نحو إيتيقا ماركسية 3: في علاقة الحقل السياسيّ بالحياة الشخصيّة الاجتماعية



يمثل القبول بمبدأ العمل السياسي المنظم والستراتيجي، والموقف الصحيح من جماهير البروليتاريا والشعب شرطين أساسيين في الإيتيقا الماركسية. لكن إنجاز مهام الماركسيين في الواقع يتطلب قدرات على الانضباط-الذاتي والصراع الفردي النفسي والاجتماعي. فعندما يكتب ماركس وانجلس أن « الشيوعيين هم، من الناحية العملية، الفصيل الأكثر تصميماً بين الأحزاب العمالية في جميع البلدان، الفصيل الذي يحفز جميع الفصائل الأخرى؛ ومن الناحية النظرية، فلديهم على بقية البروليتاريا أسبقية فهم واضح للظروف والمسار والأهداف العامة للحركة البروليتارية »، لا يمكن أن يقول الواحد عن نفسه أنه طليعة البروليتاريا، بمجرد انتمائه إلى مجموعة سياسية وترديده بعض المقولات. بل هناك نوع من الاستحقاق الإيتيقي-السياسي الذي يجب أن يبرهن عليه بممارسته.

الفعل السياسي والحياة اليومية

ليحفز الماركسيون النضال البروليتاري يجب أن يكونوا الأكثر حيوية وفاعلية، يجب كطليعة أن ينيروا الطريق أمام العناصر الأكثر تململا وتذبذبا. ما يرسم ملامح إيتيقا على نقيض أساليب عيش منتشرة في الأوساط اليسارية. تزيد على ثماني ساعات عمل (أو تكوين) ساعات طويلة أخرى من الاستهلاك السلبي والتآكل الذهني-النفسي على المنصات الرقمية. ومن الملفت أن هذا التهافت يلقى مؤخرا بعض التبريرات الإيديولوجية المتغلفة بمناهضة الرأسمالية والنيولبرالية، تحت عنوان "الحق في الكسل" ورفض الإنتاجوية. في هذه التصورات يصير مجرد "قتل الوقت" فيما-لا-يعني فعلا تمرديا ثوريا.

من الضروري هنا الإشارة سريعا إلى أن ماركس والماركسيين الثوريين الذين نقدوا العمل (المجرد، المغترب)، وضعوا نقيضه النشاط الحر المنتج، لا السلبية والكسل. فالإنسان الشيوعي الذي تصوره ماركس والماركسيون هو إنسان أرقى من الإنسان الذي تكونه بنى ومؤسسات الرأسمالية: أكثر نشاطا وإنتاجية وأفضل صحة، أكثر معرفة وثقافة، إلخ. بهذا المعنى إن الماركسيين يبشرون بمجتمع وإنسان أكثر تقدما وتوازنا وتكاملا وسعادة. كما ذكر أعلاه لا يمكن تخيل الإنسان الشيوعي انطلاقا من الرأسمالية الطرفية التونسية مثلا، لكن يمكن تخيل إنسان أكثر تطورا (اجتماعيا ليس بيولوجيا طبعا) من الذي تنتجه اليوم، الإنسان الذي سيتشكل ضمن المؤسسات والبنى التي ستقيمها الثورة.

يحاول الماركسيون ككل الناس أن يكون عملهم (أو تكوينهم) الرأسمالي المجرد، أقل إنهاكا واغترابا ممكنا. لكن مهما كان من ذلك، فإن الوقت المتبقي من حياتهم خارج هذا العمل، يمثل المجال الرئيسي لتركيز طاقاتهم الذهنية والجسدية والنفسية، وممارستهم السياسية جزء من هذا النشاط الحر (الذي يشمل أنشطة وعلاقات أخرى غير السياسة طبعا). أما المتمردون الكسالى فبالإضافة لخضوعهم للرأسمالية في العمل المجرد، يخضعون لها في سلبية الاستهلاك المادي والاستعراضي-الإيديولوجي.

بعيدا عن ذلك وعلى طرف نقيضه، يشترط تنظيم البروليتاريا لتجاوز الرأسمالية، طاقة كبيرة ونشاطا شديدا وممنهجا طويل الأمد. يتطلب الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية والذهنية ويتنافى مثلا مع الإفراط في تناول الكحول والمخدرات المنتشر في أوساطنا.

يظهر هنا أن انفصال المجال اليومي (الاجتماعي-الشخصي) عن المجال السياسي نسبي. فلكل منهما استقلاليته النسبية لكنهما يؤثران على بعضهما البعض. بما أن إيتيقتنا سياسية، فلن نهتم بالمجال اليومي للماركسيين إلا بقدر ما يؤثر على المجال السياسي الذي يهمنا. فيما عدا ذلك فإن المبدأ هو حرية الأفراد.

يرتكز الفعل الاستراتيجي الماركسي على التخطيط وهو مبدأ اشتراكي. فمثلما يسند مخطط جمهورية اشتراكية قوة عمل مواطنيها لتلبية حاجياتهم بأكثر نجاعة، يقسم التنظيم طاقات أعضائه حتى يكون عمله السياسي أكثر نجاعة. وبنفس المنطق يجب أن يفكر كل ماركسي في توزيع طاقاته ووقته، حتى يكون أكثر نجاعة في نشاطه السياسي الذي يهمنا، لكن قد ندعي أن ذلك قد يساعده في التحكم بشكل أفضل بحياته بصفة عامة.

وقبل التقدم في هذا الموضوع هناك اليوم حد أدنى يجب أن يتساءل حوله الواحد في قرارة نفسه. كيف يمكن أن يقول عن نفسه أنه ماركسي، وأن يمر يوم واثنان وثلاث وأسبوع من حياته العادية، دون ممارسة ماركسية. وعندما نتحدث عن الممارسة ندمج هنا حدا أدنى يتمثل في دراسة وتعلم النظرية الماركسية أو أي معرفة ومهارة أخرى قد تفيد السياسية الماركسية.

وقد يكون أحد أسباب هذا المشكل موجودا في خضوع الحياة اليومية إلى منطق التلقائية بدل التنظيم والتخطيط. لا يحتوي اليوم أكثر من 24 ساعة. يحتاج جلنا في المتوسط إلى 16 ساعة بين نوم وعمل لتحقيق حاجياته المادية الأساسية. على كل ماركسي إذن إيجاد توازن معين في هذه الساعات الثمان المتبقية بين أنشطته الاجتماعية والشخصية، ونشاطه السياسي الصرف، أن يتحكم في رزنامته ويحدد وقتا يوميا وأسبوعيا لتحقيق منجز شيوعي، مساهمة متواضعة في العمل الجماعي.

لننطلق من هذه النقطة ومن معاينة بسيطة. جل اليساريين ودعاة الشيوعية لا يقرؤون. لا يقرؤون نصوصهم الكلاسيكية ولا تطورات النظرية (الماركسية) اللاحقة والمعاصرة. بل تردد غالبيتهم مقولات متناثرة خارجة عن سياقها الفكري والتاريخي، وعناوين كتب وأسماء مؤلفين لم يقرؤوهم يوما. في نفس الوقت يدّعي عديد هؤلاء أنهم نخب ومثقفون وأن "هذا الشعب" جاهل ولا يحترم مثقفيه. في حين أن أغلبيتهم الساحقة محتالون أدعياء، يتقمصون دور وشخصية وموقع "المثقف" زورا.

لنتساءل الآن وليسأل كل واحد منا نفسه: إلى أي مدى يمكن يوميا تخصيص ساعة أو ساعتين أو نصف ساعة لقراءة النظرية الماركسية؟ من الواضح أن من لا يقدر على ضبط-نفسه والالتزام بمثل هذه الممارسة الدورية البسيطة (والأساسية) لن يقدر على القيام بأي عمل استراتيجي منهجي طويل الأمد أكثر عسرا. ودون نية في المغالاة قد تكون القراءة والدراسة النظرية، مدرسة لا فقط نظرية بل إيتيقية في الانضباط الذاتي. تعلم الماركسيين فكرة المثابرة لبلوغ الأهداف. تساعدهم في تجاوز النزعة الصبيانية في تحقيق كل الرغبات بشكل آني، نحو قبول (بل واحتضان) التمزق النفسي والنضال الذي يفصل ظهور الرغبة-الهدف وتحقيقها. فمثلما لا تتحقق رغبة المعرفة إلا عبر نشاط ذهني و"صراع" مع المشاكل النظرية، لا تتحقق رغبة الاشتراكية إلا عبر جهد سياسي يستحق انضباطا جماعيا لستراتيجيات وآليات تنظيمية.

لا يمكن تفسير عجز الأفراد بشكل مستمر في ظروف حياتهم العادية عن إنجاز مثل هذه الالتزامات البسيطة، إلا بأن لهم أولويات أخرى في الحياة أو بفقدانهم للقدرة والاستعداد. بذلك لا يمكن اعتبارهم عناصرا طليعية. 

مثلما لا يعني عدم إرسال أصحاب الإعاقات الجسدية، كجنود خط أول في الحرب، أنهم عديمو النفع للمجتمع أو ليس لهم الحق في الحياة كغيرهم، لا يعني أن لا يكون الواحد ماركسيا طليعيا أنه شخص سيء أو عديم الفائدة للنضال الماركسي عموما وأنه عدو الماركسيين، بل فقط أنه يفتقد لبعض المؤهلات التي يتطلبها نشاطهم. وقد يمتلك مؤهلات أخرى تصلح في ميادين أخرى من الحياة والإنتاج لا يمتلكها الماركسيون.

تتغير هذه الأمور زمنيا أيضا. فمن يعاني اليوم حالة إحباط تمنعه من إنجاز أبسط المهام (حتى في الحياة اليومية)، يمكن أن يكون عنصرا قياديا في مرحلة لاحقة بعد حل بعض مشاكله أو تحسن حالته النفسية.

في المقابل ينساق البعض إلى طرح مهام كثيرة ومتنوعة. فلا يجدون لها الوقت ولا يتقنونها، وعادة ما لا يقدرون على إنجاز أي منها. وهكذا تكون النتيجة النهائية نفسها: يراوح الأفراد والمجموعات مكانهم في حالة من الغليان غير المثمر الذي يتحول إلى إحباط. وقد يعذر ذلك عند العناصر الأصغر سنا أو الأقل معرفة وتجربة، كمشكلة نقص نضج تجاوز بالممارسة والتصحيح، لكن انتشارها عند الكثير من قديمي العهد في الأوساط اليسارية، يشير إلى وجود مشكلة حقيقة في علاقة بالقدرة على التخطيط وتقدير الموارد والطاقات وتحديد الأهداف الممكنة بل مجرد التحكم النسبي في حياتهم.

طبعا قد يمر هذا الشخص أو ذاك بظروف صعبة لفترات متفاوتة من الزمن، تمنعه من إنجاز مهام بشكل عادي، لكن لا يجب أن يتحول ذلك إلى واقع بنيوي. من هنا يطرح على الماركسيين أن يحاولوا ضمان وضعية اجتماعية-شخصية تمكنهم من النشاط السياسي في أفضل الظروف.

يأتي للذهن أولا الشرط الاقتصادي. فلا يمكن أن تستمر ممارسة سياسية منتظمة على المدى الطويل على أساس حالة من الهشاشة الاقتصادية. كما لا يمكن أن تتواصل أيضا عند أفراد مجهدين من ساعات عمل طويلة ووظيفة منهكة. يجب أن يفكر الطلبة الماركسيون جيدا في هذا الأمر.

هناك عمل آخر يلتهم الكثير من الوقت والطاقة: رعاية الأطفال. هذه نقطة حساسة قد تثير الجدل. لكن رغم أنها قد تمس الحياة الحميمية للأشخاص إلا أنه لا يمكن تجاهل تداعياتها الجسيمة على النشاط السياسي. فمن المعروف بالنسبة إلى  الماركسيين أن رعاية الأطفال عمل إعادة-إنتاج يستهلك وقتا وطاقة جسدية ونفسية وذهنية، تقلص من المجال الممكن للنشاط السياسي. 

ولهذه النقطة أيضا بعد جندري معروف. إذ يقع كاهل جل هذا العمل بنيويا على النساء. ولا شك أنه من أهم أسباب تهميشهن في المجال السياسي بصفة عامة (مثلما هو يعيقهن في الارتقاء المهني حسب دراسات معروفة).

هذه مشكلة غير بسيطة لا يمكن حلها بسهولة في إطار هذا النص. لكن ما نلاحظه إلى اليوم في الأوساط اليسارية هو إهمالها وإعادة-إنتاج الأشكال العائلية-الجندرية السائدة التي تعرقل التنظم والنشاط السياسي الثوري، بشكل أقوى عند النساء والتي هي أصلا الأساس الاقتصادي لعجز عموم البروليتاريا عن التنظم الذاتي وحاجتها إلى طليعة: إنها الساعات الطويلة المجهدة من العمل المأجور وتنضاف لها ضرورات إعادة-الإنتاج. 

يأخذ إذن النشاط السياسي حيزا خصوصيا من وقت وجهد الماركسيين، كمجال مستقل بذاته. لكن قد توجد فرص للنشاط السياسي في مجالات أخرى من حياتهم الاجتماعية. كون أغلبهم أجراء طبقة وسطى، قد يكون مكان عملهم أو حي سكنهم ميدانا أكثر أو أقل خصوبة للعمل السياسي. هناك أيضا الوسط الجامعي.

ليس النشاط السياسي الماركسي عملية دعوة وتبليغ إيديولوجية، فلا داعي لأن يضيع الواحد جهده محاولا تحويل أفراد عائلته الإسلامية أو زملائه في شركة استشارات كبرى أو جيرانه في حي برجوازي إلى شيوعيين. فليس الهدف جعل غالبية أفراد المجتمع شيوعيين لأن ذلك مستحيل في ظلّ الرأسمالية، بل هو تنظيم البروليتاريا على برنامج وكسب الشعب له بالاستجابة لمصالحه وهواجسه التقدمية.

يستدعي ذلك من الماركسيين أولا تواضعا وقدرة على الإنصات لهواجس الناس واستيعابها. وهو سلوك على نقيض ما نراه عند عديد اليساريين من تعجرف وتكبر و نزعة لإعطاء الدروس باجترار بعض المقولات الإيديولوجية العامة التي لا يرى الناس فيها علاقتهم بواقعهم. على العكس من ذلك، من فهم فعلا الماركسية، يستوعب أولا المصالح الحارقة والهواجس التي تعتمل الجماهير التي يوجد بينها، ويعطيها إجابة ماركسية، مطورا بذلك البرنامج الماركسي استجابة لشرائح جديدة من الشعب.

وإلى جانب النضالات الجماعية التي قد تطرح في ظروف معينة، وتمثل فرصة للماركسيين لكسبهم الناس أفرادا ومجموعات في الصراع الطبقي الاقتصادي-الاجتماعي، يمكن كسبهم عبر إيتيقا فردية في الحياة الاجتماعية اليومية. بالإضافة إلى إعطاء سمعة جيدة للاشتراكيين، يجب أن ينزّل الماركسيون أفكارهم السياسية إلى مسلكية يومية تروج لها بالممارسة.

مثال بسيط على ذلك في مسألة مقاطعة منتوجات المؤسسات الاقتصادية المطبعة والمرتبطة بإسرائيل. يعطي الماركسيون المثال في هذه الممارسة ويلفتون نظر الناس إلى المسألة من حين لآخر، بشكل ذكي وخفيف، لا بشكل عدائي منفر. يأخذون السياقات وقدرات الناس واستعداداتهم، بعين الاعتبار، و يتجنبون تعجيزهم. فلا جدوى من مطالبة أب أو أم عائلة بمقاطعة حليب دليس مثلا خلال مشكلة ندرة في الحليب، يجب حينها التركيز أكثر مثلا على كوكا كولا ومضارها.

يمتد الأمر إلى التحكم في الاستهلاك بصفة عامة: من ناحية مصدره بتبجيل المنتجات المحلية، مقاطعة البلدان الإمبريالية قدر المستطاع إلخ.؛ ومن حيث نوعيته وآثاره الصحية والبيئية وكميته.

يمارس إذن الماركسيون في حياتهم اليومية إيتيقا تحمل ما أمكن من عناصر الانتقال إلى الاشتراكية وتلفظ ما أمكن من عناصر الرأسمالية التي يمكن التخلص منها. بالإضافة إلى التحكم في الاستهلاك، يبدون أيضا حرصا على الملك العمومي والفضاء العام. يخلو كلامهم وممارستهم من أي أنواع من التمييز الجندري أو الجهوي أو العنصري إلى غير ذلك.

بالتالي يتداخل الشخصي-الاجتماعي مع السياسي في الاتجاه المعاكس أيضًا؛ فكما يمكن أن يتحوّل اليومي أحيانًا إلى مجال للعمل السياسي، فإن السياسي ذاته يحمل أبعادًا اجتماعية وشخصية لا يمكن فصله عنها تمامًا.

يجب التأكيد رغم ذلك، على أن الانقسام بين المجال السياسي ومجال الحياة الاجتماعية ومجال الحياة الشخصية ليس بالأساس نظريا تحليليا بل هو، بالعكس، موجود في الواقع الاجتماعي الرأسمالي نفسه.

ليس من الخطأ تصور أن الاشتراكية تنزع إلى تخفيف هذا الفصل وتحقيق الوحدة بين "العام" و"الخاص" وبين الاجتماعي والفردي. لكن طرح تجاوز هذه الانقسامات ضمن مجتمع رأسمالي اقتراح إرادوي. فالماركسيون إن كانوا يحملون عناصرا من الاشتراكية فهم على كل حال يحملون أكثر عناصر من الرأسمالية التي يعيشون ضمنها. وذلك بالأحرى في أطراف الرأسمالية العالمية، حيث ليس البرنامج الثوري المباشر للماركسيين بناء الاشتراكية، التي تستدعي فترة انتقالية طويلة من تطوير الإنتاج والامتداد السياسي-الجغرافي.

في هذه السياقات وأمام رجعية وتكلس بقية التيارات السياسية المناهضة للإمبريالية (القومية والإسلامية أساسا) قد يأتي للماركسية، أناس لا يستبطنون تماما النظرية الماركسية والحالة النفسية-الذهنية التي تتلاءم معها. لكنهم يقبلون ببرنامج واستراتيجية الماركسيين السياسية. من الطبيعي، إذن،  أن يوجد تفاوت ضمن الحزب الماركسي خاصة في فترة تاريخية مازالت بعيدة عن الشيوعية، وأن توجد عناصر شعبية جذرية أو شعبية ثورية. عادة ما تظهر هذه الصعوبات في نقاط خارج البرنامج الماركسي المباشر. طالما تكثفت الشيوعية في مسألة تجاوز الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فالجميع شيوعيون، لكن عندما تطرح مسائل مثل تفكيك الدولة وتجاوز الانتماء القومي، وإلغاء العائلة والمبادلات المالية وتفكيك الجندر إلى غير ذلك، سرعان ما يتقلص عدد الشيوعيين.

كل هذا للقول أنه لا يجب أن نتوهم أن الحزب الشيوعي يمكن أن يكون ميكرو-مجتمعا شيوعيا سابقا لأوانه منفصلا عن المجتمع الأوسع الذي يعيش فيه أعضاؤه، ومتطلباته. من السهل تقدير معدل الساعات اليومية التي يقضيها الواحد ضمن المجتمع الرأسمالي ومعدل ما يقضيه في الممارسة الماركسية. تقي هذه المقارنة من الاستخفاف بمدى تأثير المجتمع الرأسمالي في الماركسيين. 

ما لا يعني طبعا القبول بكل سلوكات المجتمع الرأسمالي ضمن مجال الممارسة السياسية، بل فقط تجنب وضع أهداف وانتظارات إيتيقية، يوتوبية غير قابلة للتحقيق. يجب أن توضع معايير حد أدنى ديمقراطية جذرية يمكن أن يلتزم بها فعلا هؤلاء الماركسيون الذين نشأوا في تربة الرأسمالية الطرفية، ويناضلون في سياقها لتجاوزها. مثلما لا يطرح الماركسيون تحقيق الشيوعية مباشرة بل برنامجا سياسيا قابلا للتحقيق ضمن الرأسمالية يفتح الباب للانتقال إلى الاشتراكية، يطرحون معاييرا إيتيقية قابلة للتحقيق ضمن الرأسمالية ومن شأنها تحفيز الممارسة الماركسية والارتقاء بالماركسيين فكريا ونفسيا.

يتمثل أحد مخاطر تحديد معايير إيتيقية أعلى من المناسب، في دخول دوامة من الصراعات الأخلاقية اللامتناهية قصد تطهير نفوس الشيوعيين وحزبهم من كل شوائب الرأسمالية المحيطة بهم. من الواضح أن هذا الهدف اليوتوبي لن يتحقق وسيمنع أي نشاط سياسي "خارجي" مع البروليتاريا والجماهير التي تعيش تحت الرأسمالية. فلا يجب أن ننسى أن التنظيم الماركسي، هو أولا  تنظيم صراع، لقيادة النشاط الثوري.

بالعكس من ذلك إن منطلق الإيتيقا الماركسية هو تحديدا بلوغ هذه الأهداف السياسية ويجب أن تكون في خدمتها. ففي غياب معايير إيتيقية تجمع الماركسيين وتضبطهم، لا يمكن التقدم بشكل سليم ومستدام في العمل السياسي الجماعي. بتطور تنظيمهم وطبقتهم، ترتقي شروط نشاط الماركسيين ومتطلباته الإيتيقية-السياسية-النظرية.

في انتظار إقامة الاشتراكية والمرور إلى الشيوعية، واتساع مجال الوحدة النفسية والحرية، على الماركسيين إذن أن يناضلوا ضمن المجتمع الرأسمالي، في ظروف الانقسام والتناقض والتمزق النفسي، وأن يجدوا الصيغ والتوازنات النسبية بين ممارساتهم السياسية واليومية (الاجتماعية والشخصية) بما في ذلك حياتهم النفسية.

شبكات التواصل الرقمي

يبقى وصف الواقع الحياتي العيني المعاصر منقوصا دون التطرق لهذا الواقع الموازي أو بالأحرى المتشابك بشكل عضوي أكثر فأكثر مع الواقع الملموس المباشر ألا وهو الفضاء الرقمي، لاسيما في نص انطلق من واقع الأوساط اليسارية، التي تكاد تكون منصة فيسبوك أهم ميادين وأسس وجودها اليوم.

وقد تحول هذا الموقع تدريجيا مما يبدو فضاء مفتوحا للتعبير الحر إلى أن صار منذ سنوات فقاعة مغلقة وبيت أصداء. لا يرى فيها الواحد ولا يسمع إلا ما تقرر الخورزميات أنه سينال إعجابه أو يثير تفاعله أو يديم بقاه على الموقع، ولا ينتشر ما يقوله ويشاركه إلا ضمن وسط اجتماعي-رقمي تحدده نفس الخورزميات التي تخفيها سرية الملكية الخاصة.

لكن بالنظر إلى كثافة المنشورات وطبيعتها قد يظن الواحد عكس ذلك. فقد تصل حدة الصراعات الرقمية إلى درجة أن يظن ملاحظ ساذج أن رهانات سياسية جسيمة محل نزاع، أن جمهور الشعب يتابع هذه المواقف الفايسبوكية المتصارعة، وأن التاريخ يصنع هنا! ثم تأتي الانتكاسة السياسية الموالية ونخال أن المعنيين قد استفاقوا لهذا الواقع. لكن سرعان، ما ينسى أو يتناسى أو ينوم هؤلاء الناشطون مجددا.

وفعلا نعرف أن خورزميات منصات التواصل الرقمية، تستعمل  آليات عصبية-نفسية عند البشر لخلق حالة إدمان على استعمالها. هذا ما يفسر بسهولة جزءا كبيرا من هذه التصرفات اللاعقلانية (المستمرة والمتكررة بشكل بنيوي). هكذا تضرب هذه الفضاءات الرقمية النقاش الفكري العقلاني. تكرس منطق الإثارة ورد الفعل السريع ضمن سيل لامتناهي من التفاعلات والمعلومات والمستجدات. لا مكان فيها لأخذ مسافة من الأمور والتساؤل المتأني ولا تتجاوز المساحة المتاحة للتفكير النقدي والنقاش الجدي الهامش. ليس كل هذا طبعا بمعزل عن نقص القراءة والدراسة النظرية، والقدرة على ضبط-الذات والعمل الممنهج.

من جهة أخرى، تمثل الزعامتية مشكلة عويصة في تاريخ اليسار. يرتكز هذا التيار السياسي كأحد أسسه على فكرة المساواة التي تتعارض مع الزعامة. بانحسار مشروعية الزعامات القديمة في تونس، قد خلنا للحظة أن جيلا جديدا يمكنه بناء علاقات سياسية وتنظيمية أكثر مساواة وديمقراطية، لكن هيهات! فلم تكد المسألة تطرح، حتى ظهر نقضها العملي.

إذ سرعان ما خلقت هذه المنصات الرقمية، مكان حفنة من الزعماء، عشرات (ربما مئات) من الميكرو-نجوم. فبحكم منطق التفاعلات والمشاركات والمشاهدات، يدخل الناشطون اليساريون في ديناميكية مراكمة أرصدة رمزية على السوق الرقمية. ديناميكية تتجاوز نواياهم وتخيلاتهم حول أنفسهم. بينما كانت النجومية في الماضي تستدعي شهرة وطنية على الأقل، وبالتالي حالة استثنائية لا تبلغها إلا قلة قليلة محظية، صارت اليوم كل فقاعة رقمية تحتوي على كم من الميكرو-نجوم.

تسهل رؤية الصعوبات التي تطرحها هذه البنية أمام العمل السياسي الجماعي والانضباط الديمقراطي والتنظم الماركسي الثوري. ويكاد يكون اليوم الموقف النقدي منها أحد الشروط الإضافية المعاصرة لإيتيقا الماركسيين الثوريين.

يضع الماركسيون فرديا وسياسيا كمبدإ قائد لتعاملهم مع الفضاء الرقمي، مقاومة الخضوع لمنطقه. وهو جهد مستمر لا يجب الاستهانة به. يتحكمون ويحدون من الوقت الذي يقضونه على هذه المنصات، ويدخرون طاقتهم العصبية والنفسية، لأنشطة مفيدة أكثر. كما يتجنبون الدخول في المناكفات والاستفزازات والمشاجرات المفتعلة دوريا. ونلاحظ أن بعض رفاقنا غادروا بعض هذه الفضاءات أو جلها، بمبادرة فردية حفاظا على طاقتهم النفسية والذهنية.

لكن المنطلق السياسي مختلف. فالجماهير موجودة في هذا الشبكات الرقمية. لذلك فإن دعوات مقاطعتها التي ترفع أحيانا لا تتجاوز كونها سخافات يسراوية، لا يستجيب لها أحد بما فيهم دعاتها. يستعمل إذن الماركسيون هذه المنصات للدعاية لأفكارهم وبرنامجهم وشعاراتهم على أوسع نطاق. نظرا لمنطق الخورزميات، لا يمكن تحقيق ذلك تلقائيا. يتعامل الماركسيون إذن معها كفضاء إعلام غير محايد. يضعون خطة للاشتغال فيه ومجاراة آلياته قصد خرق الجدران التي تضعها بينهم وبين الجماهير. يوظفون جماعيا هذه الفضاءات الرقمية بشكل ممنهج ونفعي لبلوغ أهدافهم السياسية، ويقاومون بذلك وفي نفس الوقت، نزعتها لاستيعابهم كأفراد ضمن ديناميكياتها وامتصاص طاقاتهم.

خاتمة

تمر اليوم الحركة الماركسية بمرحلة حاسمة في تاريخها. اليوم بدأ مصير الثورة القادمة يتقرر. اليوم، ضد التيار التاريخي الرجعي الجارف، تفرز وتتكون النواة الصلبة للحزب الماركسي الثوري القادم.

بدل تنويم جيل جديد من الشيوعيين بالشعارات الكبيرة والفارغة، لنقر بحجمنا وننطلق من البداية بطرح وحل المشاكل الحارقة، التي تعترضنا في واقع الممارسة الماركسية الضعيفة الراهنة. من لا يطرق هذا الباب الصغير لن يصل إلى الباب الكبير. إذا ما نجحا في مواجهة هذه المشاكل الإيتيقية "الصغيرة"، لن نصل إلى المستوى والحجم اللذين يطرحان علينا المشاكل السياسية "الكبيرة".

نحو إيتيقا ماركسيّة 2: الطليعيّة نقيض النخبويّة

 


ورد في الجزء الأول من هذه المقالة مصطلح الطليعة في علاقة بمسألة التنظم. يستحق هذا المفهوم التوقف عنده لأن سوء فهمه مصدر بعض أسوإ النزعات المنافية للماركسية والموجودة في الأوساط المحيطة بنا وعلى رأسها النخبوية.

يعتبر الماركسيون وجود طليعة ثورية حقيقة نظرية يمكن معاينتها بسهولة في الواقع. ففي كل تشكيلة اجتماعية (رأسمالية على الأقل)، مثلما توجد طبقة مؤهلة أكثر من غيرها للثورة عليها، توجد مجموعة من الناس أكثر فهما لهذه الثورة وأكثر إصرارا على إنجازها.

لا توجد هذه الطليعة في منزلة أخلاقية أو قيمية أعلى من عموم الناس. إن كان هذا الموقع السياسي محددا بنيويا فانتماء الفرد له صدفة تاريخية، ليست مدعاة فخر شخصي بأي شكل. لا مانع لأن يفتخر الماركسيون بكونهم كذلك في وجه التيارات السياسية البرجوازية والبرجوازية-الصغيرة واعتبار أنفسهم الأكثر تقدما ونشاطا وعلمية وعملا ومادية وإصرارا (ويجب أن يستحقوا ويثبتوا ذلك بممارستهم الإيتيقية) لكن لا يمكن أن يفتخر الماركسي بأنه أرقى من طبقته ومن شعبه.

مهمة الطليعة الماركسية هي تحديدا تشكيل الطبقة، صهرها وتوحيدها. فاتساع الهوة بين الطليعة وجمهور طبقتها هو علامة فشل في الوظيفة البنيوية للماركسيين لا يمكن أن يكون مدعاة فخر إلا لمن لم يفهم الماركسية.

بالنسبة لبعض المتمردين، الماركسية هي معجم من الكلام "الصعب" للشعور بالعلوية الثقافية على جمهور الشعب والشيوعية جملة مبادئ مثالية للشعور بالرفعة الأخلاقية. السلوك التمردي سلوك نخبوي بالضرورة، وبالعكس أيضا، السلوك النخبوي سلوك تمردي. فكلمة نخبة تتضمن منطقيا فكرة الترفع فوق العامة، فوق الشعب، والنخبة بالضرورة أقلية. لذلك ليس من المفاجئ أن ينتقل بعض "الشيوعيين" إلى خندق البرجوازية، إذ لم يكونوا أبدا شيوعيين ماركسيين بل كانوا دائما نخبويين-أقليين-متمردين.

بناء على ذلك لا يستعمل الماركسيون مصطلحا مثل "الشعبوية" لازدراء خصومهم. يمكن استعمال المفهوم بمعنى تحليلي موضوعي حيثما كان مناسبا، مثلا لبيان أن مفهوما مثل الشعب قد يستعمل لطمس الصراع الطبقي. لكن لا يقبل ماركسي سليم التكون والتكوين باستعمال مصطلح شعبوية بمعنى مرادف تقريبا للفاشية أو للسفسطة، بشكل يستبطن أن الشعب غبي ويساند بالضرورة الأفكار المغلوطة والرجعية.

كما لا يرى الماركسيون البروليتاريا والطبقات الشعبية بالأساس كضحية، كطبقات "مسحوقة" أو "هشة" كما يقول اليساريون، كفقراء ومساكين يتعاطفون معهم ويسعون، بمعزل عنهم إلى تحقيق بعض "المكاسب" لهم، بصفتهم فاعلي خير أو فرسان "عدالة اجتماعية". بالعكس، يعتبرها الماركسيون فاعلا سياسيا تاريخيا في ميدان الصراع الطبقي، ويعتبرون أنفسهم جزءا منها، يعبر عنها في المستوى السياسي، ويسعون إلى تنظيمها على برنامج، لتحقيق مصالحها.

لا يعني ذلك السقوط في تصوير البروليتاريا أو الشعب صورة مثالية، سرعان ما تنقلب إلى عكسها في أول ارتطام بتعقيد الواقع. لا تمثل البروليتاريا الخير والبرجوازية الشر. ليس كل أفراد البروليتاريا أناسا خيرين. فهم مختلفون بقدر اختلاف عموم أفراد المجتمعات الرأسمالية، ولا شك أن ظروف عيشهم الأصعب مقارنة بمتوسط المجتمع تزيدهم ضغوطات.

ليس على عاتق الماركسيين أن يحبوا البروليتاريا، فالعلاقة بين الطليعة والطبقة الثورية علاقة سياسيّة بالأساس، والمطروح عليهم تنظيمها حول برنامج سياسي يحقق مصالحها.

يعني ذلك أن الماركسيين يعملون على تقليص الهوة بينهم وبين جمهور البروليتاريا، في نفس الوقت الذي يتقدمون فيه بوعيها وتنظمها وممارستها. ينطلق هذا المسار من الإحداثيات التي توجد فيها البروليتاريا في مرحلة معينة من تاريخ تشكيلة اجتماعية محددة. بأكثر فجاجة يمكن القول إن الطليعة مطالبة أولا بالنزول إلى مستوى وعي وتنظم وممارسة البروليتاريا، ثم الشروع في الارتقاء بها تدريجيا أو جرها معها بتؤدة نحو الأمام. نتحدث هنا دائما عن ارتقاء أو تقدم سياسي، إيديولوجي، تنظيمي، لا عن ارتقاء أخلاقي قيمي.

وهناك على هذا المسار انحرفان يسميان سياسيا باليسارية واليمينية يتوازيان مع نزعات وممارسات تحت-سياسية وشبه-سياسية فردية وجماعية.

يوجد من الجهة اليسرى قطب النزعة التمردية-الأقلية-اللامعيارية. على المستوى السياسي ينعكس هذا الانحراف في طرح أفكار وبرامج لا يمكن أن تقبلها وتتبناها البروليتاريا في مرحلة تطورها الراهنة، بل ربما لا تفهمها أصلا. قد تكون هذه الأفكار شيوعية ومن بين أهداف الشيوعيين على المدى البعيد وقد لا تكون.

على المستوى السلوكي تتجسد هذه النزعة في طرق ظهور وتعبير رمزي عن الذات تعمق الهوة الرمزية مع البروليتاريا وتخلق حواجزا للتواصل معها. مجددا ليست المشكلة أخلاقية ولا مبدئية بل سياسية، فقد تكون هذه السلوكات تفعيلات فردية لبعض أفكار الشيوعيين، أو قد تعتبر هذه الممارسات الرمزية أجمل استيتيقيا، أو قد تعكس تحرر الأفراد من قيود اجتماعية-إيديولوجية غير عقلانية، لكن إن كانت نتيجتها السياسية إعاقة تنظيم البروليتاريا فلا يمكن أن تكون ممارسة سياسية-ايتيقية ماركسية.

عادة ما تأتي هنا اعتراضات تنطلق من أفكار مثل الأصالة والتناسق والنفاق والصراحة والكذب والحقيقة. هل يمكن أن يكون الواحد اشتراكيا وأن "ينافق" البروليتاريا؟ هل يمكن أن يكون الواحد شيوعيا ويقمع نفسه ويتنازل عن ذاتيته وحريته أمام الإيديولوجيا السائدة؟

نلاحظ أولا أن هذه مبادئ مثالية لا يمكن على كل حال تنزيلها في الواقع بشكل مطلق. فلا يمكن أن يتخيل واحد حياة اجتماعية دون "كذب". لنتصور فقط أن يجيب بصراحة كل من يسأله "كيف الحال؟" طيلة شهر من الحياة الاجتماعية العادية بدل أن يستعمل أكذوبة "لا بأس". مهمة عبثية! يوجد طيف الواقع (في المجتمعات الطبقية والمنقسمة وخاصة الرأسمالية، على الأقل) دائما بين ثنائيات الحقيقة والكذب، الصراحة والنفاق، الشفافية والعتامة، الحرية والخضوع. تحمل الأقوال والممارسات في الواقع، عن وعي وغير وعي، نسبة من هذا وذاك (من حقيقة وكذب في ذلك القول، من صراحة ونفاق في هذا التصرف، من الذاتية الأصيلة والرضوخ الاجتماعي في ذلك السلوك…).

يحمل ثانيا، هذا النوع من الاعتراضات الأخلاقوية، حول "التلاعب" بالبروليتاريا مشكلة منطقية ضمنية. فإما أن يفترض النموذج الفكري أن كل الفاعلين، ماركسيين وبروليتاريا ذوات (واعية بذاتها تماما) متساوية. في هذه الحالة البروليتاريا حرة ومسؤولة تماما عن أفعلها ولا يمكن أن يغالطها ويوظفها الماركسيون لمصالحهم الخاصة. فكل ما تفله نابع من ذاتها ومن وعيها ووعيها بنفسها.

إما أن يفترض نموذج التفكير اللامساواة بين الماركسيين والبروليتاريا وأن ذاتية الأخيرة منقوصة ويمكن بالتالي الهيمنة عليها وتوظيفها لصالح مقاصد طرف آخر. وبما أنه من الطبيعي أن يتحرك كل فاعل لتحقيق مقاصده الذاتية، فأي تفاعل من الماركسيين (فاعل-ذات) مع البروليتاريا (ذات منقوصة أو في الأقصى موضوع) لا يمكن إلا أن يكون محاولة توظيف لها. أكثر من ذلك، يعني نقص ذاتية البروليتاريا أن ممارساتها تنبع دائما بنفس القدر من ذاتيتها ومن اغترابها وخضوعها للسيطرة (من قبل البرجوازية، أو الماركسيين، أو الأنارشيين…). هكذا لا يمكن أصلا معرفة ذاتيتها الأصيلة بشكل موضوعي لتجنب التلاعب بها!

من الواضح أن هذه المتاهة الذاتوية الأخلاقية غير مثمرة. لا يمكن أن تفضي إلى نظرية تجد لها تطبيقا في الواقع، إلى نظرية ممارسة (براكسيس). طبعا لا يبلور التلقائيون الأمر بهذا الشكل. فمن خصائص التلقائية، تعريفا وحتى اصطلاحا، نقص التفكير في الأمور. لكنهم يقولون بالمساواة المبدئية بين الجماهير والسياسيين وبأن البروليتاريا تعرف ما تريد و"لا تحتاج دروس أحد" إلخ. ويتهمون في نفس الوقت الماركسيين بمغالطتها والتلاعب بها!

لا تتجاوز هذه المواعض الذاتوية الأخلاقية في نهاية المطاف، كونها تبريرات إيديولوجية لراحة الممارسة العفوية: التمرد على السائد بعيدا عن البروليتاريا، والمزايدات الأخلاقية على محاولات العمل مع الجماهير.

ما يضبط ايتيقة الماركسيين تجاه البروليتاريا لا يمكن أن يكون إذن من قبيل هذه المثاليات الأخلاقية المطلقة: الحقيقة، الصراحة، الشفافية. وإلا لكان على البلاشفة إعلام عموم البروليتاريا الروسية (ولما لا الأممية!) بالهجوم المسلح على قصر الشتاء! ما يؤطر سلوك الماركسيين تجاه البروليتاريا هو استراتيجية تطورها السياسي كطبقة ووصولها إلى السلطة لبناء الاشتراكية. هذه الاستراتيجية نفسها مبنية على نظريات موضوعية، اقتصادية (نظرية العمل للقيمة) وتاريخية (النظرية المادية للتاريخ).

بنفس المنطق النسبي، يتبين أن تحرر الفرد تماما من كل الضغوطات الاجتماعية استحالة في الواقع (الطبقي، الانقسامي الراهن). فهو تحت الرأسمالية مثلا مجبر (عدا إن كان برجوازيا) على الخضوع طيلة عدد من الساعات يوميا للعمل المأجور. يوجد الناس دائما في خيار بين الانصياع الاجتماعي والتعبير الذاتي في بنية معقدة من الإكراهات. يقوم كل بخياراته حسب رغباته وأولوياته وحساباته وأهدافه باختصار حسب معاييره الخاصة. وعلى الماركسيين كغيرهم اختيار درجة تنازلهم للواقع الرأسمالي القائم حسب أولوياتهم ومعاييرهم، حسب استراتيجيتهم السياسية ومتطلباتها الراهنة.

وإن كان تجاوز كل التناقضات ذهنيا، عملية مثالية سهلة، لا تفوت بعض الصور في الخيال والمقولات العامة، فهو عند ماركس سيرورة اجتماعية تاريخية عسيرة بل ودامية من التمزق والصراع.

قاد الانحراف الأيسر على طريق تنظيم البروليتاريا إلى نقاش بعض التعقيدات، أما الانحراف الأيمن، فيتمثل في نكوص وعي ونفسية الماركسيين، في تذيلهم وخضوعهم للممارسات والإيديولوجيا السائدة. تتحول ممارسات وتصورات ونفسية جمهور الشعب والبروليتاريا من واقع يجب الإقرار به والتعامل معه لتغييره بالتنظم والتثقف نحو الأفق الاشتراكي، إلى معيار الشيوعية، ويصير كل ما تفعله وتتصوره الجماهير هو السلوك البروليتاري الثوري الأصيل وأما النقد والمعرفة العلمية الماركسية هي أفكار "برجوازية-صغيرة".

قد ينطلق ذلك من نزعات تلقائية أنارشية أو شبه-أنارشية، تنتهي أمام حدود التلقائية في محافظة-جديدة. تغدو، في هذا الانحراف، الأفكار التقدمية والثورية التي تعبر عن مصالح البروليتاريا، غريبة عنها، والإيديولوجيا البرجوازية والبرجوازية-الصغيرة التي تديم الهيمنة الطبقية هي الفكر البروليتاري الأصيل. تصير بذلك بعض الجماعات المتمردة الهامشية الصغيرة والتيارات الليبرالية الجذرية ألد أعداء الشعب، في حين تختفي البرجوازية وقواها السياسية الحاكمة فعلا من الصورة. لهذه المشكلة راهنية كبيرة فهي جوهر ومحرك جل مساندي مسار 25 جويلية من اليسار. فلا يمكن المبالغة في التنبيه إليها.

 يتبع ...