شهدت الفترة التي انطلقت منذ 7 أكتوبر 2023 حمى من المظاهرات. يبدو اليوم أن وتيرة التظاهر في تراجع. وقد كانت علامات الإنهاك قد بدأت تظهر من قبل الوصول إلى آخر اتفاق سلام في غزة. لا يعني ذلك أنها توقفت طبعا. خرجت مثلا مسيرات لدعم حراك قابس ضد التلوث.
في الحقيقة لا تكاد المظاهرات تتوقف منذ قيام الثورة. يحمل ذلك دلالات معقدة ومتناقضة. قد يكون من المفيد اليوم، في حالة الجزر النسبي، أخذ مسافة لإعادة تقييم هذه الممارسة ومحاولة فهم بعض دلالاتها.
يناقش هذا النص مظاهرات اليسار، بمعناه الأوسع كقطاع اجتماعي-سياسي، أي المظاهرات التي يدعو إليها أو يقودها اليسار. تخرج عن نطاقه الاحتجاجات الجماهيرية الشعبية مثل التي تشهدها مؤخرا مدينة قابس أو قبلها المزونة إثر وفاة تلميذ بسبب سقوط جدار مدرسته. من بين ما يميز الثانية عن الأولى عدم تواترها واندلاعها عادة في علاقة بمطلب أو قضية أو حادثة معينة تمس المعنيين مباشرة. ما يجعل فهم أسبابها ودوافعها وأهدافها أسهل.
انعكس تحول المكانة السياسية والإيديولوجية للأحزاب على طبيعة المظاهرات اليسارية. بعد انتخابات 2014 بدأ نبذ الأحزاب يتصاعد بصفة عامة. في الأوساط اليسارية تكثف ذلك مثلا في صعود خطاب وشعار "الأفقية". تراجع بالتالي دور الأحزاب والجبهة الشعبية خصوصا، في تنظيم المظاهرات والدعوة والمشاركة فيها. يمكن ملاحظة هذا التحول عينيا بسهولة في حملة "مانيش مسامح". بعد انهيار أحزاب اليسار في انتخابات 2019، تكرست ممارسة المظاهرات نهائيا بالشكل الذي نعرفه اليوم.
المظاهرات كطقس رمزي يساري
يصعب تفسير استمرارها ووتيرتها العالية بجدواها السياسية. إذ قل ما انتصرت القضايا التي نظمت حولها تحركات يسارية في الشوارع. هذا لا يعني طبعا أنها هي سبب ذلك الفشل. حتى عندما تتحقق مكاسب يصعب إرجاع ذلك لضغط المظاهرات اليسارية، نظرا لصغر حجمها وضعف الوزن الشعبي للمنظمات التي تشارك فيها.
إن كان لا يمكن تفسير الأمر بالعقلانية السياسية، فمن المنطقي افتراض دوافع أخرى من نوع نفسي اجتماعي¹. تشير عديد الوقائع والاعتبارات إلى أن تظاهر اليسار في الشوارع، هو طقس اجتماعي رمزي.
للأحزاب السياسية والجمعيات مثلا مؤسسات وممارسات وأشخاص (ممثلون أو قيادات) تعبر عن وجودها. أما اليسار فهو مفهوم هلامي. أحد التعبيرات الرئيسية عن وجوده المادي، هي ممارسة التظاهر إلى جانب أنواع من الندوات. يوجد اليسار أيضا في الفضاء الرقمي من خلال جملة من الممارسات الخطابية الرمزية. وبالعكس، دون المظاهرات والندوات والممارسات الرقمية لا يبقى شيء كبير من الوجود الاجتماعي لليسار.
بحضور المظاهرات يعبر إذن الفرد عن انتمائه لليسار ويشعر به. في نفس الوقت، يعيد الأفراد بهذه الممارسة إنتاج اليسار كمجموعة اجتماعية.
تلبي إذن هذه الممارسة حاجات نفسية مثل الشعور بالانتماء وتقليص الوحدة. في نفس الصدد توفر أيضا فضاء للتعبير عن الغضب أو الحزن أو التعاطف إلى غير ذلك. لا شك أن لهذه الوظيفة آثارا إيجابية على الأفراد بصفة عامة وبصفة خاصة خلال الفترات الرجعية (هزيمة سياسية) أو الكارثية (إبادة أو حرب). تخرج الناس من عزلتهم وتمكنهم من مشاركة مشاعرهم وأفكارهم مع من يشبههم. تساهم بذلك في الحد من الإحباط واليأس.
هكذا تأخذ المظاهرات معنى شبه أنثروبوليجي، كطقس رمزي ذو وظائف اجتماعية-نفسية، بينما يتراجع طابعها السياسي إلى مكانة ثانوية إن لم يكن إلى محل الوهم أو الخرافة المؤسسة.
يترشح هذا التفسير لينطبق على المظاهرات في مختلف السياقات التي تهيمن فيها الناشطية² اليسارية. إلا أن تعميمه أكثر من ذلك يكون من المغالاة. فهو يرصد جانبا طغى عليها في سياق تاريخي معين. أما فهم شامل لهذه الظاهرة فيستدعي دراسة (مادية) لتاريخ نشأتها وتطورها، تخرج عن نطاق هذا النص.
بعض الدوافع السياسية للمظاهرات
مع ذلك يمكن إيجاد بعض المقاصد السياسية للتظاهر في الفضاءات العامة. تظهر أحيانا من خلال بعض الممارسات "التقليدية" التي تتواصل هامشيا وفي بعض الخطابات السياسية.
كان نزول غالبية المطالبين بالحريات السياسية إلى الشارع مؤخرا عفويا، وذلك تعبيرا عن التعاطف مع السجناء السياسيين ورفضا لرئيس الدولة وسياسته القمعية.
لكن التظاهر الذي يتجلى تلقائيا كمحاولة للضغط المباشر على الدولة ورئيسها، قد يحمل غايات أخرى لدى تيارات ترى في تداول صور المظاهرات والتعليق عليها في وسائل الإعلام الخارجية (الفرنسية والقطرية مثلا) وسيلة لإحراج الحكم القائم أمام حلفائه (ممن قبّل أكتافهم ووصف استعمارهم بـ"الحماية").
تلعب مسألة "الديمقراطية" دورا إيديولوجيا في الضغط الخارجي على الدول التابعة. ضغط تأمل شقوق من المعارضة المحافظة والليبرالية البرجوازية، أن يحقق تنازلات من الحكم القائم لصالحها أو حتى أن ينهار.
لا شك أن عديد المشاركين في هذه المظاهرات، بل جلهم، يرفضون هذا المنطق. لكن من لا يتحرك طبق منطق أجندته السياسية المستقلة، فهو يساهم في تقدم أجندة غيره. من لا يتحرك لصالح قوى مادية موجودة في الواقع، بل من أجل أفكار عامة تحلق في السماء – "مبادئ" – فهو يخدم التيارات الفاعلة في الواقع وعلى الأرجح أقواها. من لا يوظف نفسه، سيوظفه غيره. هذه بديهيات سياسية يجب استبطانها.
وراء تلقائية الاحتجاجات التي يشارك فيها اليسار ضد ضرب الحريات السياسية والجمعياتية هناك إذن أيضا توظيف عقلاني رجعي.
بصفتنا ماركسيين يختلف نهجنا السياسي عن المعارضة البرجوازية. المشكلة ليست في القوى الخارجية في المطلق، فقد نتعاون مع قوى خارجية بروليتارية وتقدمية لكن حتما ليست برجوازية وإمبريالية. طريقنا الرئيسية في التغيير السياسي تمر عبر تنظيم البروليتاريا على برنامج تقيم سلطتها لتطبيقه.
من الواضح أن مظاهرات المعارضة الليبرالية والإسلامية من أجل الحريات السياسية لا تخاطب البروليتاريا والجماهير الشعبية عموما، ولا تحاول كسبها. هناك حتى قطاعات واسعة من المشاركين فيها والمتعاطفين معها، تهاجم "الشعب" صراحة وتضعه في خانة أعدائها إلى جانب رئيس الدولة.
إلا أن مخاطبة الجماهير يمكن أن تكون إحدى أهم العقلانيات السياسية للمظاهرات. بهذا المنطق يكون هدف مظاهرة مثلا إيصال فكرة إلى الجماهير وكسبها لصالحها أو لفت نظرها لمسألة وإثارة النقاش حولها في المجتمع. يمر ذلك عبر التأثير عليها مباشرة في مكان المظاهرة وخاصة عبر تداولها الإعلامي. يستدعي نجاح مثل هذه الممارسة تحديد جمهور مستهدف (طبقة، فئة، إلخ.) وفهم طبيعته بصفة عامة ووضعيته في السياق الراهن. تختار مواضيع وشعارات وأشكال التحركات على ذلك الأساس.
قل ما تحصل الأمور بهذا المنطق. لا تؤخذ الجماهير بعين الاعتبار عادة إلا عندما تأتي المظاهرات مساندة لاحتجاجات شعبية. ويكون ذلك بطابع دفاعي، حتى تقبل تلك الجماهير هذا الدعم ولا تدينه ولتجنب تهم "التوظيف السياسي" وما إلى ذلك. طبعا، هذه المشكلة أكبر من أن يمكن حلها بتحسين أشكال المظاهرات³. إلا أنه، يمكن تجنبها جزئيا عندما تكون المبادرة بالنزول إلى الشارع من المناضلين السياسيين، خارج منطق رد الفعل.
قد تصلح إذن التجمعات السياسية في الفضاء العام للدعاية لأفكار. بيد أن الماركسيين لا يتوقفون عند هذا الحد بل يعملون على تنظيم الجماهير على أساس هذه الأفكار التي تتطور إلى برنامج. هنا تطرح مسألة الهويات التنظيمية في المظاهرات. فلو نجحت مثلا مسيرة سياسية في كسب عدد من الناس لفكرة، ربما يتحمس بعضهم ويتساءل عن جهة يمكنه الانخراط فيها للدفاع عن تلك الفكرة أو مزيد نشرها أو تحقيقها إلى غير ذلك. لذا يبدو من الإيجابي بل والمهم إعلان وظهور هويات الجمعيات والأحزاب ومختلف التنظيمات والمجموعات الداعية والمشاركة في المظاهرات.
فالمظاهرات والتظاهر (من جذر ظ-هـ-ر) في نهاية الأمر هي عملية إظهار للوجود السياسي وتعبير عن محتواه الفكري والتنظيمي، الذي يعارض الوضع القائم في نفس الوقت الذي يدعو فيه إلى تغييره حسب مجموعة أفكار وبرامج يقترحها القائمون على هذا الظهور. بالتالي، إن لم يكن فعل التظاهر مقترنا بهدف التواصل مع الجماهير وتنظيمها على أساس أفكار وبرامج، فإنه أقرب إلى الاستعراض الفلكلوري منه إلى العمل السياسي العقلاني.
في بعض اللاعقلانية السياسية للمظاهرات اليسارية
على العكس من ذلك تميل المظاهرات اليسارية منذ سنين الآن إلى طمس الهويات التنظيمية والسياسية. بلغت هذه النزعة أقصاها مؤخرا. يعود هذا التوجه في مرحلة أولى إلى صعود التيار الناشطي الذي ينبذ المؤسسات التنظيمية المتماسكة ويندد بـ "استغلالها" أو "توظيفها" للمظاهرات لمصالحها. نسمع في هذه "التهم" صدى تنديد البرجوازية وممثليها السياسيين بـ "التوظيف السياسي"، أي بإمكانية تنظم أو تسيس الطبقات الشعبية. ربما كانت الناشطية موظفة لدى البرجوازية دون أن تعلم!
ثم بعد أن أسقط الناشط قيس سعيد بالضربة القاضية مشروعية الأحزاب ثم الجمعيات، يظن العديدون اليوم أنه من النباهة إخفاء الهويات السياسية في المظاهرات. يعكس هذا أولا رضوخا إيديولوجيا لـ "شعبوية" الرئيس – وإن كان تحت مسمى "المواطنية". إذ يزيد على انهيار مشروعية الأجسام السياسية والجمعياتية، طمسا نشيطا لوجودها (بآليات "سلطوية" أحيانا!) بل وضربا لفكرة الانقسام والصراع السياسي ("التعددية" و"التنوع" أيها الليبراليون!). وطبعا لا علاقة لهذا الإخفاء بحماية هذه التنظيمات أو أعضائها أو قادتها من شباك الشرطة.
إذا تجاهلنا هنا التوظيف اللاحق للمظاهرات للضغط خارجيا على الدولة، نجد في مستوى أعمق، أن هذا الطمس مبني على وهم حول إمكانيات هذه التحركات. إذ يبدو أن جل اليساريين يظنون أن حكام الدولة يمكن أن يستجيبوا لمطالبهم بمجرد تقديمها، في مظاهرات كبيرة، كمطالب محايدة، كمطالب مواطنين، كمطالب الشعب، كمطالب الشباب، بدل رفعها كأفكار أحزاب وتكتلات سياسية. من جهة أخرى قد يخالون أن من شأن ذلك تحريك جماهير الشعب لتلتحق بتحركاتهم، وخلق حراك جماهيري يحقق المطالب أو يقلب الحكم. بالإضافة إلى طمس الطابع والهويات السياسية، يدل استعمال شعارات هلامية وخاوية كان أقصاها مؤخرا "ضد الظلم" على نفس الشيء: توهم أن جماهير الشعب ستنزل إلى الشارع وراء هذا الشعار لأن لا أحد يمكن أن يكون مع الظلم. وكأن وظيفة الشعارات قد تحولت من تكثيف مواقف وتصورات ومطالب سياسية واضحة إلى نداءات أخلاقوية تكاد تصل حد الابتزاز.
لعله من الضروري التأكيد أن هذه الأوهام ليست حكرا على مظاهرات "الديمقراطية" الأخيرة وإن كانت من أقصى تجلياتها، بل على مظاهرات اليسار عموما. يمكن التفكير في مطالب تجريم التطبيع مع إسرائيل وطرد سفراء الدول الإمبريالية المساندة للعدوان الصهيوني على غزة في تجمعات تجاوزت حتى الوسط اليساري. قد يتذكر الواحد أيضا هزيمة "مانيش مسامح"، وهذا أيضا كان حراكا تجاوز الأوساط اليسارية الضيقة. تأتي على البال أيضا النتائج الضعيفة لحركات جماهيرية مثل "إحتلوا وال ستريت (Occupy Wall Street)" و "أرواح السود مهمة (Black Lives Matter) في أمريكا و"السترات الصفراء" في فرنسا. فما بالك بمظاهرات محصورة في نفس الوسط الاجتماعي-السياسي الصغير⁴.
يكفي في حدود ما يهم هذا النص القول أن القائمين على السلطة السياسية لا يقدمون تنازلات تعارض سياستهم الطبيعية إلا أمام ضغط يمس شرعيتهم (الإيديولوجية) أو يهدد حكمهم أو السلطة السياسية القائمة ككل. يفوق هذا المستوى طاقات المظاهرات اليسارية. يتطلب احتجاجات شعبية عارمة أو حتى حالات انتفاضية. نحن بعيدون عنها في السياق الراهن. من الشروط الضرورية غير الكافية لظهور هذه الوضعيات، طرح محتجين لهواجس حارقة لدى جمهور الشعب وتراجع السيطرة الإيديولوجية للحاكمين.
في ظروف وجود أحزاب جماهيرية ثورية، قد تلعب المظاهرات دور استعراض قوة وتحدي للدولة قصد تأجيج الأوضاع وتحفيز الجماهير وسط مناخ ثوري وغليان شعبي. هذه أجواء بعيدة كل البعد عن واقعنا. فأما الأحزاب الجماهيرية الثورية التي تستعد لإقامة سلطة جديدة فهي لا توجد. وأما المظاهرات المرتجلة سيئة التنظيم، فهي استعراض ضعف لا قوة، وإن كان لها أثر على من تعارضهم فهو تطمينهم أن مواقعهم ليست في خطر. وأما الاشتباكات مع الشرطة فقد صارت مهزلة سئمها حتى جل اليسار الناشطي ولم يعد يمارس هذه الاستفزازات إلا حفنة من المهرجين.
مع ذلك مازال البعض يظن أن التشهير بعنف الشرطة وضحاياه في المظاهرات قد يكسب تعاطف الجماهير. لكن لا شك أنهم لاحظوا أن هذه الوقائع تنتج الأثر العكسي. وقد وصل إلى هذه الخلاصة ناشطون "إلغائيون (Abolitionist)" أمريكيون، لا يمكن اتهامهم بالتصلب الماركسي الأرثوذكسي، ولا المزايدة على عدائهم للشرطة بما أنهم يشتغلون بشكل خاص على إلغائها (ومن هنا جاء إسم تيارهم):
« في الماضي، كان النشطاء يوظفون في كثير من الأحيان عنف الشرطة، قائمين بأعمال يعتقدون أن الشرطة على الأرجح سترد عليها بالعنف، بهدف فضح بطش ممارسات الشرطة وإجبار الجمهور على مشاهدتها ومواجهتها. وقد جرت العديد من تلك الأعمال […] خلال حركة الحقوق المدنية، في سياق مختلف تمامًا عن عالم اليوم الذي تتفشى فيه وسائل الإعلام الجماهيرية. اليوم، أصبح الناس أكثر اعتياداً على مشاهدة العنف، بما في ذلك العنف ضد المحتجين، حيث يتم مشاركة مثل هذه الصور على نطاق واسع وبشكل منتظم، لاسيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أصبح الجمهور إلى حد كبير معتاداً لا يأبه بمثل هذه الصور.
نادرًا ما يُفحص عنف الدولة ردًا على الاحتجاج بنفس الدرجة التي يُفحص بها عنف المتظاهرين. فكرة أنه إذا كنت متحديًا في مواجهة السلطة، فيجب أن تتوقع أن تتعرض لغيظها، راسخة بقوة في ثقافتنا. عندما يتعرض الأشخاص الذين يتحدون الشرطة للإساءة، غالبًا ما نسمع الناس يسألون: "ماذا كانوا يعتقدون أنه سيحدث؟" إن تفشي الإساءة يضع العبء على عاتق المعتدى عليهم لتجنبها، لأنهم ببساطة "كان يجب أن يعرف ما يفعلون". يُتوقع من المتظاهرين أن يظلوا "لا عنيفين" في جميع الأوقات، بغض النظر عن الظرفيات، بينما يُفترض أن للدولة مبرراتها، على الأقل أحيانا، في ممارسة العنف لقمع "الاضطرابات". »⁵
ولا شك أن معتادي المظاهرات وسط العاصمة قد لاحظوا أن الشرطة تمارس منذ مدة "ضبط النفس" محاولة تأليب جمهور الشعب ضد المحتجين وتصويرهم كمخربين متهورين.
من جهة أخرى، صار من الملاحظ أن الإيقافات تحوّل الوجهة من القضيته الأصلية نحو المطالبة بإطلاق سراح الموقوفين مما يستنزف الجهود التي كان يفترض استثمارها في تحقيق الأهداف السياسية التي انطلق التحرك من أجلها في البداية.
من أجل مظاهرات حية ومثمرة
ما عسانا نستخلص من هذا النقد؟ هل يجب التوقف عن التظاهر؟ لا يبدو ذلك مقترحا عمليا ولا نظنه مستحسنا خاصة في السياق الراهن.
بالنظر إلى المسار السياسي الرجعي الذي تأخذه البلاد، يعاني عدد متزايد من الناشطين التقدميين حالة من الإحباط وربما من الخوف. قد تتطور – وقد تطورت فعلا عند البعض – إلى يأس فانعزال، فاستقالة سياسية. من شأن المظاهرات، في وظيفتها النفسية-الاجتماعية، الحد من هذا الميل. فقد يمكّن اللقاء بين الأصدقاء وكل ما يأتي مع ذلك من مشاعر إيجابية من تخفيف الوحدة السياسية وربما إعادة الأمل والتفاؤل ومن ثمة إحياء بعض النشاط السياسي أو الحفاظ عليه.
بيد أن تواتر هذه الممارسة وخاصة انعدام فاعليتها من شأنه أن يفرز – وقد أفرز فعلا – بسرعة نتائجا عكسية. فما عدا بعض حالات الإدمان على المظاهرات وبعض الكائنات الإيديولوجية، سرعان ما يرى جل اليساريين عبثية الأمر ويحسون بالعجز والوحدة الجماعية. فمثلما لأصدقائنا مشاعر لهم عقل.
من الناحية السياسية، يمثل انتظام هذه التجمعات بالفضاء العام، تفعيلا للحرية السياسية بالأمر الواقع. يعد تواصل ظهور أحزاب وجمعيات وغيرها من المجموعات والأفراد في الشارع وتعبيرها عن أفكار سياسية واحتجاجها على سياسة الحكام وما إلى ذلك، على أنه أمر عادي طبيعي واعتباره كذلك من قبل جمهور الشعب، حدا أدنى إيديولوجيا قانونيا سياسيا مهما، يستحق التمسك به. وهو يستحق ذلك تحديدا لأنه يمنحنا الهامش لتنمية قوانا: تنظيم الماركسيين والبروليتاريا.
لذا لا يمكن أن يكون التظاهر ممارستنا الرئيسية بل يجب تحديدا أن يكون غطاء لممارساتنا الرئيسية. من الضروري إذن تخفيض وتيرته. يعطي ذلك أيضا الوقت للاستعداد والدعاية للمظاهرات بشكل أفضل. في نفس الصدد، تستدعي عقلنتها الخروج من منطق رد الفعل إلى التخطيط⁶. يتنزل ذلك عمليا في إعداد رزنامة (أي حرفيا "أجندة"، لا سمح الله!) لمواعيد المظاهرات ومواضيعها على مدى أشهر أو سنة. تندرج بذلك التحركات في الشارع ضمن أهداف تكتيكية سياسية.
إننا قد كررنا وسنكرر⁷ أن التكتيك الماركسي الصحيح لا يهدف اليوم إلى إسقاط رئيس الدولة الحالي ولا سلطة الكتلة الطبقية التي يحافظ على هيمتنها حكمه. يستدعي تحقيق مثل هذا الهدف جملة من الشروط الغائبة حاليا والتي يجب العمل على إنفاذها.
من بينها ومن أهمها، عودة الأمل للطبقات الشعبية وكسبها لصالح مشروع سياسي تقدمي وتنظم طلائعها في حزب ثوري. ربما تستطيع المظاهرات المساهمة بقدر صغير لصالح التقدم إلى هذه الغايات إذا تغير منطقها.
لنتصور تجمعات في الفضاء العام حول الحاجيات الحارقة للطبقات الشعبية. لنتخيل مثلا رزنامة التحركات التالية: من أجل الزيادة في الأجر الأدنى؛ من أجل منحة بطالة وضريبة على الثروة؛ من أجل زيادة سعر شراء الحبوب والتشجيع على زراعتها؛ من أجل زيادة وسائل النقل العمومي على حساب موردي السيارات؛ من أجل تأميم المصحات الخاصة والنهوض بالصحة العمومية إلخ.
نظن أن الاشتراكيين ومناهضي الرأسمالية وبعض التيارات والعناصر الشعبية التقدمية الأخرى، يمكن أن يتفقوا على مثل هذه الأفكار والشعارات السياسية. لا شك أن التظاهر من أجلها سيلقى منسوبا من التعاطف ضمن الجماهير أعلى من مطالب الحرية السياسية، وخاصة بالنسبة للطبقات الشعبية. من المهم التنبيه هنا إلى أنه من الوهم استهداف تحقيق السلطة القائمة لهذه السياسات، يجب أن يكون واضحا أن الغاية منها دعائية. بهذه الطريقة إذن يمكننا الدفاع بأكثر نجاعة عن الحريات العامة: ممارستها عمليا وفي نفس الوقت محاولة كسب تعاطف لهذه الممارسة من جماهير أوسع قد ترى فيها مصلحة لها.
يبقى ذلك رهين مسار تراكمي على المدى المتوسط. على كل حال تستطيع التجمعات في الشارع منذ الآن أن تصير فضاءات للتثقف والنقاش ومقدمة للتنظم السياسي. يتطلب ذلك إحياء ممارسات تقليدية بسيطة: توزيع منشورات وكراسات ومجلات وصحف إلى غير ذلك من الكتابات الفكرية، وحتى بعض المنتجات الفنية المختلفة؛ مداخلات سياسية متنوعة وجاهزة مسبقا تحمل أفكارا حقيقية، بعيدا عن ارتجال الشعارات الفارغة والمقولات الهلامية؛ إلخ. كل هذا من شأنه خلق مساحة تواصل حقيقي مع الناس ومجال للنقاش والحوار (أيها الديمقراطيون!).
بهذا الشكل يمكن جعل المظاهرات نوعا من المنتدى السياسي المفتوح في الفضاء العام، يثير الرغبة في المشاركة. تساهم في تثقيف وتنظيم الثوريين، تحافظ على معنويات المناضلين، ولعلها تسهم قليلا في الدعاية للأفكار والتنظيمات التقدمية وكسب تعاطف الطبقات الشعبية معها.
________________________________________________
¹- يصح القول أن كل الممارسات الإنسانية تحمل جانبا (وإن كان هامشيا) من اللاعقلانية واللاوعي
²- أنظر في الفعل السياسي الناشطي، إزميل
https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html
³- تندرج ضمن مشكلة أعمق هي أزمة ثقة الجماهير في السياسيين وقطيعتها مع السياسة وسوء فهمها لها نتيجة لصعود إيديولوجيا رأسمالية رجعية مرتبطة بضرورة إعادة ترتيب السلطة البرجوازية بعد أزمة شكلها البرلماني شبه الليبرالي في تونس. حول هذه الظاهرة المعروفة والقديمة المتجددة، بصفة عامة أنظر:
Nicos Poulantzas - Classes sociales et pouvoir politique
Nicos Poulantzas - Fascisme et dictature
⁴- أنظر نحو إيتيقا ماركسية 1: من التمرد إلى التنظم
https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html
⁵- Mariame Kaba, Kelly Hayes - Let This Radicalize You
⁶- بينا أن هذا المنطق من خاصيات الفعل السياسي لكن لعله يعود أيضا عند البعض إلى سوء فهم لمفهوم الصراع الطبقي الماركسي. إذ يبدو أنهم يستنتجون ضرورة رد الفعل آنيا على كل ما يقوم به "ممثلو البرجوازية"، بالخروج للتنديد في الشارع بعيدا عن أي استراتيجية ومخططات للانتصار في هذا الصراع.
⁷- كيف ندافع عن الحريات العامة، إزميل، 2022
https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html
حول الموقف من الهجمة على الحريات، إزميل، 2024
https://izmile.blogspot.com/2026/02/blog-post.html
