Butler - Restaging the Universal: Hegemony and the Limits of Formalism, in Contingency, Hegemony, Universality: Contemporary Dialogues on the Left, JUDITH BUTLER, ERNESTO LACLAU and SLAVOJ ZIZEK

يدخل إلغاء السلطة السياسية ضمن أفق الحركة الماركسية في المرحلة الشيوعية المتقدمة. إلا أن بلوغ هذه المرحلة يتطلب تغييرات تنهي الاستغلال والانقسامات الاجتماعية والأممية إلى غير ذلك. تطلق هذه التغييرات سلطة سياسة اشتراكية.

السائد اجتماعيا في الرأسمالية ليس ممارسة ولا إيديولوجيا البرجوازية بل هو تركيب معقد من البنى والممارسات تحافظ على التماسك النسبي وإعادة-إنتاج تشكيلة اجتماعية تهيمن فيها البرجوازية.

 يشمل ذلك تحديد الملامح الاجتماعية الملموسة لهذه الطبقة في تونس، وهو موضوع يخرج عن إطار هذا النص. أنظر: حول الذات الثورية، إزميل  https://izmile.blogspot.com/2022/10/blog-post.html







                                                               

في الفعل السّياسي الناشطيّ



شهدت أواخر القرن العشرين وما تلاها تحوّل العمل السياسي الحزبي المنظَّم الذي كان يسود الساحة السياسية العالمية إلى فعل سياسي يأخذ شكل الناشطية. ونقصد بالناشطية هنا ما اصطلح عليه بـ"الأكتيفيزم" والذي انبثق منه مصطلح "الأكتيفيست" أو النشطاء الذي يطلق على مزاوليه.

درج هذا النوع من الفعل السياسي وتراوحت ممارساته بين الفعل الفردي الذي يأتي به شخص ما في علاقة بقضية تخصه شخصيا أو تخص مجال عمله أو سكنه أو محيطه الأوسع، والتحركات الجماعية التي تقوم بها مجموعات تتنظم في حملات أو حركات أو جمعيات أو تنسيقيات أو ائتلافات أو غيرها من أوعية التنظّم غير الحزبية.

يمكننا أن نلاحظ على مستوى أوّل أن الفعل السياسي الناشطي يكون في الأغلب نابعا من حدث بعينه أو من ممارسات معينة تلقى استهجانا فمعارضة ثم مطالبة بالعدول عنها ومحاسبة القائمين بها وجبر ضرر ضحاياها، كما يمكن أن يتحول الفعل إلى المطالبة بإصلاحات تمس بأسس وقوع ذلك الحدث أو تلك الممارسات.

ولعلّ أشهر الحركات الناشطية كانت تلك التي تعبّر عن نفسها بأنها مناهضة للعولمة (Anti-Globalisation Movements)، والتي تكونت حول أهداف من نوع معارضة السياسات النيوليبرالية المدفوعة من قبل المؤسسات المالية العالمية، أو أخرى كانت تقف في وجه استفحال اعتداء الشركات متعددة الجنسيات على العمال والبيئة والمستهلكين. فعلى سبيل الذكر، كان تأسيس الحركة الفلّاحية الأممية "لا فيا كامبيسينا" مرتبطا بمعارضة اتفاقية منظمة التجارة العالمية حول تحرير التجارة الدولية في المواد الفلاحية. أما في تونس، فقد كان مقترح قانون المصالحة الذي أتت به رئاسة الجمهورية سنة 2015 وراء تأسيس حملة "مانيش مسامح". فضلا عن العديد من المبادرات السياسية الأخرى، التي ضمت تكتلات وائتلافات جمعياتية وحزبية وشخصية، ربطت علة وجودها بالتصدي لإجراءات معينة أو معارضة قوانين وقرارات وسياسات ما.

ثم على مستوى ثان، نرى أن الفعل الناشطي في مجمله يميل إلى التخصص في قضايا بعينها. وهكذا نجد حركات تُعنى بحقوق الإنسان بصفة عامة، وأخرى يرتبط نشاطها بقضايا حقوق النساء أو التعبيرات الجندرية غير المعيارية، بينما تهتم غيرها بمسائل البيئة والمناخ، والقائمة تطول.

بالطبع لا يمكن إنكار أن التخصص في قضايا معينة يجعل من التركيز عليها وسيلة أكثر نجاعة لتحقيق أهدافها، مما قد يسمح باقتناص بعض المكاسب التي وإن اعتبرت انتصارات صغيرة، إلا أنها تُعدّ ذات منافع معنوية على الأقل، خاصة في حالات الركود واليأس. كما أن للتخصص أيضا القدرة على التعبئة وذلك من خلال الاعتماد على الرابطة العاطفية أو الهووية التي تجمع بين من تمسّهم القضايا الخصوصية وما لذلك من دور في تعزيز اللُّحْمة و القدرة على الضغط. ثم على صعيد آخر، كان اللجوء إلى التخصص بمثابة ردة الفعل على نقص اهتمام التنظيمات الحزبية ببعض القضايا أو تثاقل التفكير فيها وإدماجها في برنامج العمل السياسي أو حتى رفض الاشتغال عليها، فكان تهميشها هناك، أي في التنظيمات الحزبية، دافعا نحو تشكلها هنا، أي في الحركات الناشطية.

على كل حال، أصبحت الناشطية أمرا واقعا لا يمكن تجاهله، وأضحت أساليبها طاغية على الفعل السياسي حتى داخل العديد من التنظيمات الحزبية. بل قل إن الناشطية قد استفحلت في الساحة السياسية إلى درجة أن رئيس الجمهورية كان في الأساس ناشطا !

يمكننا إذن، على ضوء ما سبق، أن نقدم جملة من الخصائص التي يتميز بها الفعل السياسي الناشطي:

أولا، هو محتكم بدرجة كبيرة إلى ردة الفعل أكثر من كونه عملا سياسيا منظّما ومخطّطا له يحمل مشروعا متكاملا تمس من البنية والأسس التي يرتكز عليها نظام الحكم الذي يعارضه ويسعى إلى تغييره. فالناشطية تميل أكثر إلى ما يمكن أن نعتبره السياسة السلبية التي تكتفي بالرفض والمضاددة مما يجعل فعلها السياسي عفويا. وبما أن الحملات والحركات وغيرها من أشكال التجمّع الناشطي لا تخضع إلى مركزية فكرية وسياسية مضبوطة منهجيا، فإن مواقفها تنحو في أغلب الأحوال نحو القصووية الشعاراتية والاستعراضية الاحتجاجية، التي لا تستند في العديد من الأحيان إلى كتف تنظيمي ولا تحتمي في أغلبها بظَهْر شعبي، لتحقيق مطالبها أو تحمل مسؤولية تبعات احتجاجها. فتطغى حملات المناصرة واللوبيينغ التي تسعى إلى كسب تعاطف الفئات المهيمنة في الدولة والمجتمع بدل الضغط الاجتماعي-السياسي من تحت.

ثانيا، يوقع التخصص الشديد في قضايا معينة دون غيرها في مَغَبّة تغييب الصورة الكاملة للنظام القائم، فيتم اقتطاع الجزء من الكل، حتى يصير هذا الجزء هو العامل الأساسي في تحديد الفعل السياسي، فيخلق ذلك وهما بإمكانية حل بعض المسائل الكبرى دون تثوير البنية الاجتماعية السائدة. ولئن تشابكت بعض القضايا المتناثرة فالتقت العديد من الكتل الناشطية التي تحملها في ساحات الاحتجاج الشارعي أو الافتراضي، إلا أن هذا التشابك الموضوعي ومحاولات التشبيك الذاتية لم تتجاوز بعد الشكل التجميعي الترصيفي لبعض المسائل التي لا تتعامل مع الوضع القائم كبنية مترابطة لها قوانين تحكمها وعوامل تسيّر اشتغالها.

في كل الأحوال، لا تسقط الأفكار والممارسات السياسية من السماء، كما أنها لا تنتشر وتروج في الهواء، بل إن أرض الواقع، بما هي ساحة التقاء العلاقات الاجتماعية القائمة، هي التي تحدد وجود الظواهر السياسية ومدى انتشارها، والتي لا يمكن فهمها دون النظر في سياقها التاريخي.


السياق التاريخي للفعل السياسي الناشطي


يمكن اعتبار أن نشأة الفعل السياسي الناشطي وترعرعه قد رافقت ما قد يسمى بـ"الحالة ما-بعد-الحداثية". بصفة عامة، تتميز هذه الحالة برفض الذوق العام السياسي للسرديات الكبرى التي طغت على الفكر الفلسفي والسياسي منذ عصور التنوير والحداثة، والتي انبثقت عنها مشاريع سياسية ضخمة، حكمت معظم القرن العشرين. وبصرف النظر عن العوامل التي أدّت إلى ظهور هذه الحالة، فإن ما يهمنا هنا هي الأرضية التاريخية التي جعلت منها تنتشر وتصبح إيديولوجيا سائدة لدى العديد من معارضي النظام القائم، حتى ولو لم يتبنّوا أطروحاتها عُنْوَةً.

شهدت التشكيلات الاجتماعية المعاصرة الرازحة تحت النظام الرأسمالي العالمي، ما بعد الحروب العالمية وحروب الاستقلال، عدة تحوّلات مازالت آثارها قائمة وإن بدأت في الانحدار.

أولا، كانت محاولات الخروج عن الرأسمالية التي أتت بها العديد من التجارب في شرق الأرض قد أثّرت تأثيرا كبيرا على غربها وجنوبها. ففي المراكز الرأسمالية، كان الخوف من خطر الثورات العمالية قد دفع برأس المال إلى تخفيف وطأة الاستغلال من خلال اعتماد سياسات تُوَسِّعُ من حصة الطبقة العاملة في عائدات إعادة الإنتاج، أو ما يعرف بخدمات الرعاية (تعليم، صحة، نقل…). وأما في العالم الثالث، فقد أدى زخم التحرر من الاستعمار إلى الشروع في بناء اقتصادات تتجاوز التخلف الإقطاعي وعجزه عن تنمية القدرات الإنتاجية، فتم اعتماد الإصلاحات الزراعية ووضع مشاريع التصنيع والاستثمار في البنية التحتية الحيوية والإنتاجية.

من هنا شهدت الطبقات المنتجة في العالم تحسّنا مهمّا في ظروف حياتها، بفضل تعديل ميزان القوى لصالحها بنسبة مهمة داخل النظام الرأسمالي. وبما أن قطاعات الرعاية تتطلب هي بدورها يدا عاملة تؤديها، كان الاشتغال فيها من نصيب الطبقات الوسطى التي تخصصت في الأعمال الإدارية ووظائف تُعنى بالصحة والتعليم والنقل وغيرها. فأصبح الوجود المادي لهذه الطبقات أكثر وضوحا، فتعالى صوتها السياسي بوضوحٍ مُساوٍ لوجودها، خاصة بعد أن بدأ يهوي صرحها بفعل هجوم السياسات النيوليبرالية على خدمات الرعاية، وبالتالي على مواطن شغل هذه الطبقات الوسطى.

من جهة ثانية، ترافق تطور قوى الإنتاج، سواء على صعيد قوة العمل التي أصبحت شيئا شيئا أكثر كفاءة، أو على صعيد التقنيات المعتمدة والتي شهدت قفزات نوعية منذ الربع الأخير للقرن العشرين، ترافق ذلك مع تغير موازين القوى بين رأس المال العالمي الاحتكاري من جهة والعمل من الجهة المقابلة، فنتجت عن ذلك تهرئة عميقة للقوة السياسية والاقتصادية للطبقات المنتجة في العالم. فقد أصبح التحكم في الأسعار، أي أثمان السلع والخدمات وخاصة الأجور، سمة راسخة الوجود في النظام الرأسمالي العالمي بفعل تركيز الاحتكارات وميل معدلات الأرباح إلى الانخفاض.

ثالثا، أدّى التطور الهائل في الإنتاج الرأسمالي وتعدد السلع والخدمات المعاصرة إلى تقسيم عميق للعمل، جعل من إنتاج السلعة الواحدة موزّعا على سلسلة طويلة من المراحل التي تتخصص فيها أيادٍ وأدمغة مشتتة. تقسيم العمل هذا أدّى إلى الفصل الزماني والمكاني بين مكونات الطبقة العاملة حتى على مستوى قطاع محدد من الإنتاج، مثل الصناعات الميكانيكية والالكترونية، حيث يُصنع كل مكوّن على حدة، أو الصناعات الغذائية التي تفصل أصلا بين الحقل والمعمل، بين الفلّاح والعامل. بالتالي، لم تعد مراكز العمل مساحات لتجميع العمال خاصة في دول يطغى فيه قطاع الخدمات الذي لا يتطلب عددا كبيرا من اليد العاملة ولا يجمعها في مكان واحد، ويتخلف فيها القطاع الصناعي الذي لا تشغل مصانعه (إن لم نُصَنِّفها أصلا ورشات إنصافا للمصانع) أعدادا مهمة باستطاعتها أن توقف العمل وتهدد أرباح المالك من أجل تحقيق مطالبها، ناهيك عن قطاع فلاحي لا يحترم أصلا عدد ساعات العمل أو سلامة العاملين والعاملات فيه.

بناء على تحليل البنية المعاصرة للنظام الرأسمالي العالمي وتأثيراتها على التشكيلات الاجتماعية التي ترزح تحتها، فإن واقع تجزئة العمل وما نتج عنها من تذرية (atomisation) للطبقة العاملة في العالم قد انعكس على الفكر والفعل السياسي الذي أصبح مشتتا وتخصّصيا للغاية. ثم إن إضعاف القدرة السياسية والاقتصادية للطبقة العاملة يجعل من الصعب تجميع الناس حول مشروع سياسي يتجاوز مستوى المطالبة بحاجياتهم اليومية البسيطة والمباشرة، والتي يعجزون عن تحقيقها أصلا حتى يهتموا بالعمل السياسي المنظّم والدائم. ثم على صعيد سياسي إيديولوجي، لم تتحقق غايات المُثُل الديمقراطية التي نادت بها البرجوازية عند صعود نمط الإنتاج الرأسمالي بصفة كاملة، فتلقَّفَ مثقفو الطبقات الوسطى مهمة الدفع نحو تحقيق بعض المكاسب الديمقراطية، التي جعلوا منها مهمتهم السياسية الأساسية، إن لم تكن الوحيدة.

تمثل هذه البنية الجديدة للنظام الرأسمالي تحديا كبيرا للماركسيين  يظهر على مستويين اثنين:

أولا، كان نشوء التيار الماركسي معاصرا لتطور الطبقة العاملة في أوروبا الغربية خلال القرن التاسع عشر على الصعيد المادي-الكمّي والسياسي والإيديولوجي والذي تمظهر في رفضها القوي للاستغلال وتنظّمها الصارم في النقابات والأحزاب وتقبّلها بل وإنتاجها لنظريات الثورة والتغيير. بالتالي، يبدو أنه لا توجد "وصفة" في "أمهات الكتب" الماركسية للتعامل مع الوضع الحالي الذي يختلف، كما بيّنّأ أعلاه، اختلافا شديدا عن ظروف إصدارها.

أما المستوى الثاني من التحدي فيكمن في هشاشة التمكّن من منهجية الفكر الماركسي (نشدد على المنهجية كأداة تحليل وفهم في مقابل المساطر النظرية والشعارات الببغائية)، أي النظرة المادية للتاريخ ودور الصراع الطبقي في الدفع به إلى التقدم، هشاشةٌ تؤدي إلى الوقوع في الانتهازية النابعة عن فقر التحليل وكسله أو التذيّل العاجز للحركة العفوية.


التأليف والتجاوز


هناك مستويان مترابطان يحددان سبل تغيير واقع تاريخي ما: الصراع النظري من خلال نقد الإيديولوجيات الدارجة في أشكالها الحاكمة وخاصة المعارضة، هذا من جهة، والصراع الاجتماعي-السياسي الذي يعمل على تغيير الظروف المادية التي جعلت من هذا الواقع قائما ومستفحلا، من جهة مُصاحبة.

جاءت الحركة الماركسية في سياق تاريخي تداعت فيه كل المُثُل البرجوازية بالمساواة في الحقوق بين جميع المواطنين والبشر حين تبيّن أن هذه القيم لا تشمل جميع طبقات المجتمع وبالأخص أغلبيّته المنتجة. ثم أثبت نمط الإنتاج الرأسمالي شيئا فشيئا بأنه لا يأبه بحقوق الإنسان بصفة عامة، إذا كان تحقيقها يقف عائقا أمام تراكم رأس المال. وبالتوازي، لم تعد البرجوازية تلك الطبقة الثورية التي صارعت الإقطاع والمَلَكية المطلقة وتسامت على العلاقات القبلية والطائفية الضيقة. على هذا الأساس وبسببه، مازالت قضايا من قبيل حقوق النساء والهويات الجندرية غير المعيارية، وحقوق الأعراق المقموعة والشعوب المضطهدة والمجتمعات الأصلية المُبادة، والحقوق البيئية والمناخية والعيش في محيط سليم، والحقوق المدنية والسياسية الأخرى من حرية تعبير وتنظّم وغيرها، كلها مازالت قضايا على جدول أعمال العمل السياسي المعاصر. إلا أنه وفي نفس الوقت، قد حصر الفهم الليبرالي المعياري هذه القضايا في مجال حقوق متسامية على واقع الصراع الاجتماعي وموازين القوى بين البشر، فعجز عن تحقيقها. هذه القضايا التي تعود في نهاية التحليل إلى أسس مادية تتعلق بملكية وسائل الإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل وإعادة إنتاج المجتمع لنفسه داخل وحدة بنيوية عالمية لعلاقات الإنتاج الرأسمالي التي تأخذ شكلا إمبرياليا.

لكن التاريخ ما انفكّ يعلّمنا بأن الأفكار في ذاتها لا تتحقق من تلقاء كونها صحيحة أو نافعة أو خيِّرة أو جميلة، ولكن لأنها محمولة بقوى مجتمعية حية تحتضنها وتدفع بها إلى التحقق السياسي الفعلي. وما يلاحظ الآن، بناء على تحليل الفعل السياسي الناشطي أعلاه، أن القضايا التي تحتل الحيز العام في تونس مرفوعة على عاتق مجموعات تنتمي إلى الطبقات الوسطى بموظّفيها ومثقّفيها وطلبتها التي لا تتشارك فعليا في مصالح مادية صلبة، مما يجعلها عرضة لتذبذب المواقف. فكم من مناضل قام بمراجعات في لحظة ما وضعته في نقيض ما كان يدافع عنه ويدعو له؟ وكم من مناضل آخر أفنى عمره ينادي بشعارات لا تجد صداها ووقعها وتحققها المادي على أرض الواقع الاجتماعي والسياسي؟ ثم كم من محطة سياسية زادت في تعميق تشرذم القوى السياسية حول الموقف منها وكم من محطّة أخرى أرغمت توجهات مختلفة، بل متعارضة، على توحيد الصفوف عبر توافقات غريبة وتوازنات هشة؟

أما على صعيد مقابل، إلى متى ستظل الأصوات الماركسية تدعو إلى التغاضي عن "الاهتمامات البرجوازية" بدعوى الاحتكاك بالشعب وهمومه أو الانغراس صلب الطبقات الشعبية، وهي لم تُحدّد بعد، بدقّة نظرية وإمبيريقية، من هو هذا الشعب ومن هي هذه الطبقات الشعبية؟ بل إن السؤال العملي المحرج أكثر هو: ما مدى ثورية الطبقات الشعبية في تحقيق مهمة الانتقال إلى مجتمع أرقى بدل الاكتفاء بزعزعة نظام الحكم وتعويض رأس سلطة برأس آخر؟

هنا تأتي المهمة الأساسية لمن يتبنّون منهجية ماركسية في عملهم السياسي متمثِّلَةً في الدفع نحو أن تصبح أفكارهم وممارساتهم "تعبيرا عاما عن الشروط الحقيقية لصراع طبقيّ قائم على حركة تاريخية تجري أمام أعيننا"، ينزع عن الفعل السياسي السائد أسمال المثاليات المتعالية على أوحال الواقع المادي للمجتمع.


 
¹ ليس من الغريب أن تنتشر في وقتنا إذن تحليلات خصوصية للرأسمالية من نوع الرأسمالية الخضراء  والوردية والرأسمالية الباترياركية والبيضاء بل والقول بأن الرأسمالية قد تحولت إلى إقطاع تقني أصلا.

² يمكن التنبّه هنا إلى مدى تغلغل المشاريع السياسية المبنية على منطق "الأعمال الخيرية" وشعبيّتها، من قبيل مصاريف الختان وأضاحي العيد التي وزعها حزب حركة النهضة، أو المقرونة التي تباهى بتوفيرها نبيل القروي وحزبه، أو ما لا يعلمه أحد من الأشياء التي قامت بها "عيش تونسي".

³ ماركس وانقلز (1848)، البيان الشيوعي
https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1848-cm/02.htm

دفاعا عن غسان وعن نهج غسان: لينهض الاشتراكيون!





بعد مهزلة قضائية دامت الآن قرابة ثلاث سنوات، ثبتت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي بسجن غسان بن خليفة لمدة ستة أشهر. هذا وتنتظره قضية أخرى أكثر خطورة يتهم فيها بـ « الإرهاب ».


انطلقت هذه التتبعات على أساس تقرير هزيل من المصالح الفنية للشرطة يتناقض حتى مع اعترافات المسؤول الحقيقي عن الأفعال المنسوبة لغسان. ويؤكد ضعف هذا الملف المصطنع من وزارة الداخلية، ما أشرنا إليه سابقا من جبن قضاء لم يرتق يوما إلى أدنى درجات الليبرالية والشكلانية القانونية البرجوازية، ناهيك عن أي مفهوم ممكن للعدالة. قضاء ورثناه على استبداد 7 نوفمبر، لم يدخل عليه انتهازيو الحكم « الديمقراطي » أي إصلاح. قضاء دأب على إرسال أبناء الأحياء الشعبية والمعتمديات الداخلية المهمشة إلى السجون بالعشرات كل شتاء. السجون التي توفي فيها مؤخرا الشابين حازم عمارة وأمين الجندوبي، فكيف نستغرب إدانته لأحد أبرز أنصارهم؟!



غسان المناضل الاشتراكي، المعروف بفضحه لكل أوجه التطبيع مع الصهيونية والتبعية للإمبريالية، أزعج دولة تفعل عكس ما يدعيه ممثلها الإيديولوجي الأكبر. خاصة أنه هاجمها من وجهة نظر الطبقات الشعبية والسيادة الوطنية لا من منطلق الامتيازات النخبوية البرجوازية-الصغيرة.


ليس من الغريب إذن أن مصالح وزارة المراقبة والعنف، وضعته في قائماتها السوداء، ومن هناك فإن الطريق القضائي كان معبدا بالسياسة الجزائية لوزيرة السجون، التي يبدو أن أداءها يحظى برضاء كبير من الرئيس المشرف على تعفن الأوضاع في البلاد، الذي أعلن ذات يوم « من يبرئهم فهو متواطئ معهم ».


يستدعي هذا المستجد غير المفاجئ، ردا واضحا من الاشتراكيين وأصدقائهم وحلفائهم: محاكمة غسان لا تخيفنا ولا تربكنا بل تزيدنا عزما وشعورا بالمسؤولية وتوطد صفوفنا. إن الحفاظ على شوارع ممتلئة بالمناضلين والأفكار السياسية الثورية هو الضامن الفعلي للحرية السياسية. 


 وإن كانت قناعتنا اليوم أن مسار العدالة مسار سياسي طويل المدى، يمر بعمل دؤوب لكسب ثقة الطبقات الشعبية في برنامج الاشتراكيين، فإننا لا نهجر المعركة القضائية وهدفها المباشر اليوم: إيقاف تنفيذ الحكم السجني في حق غسان وإنهاء المهزلة القضائية بالتخلي عن كل هذه التتبعات الجائرة. ولا يمكن الضغط على السلطة الرجعية القائمة، إلا بكسب تعاطف أكثر ما يمكن من جماهير شعبنا في وجه تشويهاتها المنتظرة.




مشروع نقد ذاتي لسنة من الانحراف السياسي



كتب هذا النص التقييمي من أحد أعضاء المجموعة الماركسية الثورية، مؤخر سنة 2024.

______________________________________________________


منذ مرور حوالي السنة من انطلاق مسار 25 جويلية، وبعد نقاشات متكررة، صار من الواضح للمجموعة الماركسية الثورية (ممث) أنه ذاهب إلى مآلات رجعية. تعد حالة الطبقات الشعبية من النقاط الأساسية في هذا التقدير (بل يجب أن تكون النقطة المركزية للماركسيين في الواقع). اتسمت بالاستقالة السياسية والإنهاك والإحباط واليأس وفقدان البوصلة. يضاف ذلك إلى ضعف تنظمها ومراكمتها للوعي الثوري في الفترة السابقة وهما شيآن مترابطان. ذلك ما جعلها تساند ثم تقبل سلبيا بالمسار الجديد.

انطلاقا مما سبق قدرت الممث أن المرحلة مرحلة دعاية وإعادة بناء للحركة الماركسية والبروليتارية. يعني ذلك فيما يعنيه أنها ليست مرحلة تحريض لقلب السلطة أو تحقيق إصلاحات نظرا لافتقاد الوزن الذي يمكن من طرح مثل هذه المهام. بناء هذا الوزن هو تحديدا الهدف التكتيكي الرئيسي [1]. ذهب حتى بعضنا لاعتبار أن اندلاع انتفاضات بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية قد يؤدي إلى تسريع وتشديد المنحى الرجعي وقد يرسي حتى سلطة أسوأ من القائمة.

في هذا السياق أتى هجوم 7 أكتوبر 2023. وقد مثل الحراك الجماهيري الذي أثاره في تونس جرعة أكسجين لم يكن يحلم بها أحد في جو الركود السياسي الخانق. إذ كانت فرصة للالتحام بالجماهير الشعبية والعمل صلبها تبين كل تحاليلنا أنها لن تتكرر كثيرا. كما أشعلت نار مناهضة الإمبريالية في صدور عديد الشباب اليساريين وأحيتها في قلوب بعض اليائسين القدامى.

لكن هذه الفرصة ضاعت بل تحولت بشكل مفاجئ إلى خلاف سياسي. إذ تشكل تيار في المجموعة انحرف عن خطها في مسألتين حارقتين على الأقل.

انخرط في مظاهرات متواترة دون تحضير أو أهداف سياسية واضحة، بتلقائية تتعارض مع جوهر الماركسية، مع الفعل الاستراتيجي الواعي. ذهب إلى أماكن بعيدة عن الطبقات الشعبية، التي أهملها تماما. انساقت وراءه المجموعة تحت تأثير حماس الأيام الأولى. فلم تنظم أي عمل جدي موجه للجماهير.

يسهل بصفة عامة الاشتغال على القضية الفلسطينية في الأوساط الشعبية حيث تعفى من عديد العوائق التي تعترض العمل السياسي. ورغم ذلك وفي سياق أكثر من مواتٍ، تخلفت المجموعة عن واجبها فلم تقم بحملات دعائية وتنظيمية في الأسواق الشعبية ولا حتى في الأحياء الشعبية حيث لها موطئ قدم. يعتبر هذا خروجا جذريا عن خطها السياسي، عن خط الطبقات الشعبية وأولويتها التي يمكن القول أننا صدعنا بعض الآذان بالحديث عنها.

وقد يجدي هنا التذكير بممارسة مؤسسة لهذا الخط. عندما فضلنا ذات شتاء 2021، التغيب عن مظاهرات صارت غير بناءة واستعراضية متوجهين إلى سبيطلة حيث قتل الشاب هيكل الراشدي على أيدي البوليس خلال الاحتجاجات. دون المبالغة في أهميتها العملية (لضعف القدرات على بناء علاقة مستدامة) كانت هذه خطوة ذات دلالة رمزية كبيرة. يمكن على ضوئها قيس مدى فداحة الانحراف الذي وقع في سياق طوفان الأقصى.

لم تتوقف الأخطاء في هذا الحد. فحتى المشاركة في المظاهرات كانت سيئة. شارك رفاقنا في قسمتها منذ أيامها الأولى ونقل طاقات بعيدا عن الجماهير. كانت الأخيرة تتجمع في الشارع الكبير وسط العاصمة، لكن عددا من المناضلين فضلوا التوجه إلى سفارة الولايات المتحدة في احتجاجات سكتارية ضيقة أحيانا بالتوازي مع تجمعات جماهيرية تلقائية وسط العاصمة. في مرحلة لاحقة كرروا تنظيم الوقفات أمام هذه السفارة البعيدة عن التجمعات الشعبية والتي يصعب الوصول إليها. اقتصرت هذه الوقفات طبعا على المناضلين وبعض الشباب المتحمس، وذهب عدد الحاضرين فيها متراجعا بسرعة إلى نواة صغيرة. أي أننا لم نكتف بعدم التوجه إلى الجماهير بل إن رفاقنا هؤلاء ذهبوا وتركوها عندما أتت معهم إلى شارع الحبيب بورقيبة.

هذا وغاب عموما التحضير السياسي الجدي للمظاهرات والدعاية للتصورات الماركسية حول ما يحدث في فلسطين وما يجب فعله عموما أو محاولة تنظيم ما أمكن من المتظاهرين في أطر مستدامة.

حاول البعض عقلنة هذه الممارسات، بحجة أن هذه الاحتجاجات مهمة للضغط على الإمبريالية حتى تقلص من دعمها للمجازر الصهيونية. فهذه الاحتجاجات تقول للإمبريالية، خاصة الأمريكية، أنها تفقد "هيمنتها الناعمة" أي مقبوليتها في "الرأي العام" التونسي. لكن أصحاب هذه الحجة لم يلاحظوا أن احتجاجاتهم الصغيرة أمام سفارة الولايات المتحدة التي لا يتجاوز حضورها حفنة من المناضلين تقول عكس ذلك. نفسه حال غيرها من المظاهرات التي تكررت بوتيرة منهكة في حين بدأ حجمها يتراجع.

لكن هذه الحجة ليست فقط مخطئة في التقدير العملي بل هي  في جوهرها أي في المنطق الذي تنطلق منه مخالفة للماركسية ولتكتيك المجموعة. إذ ينطلق هذا المنطق من هدف سياسي (الضغط على الإمبريالية…) ليس منهج تحديده واضحا تماما. ثم يقول أن على الشيوعيين (ربما مع حلفائهم) الصراع لتحقيقه. الصراع هنا هو تنظيم الاحتجاجات. في كل هذا تبخرت البروليتارية والجماهير الشعبية، وهو ما يمثل خروجا عن أول مبادئ السياسة الماركسية.

هذا الخطأ شائع بل هو الممارسة المهيمنة في أوساطنا والتي يجب تحديدا القطع معها. إذ يظن المناضلون أنهم هم من يخوضون الصراعات وأن ذلك هو تحديدا معنى أنهم مناضلون، في حين بيّن ماركس وانجلس أن الصراع ظاهرة اجتماعية تاريخية موضوعية، تمارسها قوى اجتماعية. أما الشيوعيون حسب المنظرين المؤسسين فلهم وظيفة أخرى وهي بالأساس التنظيم ونشر الوعي. من المفيد دائما التذكير بهذه الفقرات المعروفة نظريا والمتروكة عمليا كأنها مجرد ديكور:

« ما هو موقف الشيوعيين بالنسبة للبروليتاريين ككل؟ إن الشيوعيين لا يشكلون حزباً منفصلاً معارضاً للأحزاب العمالية الأخرى. ليس لديهم مصالح تفصلهم عن البروليتارية ككل. إنهم لا يضعون مبادئ خصوصية يودون قولبة الحركة العمالية حسبها.

(…)

إن الهدف المباشر للشيوعيين هو نفسه هدف جميع الأحزاب العمالية: تشكيل البروليتارية كطبقة، والإطاحة بالسيطرة البرجوازية، واستيلاء البروليتارية على السلطة السياسية. إن التصورات النظرية للشيوعيين لا تستند بتاتا إلى أفكار أو مبادئ اخترعها أو اكتشفها هذا أو ذاك من مصلحي العالم. بل هي ليست إلا تعبيرا عاما عن الظروف الحقيقية لصراع طبقي قائم، عن حركة تاريخية تجري أمام أعيننا

وليس مرجع هذا التخلي الجهل بهذا النص ولا الضعف النظري (وإن وجد)، فشيوعه يدل على وجود ظروف موضوعية قوية تفرضه. يمكن إرجاعها إلى فقدان الحركة الاشتراكية طابعها الجماهيري. توارث المناضلون طرق نشاط ربما قد كان لها معنى وجدوى عندما كان هناك الملايين وراء الأحزاب الشيوعية. في تونس حيث لم تكن الحركة الاشتراكية جماهيرية أبدا وبقيت دائما سكتارية، استورد الشيوعيون مقولات وأساليب عمل وأهداف ومهاما غير ملائمة لتطور الحركة في بلادهم وربما ذهب البعض (عن وعي أو غير وعي) لخوض الصراع السياسي مكان البروليتارية والجماهير لأنه رأى أنها سلبية أكثر مما يجب أن تكون – حسب رغباته الذاتية!

هكذا تجاهل رفاقنا المقولة المؤسسة للماركسية التي تقول أن « انعتاق العمال يجب أن يكون صنيعة العمال أنفسهم » والتي كتبت في صيغة معدلة وأكثر عمومية في أرضيتنا: « ثورة شعبية لن تكون إلا من صنع الطبقات الشعبية ». فذهبوا لتحقيق أهداف سياسية بأنفسهم، بمعزل عن الجماهير الشعبية، بل في أبعد الأماكن عنها.

ومن هنا يسهل فهم الانحراف الثاني الذي يحتويه نفس المنطق الذي نحن بصدد نقده. فمن قرر النضال والصراع مكان الجماهير من الطبيعي أن يتجاهلها في وضع أهدافه السياسية. هكذا قلب المنطق الماركسي رأسا على عقب في هذا التفكير السياسي. فبدل الانطلاق من وضعية الطبقات الشعبية ومرحلة تطورها في مسار تشكيل نفسها كتحالف طبقي (وظيفة الشيوعيين الماركسيين)، لتحديد المهام والأهداف السياسية، ينطلقون من رغباتهم أو مما يظنون أن الإنسانية أو الأمة أو الوطن أو هنا الشعب الفلسطيني، يحتاجه. ثم قد يعودون لمحاولة إقناع الشعب بالتحرك على هذه الأهداف. وليس مفاجئا أن يفشلوا في ذلك. هكذا يشتغل هذا المنطق اليوتوبي في عموميته. عمليا صار هؤلاء المناضلون في أغلب الأحيان يستغنون عن محاولة إقناع الجماهير بالتحرك على الأهداف والمهام التي وضعوها. فيذهبون لتحرك حولها بأنفسهم، كطائفة منفصلة، وهكذا تراهم الجماهير. إنغلقت الدائرة. هذا تحديدا ما حصل خلال الحراك الذي تلى طوفان الأقصى في تونس.

في حين كان تشخيصنا لحالة وديناميكية الجماهير الشعبية وتحديدنا للأهداف التكتيكية صحيحين، فشلنا في تفعيله عمليا، عندما سنحت الفرصة لذلك على نطاق واسع. لا شك أن الاضطرابات النفسية التي أثارتها حرب غزة، خلقت حالة من الانفعالية والتلقائية لم نتمكن من السيطرة عليها. يعود ذلك لضعف تطور ونجاعة الآليات والتقاليد الديمقراطية داخل مجموعة ناشئة حديثة العهد ولم يساعدنا تسارع الأحداث في ذلك.

لكن من يطمحون للتشكل كطليعة البروليتارية لا يمكن أن يتركوا للتلقائية والانفعالية مكان بينهم ويجب أن يعرضوها لنقد صارم وتقويم جذري.

وكما هو معروف عند فقدان البوصلة الجماهيرية، لا تأتي الانحرافات اليسراوية دون الانحرافات اليمينية الانتهازية. نجحت مجموعتنا، مع بعض الأخطاء أحيانا، في نقد مسار 25 جويلية كشكل سياسي جديد لإعادة إنتاج الرأسمالية التابعة التونسية دون الوقوع في يسراوية "إسقاط الانقلاب" أو انتهازية المساندة ("النقدية"). لكن الانسياق للاحتجاجوية غير الهادفة لم يمنع مهادنة السلطة بل كان الوجه الآخر له. إذ بمجرد إصدار رئاسة الدولة بيانا مساندا "لحق الشعب الفلسطيني…" ذهب بعض رفاقنا للحديث عن وحدة وطنية مع قيس سعيد! ثم ذهبوا من هناك إلى التوهم أن برلمانه سيصدر لهم قانون تجريم تطبيع.

فلم يقوموا بأية دعاية جدية لهذا المفهوم وهذا القانون صلب الجماهير حتى خلال حمى الاحتجاجات الجماهيرية في الأسابيع التي سبقت جلسة مناقشة القانون. ليس من الغريب بعد ذلك أن الحضور الجماهيري أمام البرلمان كان شبه منعدم والمظاهرات أمامه كانت ضعيفة. وفي الحقيقة لم يكن أي كم من الدعاية خلال تلك الأسابيع وحتى طيلة السنة المنقضية كافيا لتشكيل ميزان قوى سياسية لصالح قانون تجريم التطبيع. فيسراوية طرحه كهدف مباشر هي الخطأ الأصلي. وكان من الواضح لرفاقنا أن الجماهير الشعبية ليست جاهزة لتحقيق هذا الهدف فذهبوا للبحث عن قوى أخرى للوصول إليه. فكان الانحراف اليمني الانتهازي الذي تواصل طيلة السنة إلى حدود الانتخابات. إذ تكررت مطالبة الحكم القائم، والذي وصفته المجموعة بمسار نحو الاستبداد البوليسي، بقانون تجريم تطبيع كهدف مباشر قابل للتحقيق، في حين غاب أي عمل جماهيري ممنهج حوله. ولا شك أن في هذا شيء من اليأس تؤدي له بالضرورة النزعات البطولية الرومنسية المنعزلة عن الجماهير.

ومهما كان من أقلية هذا الانحراف السياسي أو أغلبيته أو التساهل معه طيلة السنة الفارطة، فيجب أن يكون اليوم محل نقد واتعاظ وإدانة من الممث. إذ أثبت الواقع اليوم خطأ كل توقعاته وأهدافه التي فشل في تحقيقها. كما يبين جرد سريع ضعف حصيلته السياسية.

فعلى كل التنظيمات الماركسية أن تسأل نفسها بعد مرور سنة شهدت فترات من الحراك الجماهيري والشبابي واليساري: هل نجحنا في إقناع البعض بتصوراتنا وتنظيمهم في مؤسسات مناسبة بشكل مستدام؟ وينطبق هذا على الحراك المساند للقضية الفلسطينية وعلى مناهضة القمع البوليسي وعلى صراع عاملات المتبسطة بولاية القيروان. لقد فشلنا في المهمة التي تبرر وجودنا كماركسيين: نشر الوعي والتنظم.

لن تكون "الظروف الموضوعية"، لسنين طويلة قادمة، أفضل بكثير مما شهدناه هذا العام. لذا لا يمكننا أن نلوم إلا أنفسنا. ضيعنا سنة مهمة. عساها تكون على الأقل درسا لنتجاوز نهائيا نزعات وسلوكات سياسية خاطئة طالت هيمنتها.

محمد بالهادي، عضو المجموعة الماركسية الثورية

______________________________________________________


1. لنتذكر، وفي سياق ثوري: « لقد بدأ البلاشفة نضالهم الظافر ضد الجمهورية البرلمانية (في الواقع) البرجوازية وضد المناشفة بحذر بالغ؛ لقد أعدوا له بعناية لا متناهية، خلافاً للرأي السائد اليوم في أوروبا وأمريكا. في بداية هذه الفترة لم نكن ندعو إلى إسقاط الحكومة؛ لقد أوضحنا أنه من المستحيل إسقاطها دون تغييرات مسبقة في تركيبة وعقلية السوفياتات […] وبدون هذا الإعداد الحذر والدقيق والمتّق والمثابر ما كان لنا أن ننتصر في أكتوبر 1917، ولا أن نحافظ على هذا النصر ». لينين - المرض الصبياني للشيوعية (اليساروية)