نحو إيتيقا ماركسيّة 2: الطليعيّة نقيض النخبويّة

 


ورد في الجزء الأول من هذه المقالة مصطلح الطليعة في علاقة بمسألة التنظم. يستحق هذا المفهوم التوقف عنده لأن سوء فهمه مصدر بعض أسوإ النزعات المنافية للماركسية والموجودة في الأوساط المحيطة بنا وعلى رأسها النخبوية.

يعتبر الماركسيون وجود طليعة ثورية حقيقة نظرية يمكن معاينتها بسهولة في الواقع. ففي كل تشكيلة اجتماعية (رأسمالية على الأقل)، مثلما توجد طبقة مؤهلة أكثر من غيرها للثورة عليها، توجد مجموعة من الناس أكثر فهما لهذه الثورة وأكثر إصرارا على إنجازها.

لا توجد هذه الطليعة في منزلة أخلاقية أو قيمية أعلى من عموم الناس. إن كان هذا الموقع السياسي محددا بنيويا فانتماء الفرد له صدفة تاريخية، ليست مدعاة فخر شخصي بأي شكل. لا مانع لأن يفتخر الماركسيون بكونهم كذلك في وجه التيارات السياسية البرجوازية والبرجوازية-الصغيرة واعتبار أنفسهم الأكثر تقدما ونشاطا وعلمية وعملا ومادية وإصرارا (ويجب أن يستحقوا ويثبتوا ذلك بممارستهم الإيتيقية) لكن لا يمكن أن يفتخر الماركسي بأنه أرقى من طبقته ومن شعبه.

مهمة الطليعة الماركسية هي تحديدا تشكيل الطبقة، صهرها وتوحيدها. فاتساع الهوة بين الطليعة وجمهور طبقتها هو علامة فشل في الوظيفة البنيوية للماركسيين لا يمكن أن يكون مدعاة فخر إلا لمن لم يفهم الماركسية.

بالنسبة لبعض المتمردين، الماركسية هي معجم من الكلام "الصعب" للشعور بالعلوية الثقافية على جمهور الشعب والشيوعية جملة مبادئ مثالية للشعور بالرفعة الأخلاقية. السلوك التمردي سلوك نخبوي بالضرورة، وبالعكس أيضا، السلوك النخبوي سلوك تمردي. فكلمة نخبة تتضمن منطقيا فكرة الترفع فوق العامة، فوق الشعب، والنخبة بالضرورة أقلية. لذلك ليس من المفاجئ أن ينتقل بعض "الشيوعيين" إلى خندق البرجوازية، إذ لم يكونوا أبدا شيوعيين ماركسيين بل كانوا دائما نخبويين-أقليين-متمردين.

بناء على ذلك لا يستعمل الماركسيون مصطلحا مثل "الشعبوية" لازدراء خصومهم. يمكن استعمال المفهوم بمعنى تحليلي موضوعي حيثما كان مناسبا، مثلا لبيان أن مفهوما مثل الشعب قد يستعمل لطمس الصراع الطبقي. لكن لا يقبل ماركسي سليم التكون والتكوين باستعمال مصطلح شعبوية بمعنى مرادف تقريبا للفاشية أو للسفسطة، بشكل يستبطن أن الشعب غبي ويساند بالضرورة الأفكار المغلوطة والرجعية.

كما لا يرى الماركسيون البروليتاريا والطبقات الشعبية بالأساس كضحية، كطبقات "مسحوقة" أو "هشة" كما يقول اليساريون، كفقراء ومساكين يتعاطفون معهم ويسعون، بمعزل عنهم إلى تحقيق بعض "المكاسب" لهم، بصفتهم فاعلي خير أو فرسان "عدالة اجتماعية". بالعكس، يعتبرها الماركسيون فاعلا سياسيا تاريخيا في ميدان الصراع الطبقي، ويعتبرون أنفسهم جزءا منها، يعبر عنها في المستوى السياسي، ويسعون إلى تنظيمها على برنامج، لتحقيق مصالحها.

لا يعني ذلك السقوط في تصوير البروليتاريا أو الشعب صورة مثالية، سرعان ما تنقلب إلى عكسها في أول ارتطام بتعقيد الواقع. لا تمثل البروليتاريا الخير والبرجوازية الشر. ليس كل أفراد البروليتاريا أناسا خيرين. فهم مختلفون بقدر اختلاف عموم أفراد المجتمعات الرأسمالية، ولا شك أن ظروف عيشهم الأصعب مقارنة بمتوسط المجتمع تزيدهم ضغوطات.

ليس على عاتق الماركسيين أن يحبوا البروليتاريا، فالعلاقة بين الطليعة والطبقة الثورية علاقة سياسيّة بالأساس، والمطروح عليهم تنظيمها حول برنامج سياسي يحقق مصالحها.

يعني ذلك أن الماركسيين يعملون على تقليص الهوة بينهم وبين جمهور البروليتاريا، في نفس الوقت الذي يتقدمون فيه بوعيها وتنظمها وممارستها. ينطلق هذا المسار من الإحداثيات التي توجد فيها البروليتاريا في مرحلة معينة من تاريخ تشكيلة اجتماعية محددة. بأكثر فجاجة يمكن القول إن الطليعة مطالبة أولا بالنزول إلى مستوى وعي وتنظم وممارسة البروليتاريا، ثم الشروع في الارتقاء بها تدريجيا أو جرها معها بتؤدة نحو الأمام. نتحدث هنا دائما عن ارتقاء أو تقدم سياسي، إيديولوجي، تنظيمي، لا عن ارتقاء أخلاقي قيمي.

وهناك على هذا المسار انحرفان يسميان سياسيا باليسارية واليمينية يتوازيان مع نزعات وممارسات تحت-سياسية وشبه-سياسية فردية وجماعية.

يوجد من الجهة اليسرى قطب النزعة التمردية-الأقلية-اللامعيارية. على المستوى السياسي ينعكس هذا الانحراف في طرح أفكار وبرامج لا يمكن أن تقبلها وتتبناها البروليتاريا في مرحلة تطورها الراهنة، بل ربما لا تفهمها أصلا. قد تكون هذه الأفكار شيوعية ومن بين أهداف الشيوعيين على المدى البعيد وقد لا تكون.

على المستوى السلوكي تتجسد هذه النزعة في طرق ظهور وتعبير رمزي عن الذات تعمق الهوة الرمزية مع البروليتاريا وتخلق حواجزا للتواصل معها. مجددا ليست المشكلة أخلاقية ولا مبدئية بل سياسية، فقد تكون هذه السلوكات تفعيلات فردية لبعض أفكار الشيوعيين، أو قد تعتبر هذه الممارسات الرمزية أجمل استيتيقيا، أو قد تعكس تحرر الأفراد من قيود اجتماعية-إيديولوجية غير عقلانية، لكن إن كانت نتيجتها السياسية إعاقة تنظيم البروليتاريا فلا يمكن أن تكون ممارسة سياسية-ايتيقية ماركسية.

عادة ما تأتي هنا اعتراضات تنطلق من أفكار مثل الأصالة والتناسق والنفاق والصراحة والكذب والحقيقة. هل يمكن أن يكون الواحد اشتراكيا وأن "ينافق" البروليتاريا؟ هل يمكن أن يكون الواحد شيوعيا ويقمع نفسه ويتنازل عن ذاتيته وحريته أمام الإيديولوجيا السائدة؟

نلاحظ أولا أن هذه مبادئ مثالية لا يمكن على كل حال تنزيلها في الواقع بشكل مطلق. فلا يمكن أن يتخيل واحد حياة اجتماعية دون "كذب". لنتصور فقط أن يجيب بصراحة كل من يسأله "كيف الحال؟" طيلة شهر من الحياة الاجتماعية العادية بدل أن يستعمل أكذوبة "لا بأس". مهمة عبثية! يوجد طيف الواقع (في المجتمعات الطبقية والمنقسمة وخاصة الرأسمالية، على الأقل) دائما بين ثنائيات الحقيقة والكذب، الصراحة والنفاق، الشفافية والعتامة، الحرية والخضوع. تحمل الأقوال والممارسات في الواقع، عن وعي وغير وعي، نسبة من هذا وذاك (من حقيقة وكذب في ذلك القول، من صراحة ونفاق في هذا التصرف، من الذاتية الأصيلة والرضوخ الاجتماعي في ذلك السلوك…).

يحمل ثانيا، هذا النوع من الاعتراضات الأخلاقوية، حول "التلاعب" بالبروليتاريا مشكلة منطقية ضمنية. فإما أن يفترض النموذج الفكري أن كل الفاعلين، ماركسيين وبروليتاريا ذوات (واعية بذاتها تماما) متساوية. في هذه الحالة البروليتاريا حرة ومسؤولة تماما عن أفعلها ولا يمكن أن يغالطها ويوظفها الماركسيون لمصالحهم الخاصة. فكل ما تفله نابع من ذاتها ومن وعيها ووعيها بنفسها.

إما أن يفترض نموذج التفكير اللامساواة بين الماركسيين والبروليتاريا وأن ذاتية الأخيرة منقوصة ويمكن بالتالي الهيمنة عليها وتوظيفها لصالح مقاصد طرف آخر. وبما أنه من الطبيعي أن يتحرك كل فاعل لتحقيق مقاصده الذاتية، فأي تفاعل من الماركسيين (فاعل-ذات) مع البروليتاريا (ذات منقوصة أو في الأقصى موضوع) لا يمكن إلا أن يكون محاولة توظيف لها. أكثر من ذلك، يعني نقص ذاتية البروليتاريا أن ممارساتها تنبع دائما بنفس القدر من ذاتيتها ومن اغترابها وخضوعها للسيطرة (من قبل البرجوازية، أو الماركسيين، أو الأنارشيين…). هكذا لا يمكن أصلا معرفة ذاتيتها الأصيلة بشكل موضوعي لتجنب التلاعب بها!

من الواضح أن هذه المتاهة الذاتوية الأخلاقية غير مثمرة. لا يمكن أن تفضي إلى نظرية تجد لها تطبيقا في الواقع، إلى نظرية ممارسة (براكسيس). طبعا لا يبلور التلقائيون الأمر بهذا الشكل. فمن خصائص التلقائية، تعريفا وحتى اصطلاحا، نقص التفكير في الأمور. لكنهم يقولون بالمساواة المبدئية بين الجماهير والسياسيين وبأن البروليتاريا تعرف ما تريد و"لا تحتاج دروس أحد" إلخ. ويتهمون في نفس الوقت الماركسيين بمغالطتها والتلاعب بها!

لا تتجاوز هذه المواعض الذاتوية الأخلاقية في نهاية المطاف، كونها تبريرات إيديولوجية لراحة الممارسة العفوية: التمرد على السائد بعيدا عن البروليتاريا، والمزايدات الأخلاقية على محاولات العمل مع الجماهير.

ما يضبط ايتيقة الماركسيين تجاه البروليتاريا لا يمكن أن يكون إذن من قبيل هذه المثاليات الأخلاقية المطلقة: الحقيقة، الصراحة، الشفافية. وإلا لكان على البلاشفة إعلام عموم البروليتاريا الروسية (ولما لا الأممية!) بالهجوم المسلح على قصر الشتاء! ما يؤطر سلوك الماركسيين تجاه البروليتاريا هو استراتيجية تطورها السياسي كطبقة ووصولها إلى السلطة لبناء الاشتراكية. هذه الاستراتيجية نفسها مبنية على نظريات موضوعية، اقتصادية (نظرية العمل للقيمة) وتاريخية (النظرية المادية للتاريخ).

بنفس المنطق النسبي، يتبين أن تحرر الفرد تماما من كل الضغوطات الاجتماعية استحالة في الواقع (الطبقي، الانقسامي الراهن). فهو تحت الرأسمالية مثلا مجبر (عدا إن كان برجوازيا) على الخضوع طيلة عدد من الساعات يوميا للعمل المأجور. يوجد الناس دائما في خيار بين الانصياع الاجتماعي والتعبير الذاتي في بنية معقدة من الإكراهات. يقوم كل بخياراته حسب رغباته وأولوياته وحساباته وأهدافه باختصار حسب معاييره الخاصة. وعلى الماركسيين كغيرهم اختيار درجة تنازلهم للواقع الرأسمالي القائم حسب أولوياتهم ومعاييرهم، حسب استراتيجيتهم السياسية ومتطلباتها الراهنة.

وإن كان تجاوز كل التناقضات ذهنيا، عملية مثالية سهلة، لا تفوت بعض الصور في الخيال والمقولات العامة، فهو عند ماركس سيرورة اجتماعية تاريخية عسيرة بل ودامية من التمزق والصراع.

قاد الانحراف الأيسر على طريق تنظيم البروليتاريا إلى نقاش بعض التعقيدات، أما الانحراف الأيمن، فيتمثل في نكوص وعي ونفسية الماركسيين، في تذيلهم وخضوعهم للممارسات والإيديولوجيا السائدة. تتحول ممارسات وتصورات ونفسية جمهور الشعب والبروليتاريا من واقع يجب الإقرار به والتعامل معه لتغييره بالتنظم والتثقف نحو الأفق الاشتراكي، إلى معيار الشيوعية، ويصير كل ما تفعله وتتصوره الجماهير هو السلوك البروليتاري الثوري الأصيل وأما النقد والمعرفة العلمية الماركسية هي أفكار "برجوازية-صغيرة".

قد ينطلق ذلك من نزعات تلقائية أنارشية أو شبه-أنارشية، تنتهي أمام حدود التلقائية في محافظة-جديدة. تغدو، في هذا الانحراف، الأفكار التقدمية والثورية التي تعبر عن مصالح البروليتاريا، غريبة عنها، والإيديولوجيا البرجوازية والبرجوازية-الصغيرة التي تديم الهيمنة الطبقية هي الفكر البروليتاري الأصيل. تصير بذلك بعض الجماعات المتمردة الهامشية الصغيرة والتيارات الليبرالية الجذرية ألد أعداء الشعب، في حين تختفي البرجوازية وقواها السياسية الحاكمة فعلا من الصورة. لهذه المشكلة راهنية كبيرة فهي جوهر ومحرك جل مساندي مسار 25 جويلية من اليسار. فلا يمكن المبالغة في التنبيه إليها.

 يتبع ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق