في الاشتغال النّظري وأسسه

 


إن الناظر إلى التاريخ الاجتماعي-السياسي القريب في تونس ليلاحظ أن  تعبئة الشوارع والساحات بالمتظاهرين والمعتصمين لم يكن في أغلب الأحيان بالأمر العسير، سواء كان ذلك بدعوى وتأطير من قبل تنظيمات سياسية ونقابية، أو كان عفويا.

ورغم ما يتطلبه فعل الاحتجاج من جهد بدني معتبر ووجودا جسديا في وقت ومكان محددين –علاوة على خطر القمع والإيقاف– فإن كل هذا لم يمنع مثلا ما يزيد عن 100 ألف شخص من أن يجوبوا، يوم 21 أكتوبر 2025، شوارع قابس مطالبين بإيقاف انبعاثات المجمع الكيميائي الخانقة وتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة وغيرها من المطالب العملية الواضحة. والأعداد الغفيرة التي نزلت إلى الشوارع من قبلهم منذ 2011 على الأقل في مناسبات عديدة تبرهن أن التعبئة الجماهيريّة وُجِدت متى توفّرت الظروف الملائمة

وإذا ما أضفنا إلى التعبيرات الاحتجاجية التي تقام في الشوارع، ربيبتها التي تنشر على الفيسبوك، فإن المُلاحِظ غير المطّلع قد يبهت من دوام الحال الذي تحتج ضده الناس في تونس، رغم كثرة وتنوّع أساليب هذا الاحتجاج وصوره. حتى أن المُطّلعين، بل قل إن المنخرطين أصلا في الشأن العام، قد بدؤوا يلاحظون أن التحركات الاحتجاجية في تونس قد ترهّل وجودها بينما هزُلَ تأثيرها، فأصيب من هؤلاء بالإحباط من أصيب، وبدّل منهم القلم من بدّل، بينما اكتفى غيرهم بترديد بعض الجمل والعبارات المريحة من نوع "المراكمة" أو "عدم ترك الساحة فارغة" في حالة من المسايرة النفسية اليائسة. من الجدير هنا التذكير ببعض "البديهيات" على غرار أنّ التعبئة مهما توسّعت وبلغت من أوج تصل إلى نقطة حرِجة تؤدّي إمّا إلى تحقيق المطالب/الأهداف التي وجدت من أجلها أو إلى انحسارها وتراجعها تدريجيّا. نظرا للسياق الرّجعيّ الرّاهن، كان الانحسار نتيجة طبيعيّة لبلوغ التعبئة حدودها القصوى وناهزت الحصيلة الصفر في أغلب الأحيان. مرّة أخرى، تثبت التجربة العمليّة أن التعبئة وحدها لا تكفي. 

يُمكن القول أن من ضمن تفسيرات حالة الهروب إلى الأمام هذه، اعتبار الاحتجاجات في تونس من قبل المنخرطين فيها أنها عماد العمل السياسي أو أنها "الممارسة السياسية"، بألف ولام التعريف والحصر.

هذا الاختزال للممارسة السياسة – التي تم نقدها في نص سابق²، تحاول جاهدة إخفاء فيل ضخم يقبع في غرفة العمل السياسي في تونس ألا وهو غياب التوجيه النظري والفكري لهذا العمل الذي يعتمد الحركة دون هداية، ويتخذ الوسيلة من دون اعتبار للغاية، فيتوه جرّاء غياب التفكير والعقلنة².

هكذا توضع الممارسة السياسية، في الفهم العام اليساري وخاصة الماركسي في تونس اليوم، على نقيض ما يسمّى بالتنظير. حيث أن هذا الأخير قد أصبح بمثابة مسبّة توجّه إلى من أراد تقديم فهم أو نقد ما أو حتى مجرد ملاحظات مبعثرة، فيواجه بجمل من قبيل "جاي تنظّر علينا". عجبا لقول كهذا يصدر عن ناس يدّعون التنظّم تحت راية ثلّة من أكثر المنظّرين إنتاجا للنظريات وتأثيرا بها في التاريخ الحديث!

يمكن تفهّم النفور من التنظير والمنظّرين لأسباب عدّة ناجمة مثلا عن ترسبات نفسية تاريخية تربط التنظير بصورة المثقف المتغطرس المتعالي على واقعه والمغترب عن مجتمعه ثقافيا وطبقيا، فضلا عن إرث ضخم من تقاليد وأساليب نقاش حالت دون أن تكون للنقاشات "الحامية" ثمارا واستتباعات عملية تجعلها ناجعة. نفور يصل في العديد من الأحيان إلى رفض للعلم والمعرفة جملة، بل ورمنسة للجهل بحجة أن الطبقات الشعبية لا تملك امتياز التعلّم والتثقّف لأن هذين الأخيرين قد أصبحا مجالا تحتكره النخب.

لكن مالذي يفسّر إذن شعبية وثائقي "أبوكاليبس الحرب العالمية الثانية" الذي كان يُعرَضُ في المقاهي ويلقى إقبالا كبيرا من بطّالة الليل وخدّامة الفجر؟ أو شعبية قنوات اليوتيوب والتيك توك التي تقدم محتويات علمية وتاريخية؟ بصرف النظر عن محتوى هذه البرامج والمعلومات التي تقدمها، فإن القابلية للتعلّم والتثقّف والرغبة في المعرفة موجودة لدى الجماهير، وإن ادّعاء غير ذلك ليس إلا ضربا من ضروب أطفلة (infantilisation) هذه الجماهير الذي يعود في نهاية الأمر إلى توجهات وصائية متعالية هي أيضا.

المهم، وبالعودة إلى الملاحظة التي انطلقنا منها حول تضخّم الفعل الاحتجاجي من دون تنظير يعقله، يأتي هذا النص للتذكير بمركزية النظرية في العمل السياسي الماركسي. تذكير وإن توجّه إلى شريحة واسعة من اليساريين والاشتراكيين، فإنه مخصوص للأفراد والجماعات التي لطالما ردّدت مقولة "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية".

ينقل انجلز عن هيغل في مكان ما بأن "الحرية هي إدراك الضرورة". تشير هذه المقولة إلى أن الإنسان لا يتحرر من القيود الطبيعية والاجتماعية التي تكبّله من دون أن يعي الشروط الضرورية التي جعلت من هذه القيود موجودة ومستمرة في الوجود. حينما تمكن الإنسان من فهم قوانين البيولوجيا والكيمياء، أصبح قادرا على مداواة الأمراض. وعندما توصّل إلى اكتشاف قوانين الفيزياء، صار متمكنا من الطيران. وهو عند دراسته للاجتماع البشري داخل حركته التاريخية، يصبح قادرا أكثر فأكثر على تجاوز الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة التي تحد من حريته نحو أوضاع أكثر تحررا. ومثلما أن الإنسان لم يتخلص من جميع الأمراض ولم تبلغ مركباته جميع المجرات، فإن سعيه نحو تحطيم قيود الاستغلال هو أيضا ميليّ (tendenciel) في سبيل التحرر من الضرورة الاجتماعية.

يشهد العالم في عصرنا الحالي انفجارا رهيبا للاختصاصات العلمية التي تغوص في أدق التفاصيل والمواضيع. ومن الصعب إنكار أن "عظمة" القوى "العظمى" في العالم من جهة، وقدرة القوى التي تصارعها من جهة أخرى،  كامنة في سعي كلتيهما الحثيث نحو التطور العلمي والتقني. أي أنه رغم صخب ما يسمى بـ"السرديات"³ التي ترجع الصراعات إلى عوامل إيديولوجية وثقافية وأخلاقية من نوع صراع الأديان والحضارات أو المذاهب السياسية أو الخير والشر والحق والباطل، فإنه حين يجدّ الجدّ، تكون اليد العليا والطولى لمن له القدرة على إدراك ضرورات الواقع والتعامل معها ماديا، لا بمنطلقات معيارية يتم خرقها عند اشتداد الصراع، مثلما حدث مؤخرا ومرارا للقانون الدولي.

ومن الملاحظ أن منطق "السرديات" هذا ومركزية الخطاب والمنطلقات المعيارية تحكم التفكير السياسي في تونس بشدة. لهذا تنتشر مقولات محاربة الفساد والحوكمة الرشيدة والاحتكام إلى القانون من دون أي اعتبارات للبنية التي جعلت من الأمور ماهي عليه. وأغلب الماركسيين أيضا لم يخرجوا عن هذه الجادة، فطغت الخطابة على عملهم السياسي بترديد الشعارات وحفظ الملخّصات واتباع توجيهات القيادات دون مساءلة أو تمحيص منهجي ومنطقي في النصوص التأسيسية وأمهات الكتب ودراسة الواقع كما هو.

ثم على مستوى أكثر تكثيفا، تنتشر فكرة شهيرة ترى بأن الاشتغال في العلوم الطبيعية – أو ما تسمى بالعلوم الصحيحة – لا ينتج سوى "تقنيين" لا يفقهون في السياسة شيئا، وإن انخرطوا فيها فإنهم سيتحولون في الأغلب إلى إسلاميين. وفي المقابل، تنتشر النكات السمجة عن "الباك لاتر"، وكأن النظام التعليمي في تونس يؤهّل علماء ذرّة من خرّيجي شعب العلوم الطبيعية. تفكير إحصائي سطحي لا يفرّق بين الارتباط (correlation) والسببية (causation). 

نحن نعارض بشدة التقسيم الوضعاني المسيّج للعلوم. لكننا لا نعارض العلم نفسه. إننا ندعو إلى توخي المنهج العلمي عند التعامل مع أي ظاهرة، طبيعية كانت أو اجتماعية. فيرتكز جزء مهم من تحليلاتنا على معطيات ملموسة قابلة للحساب والتقييم، لا فقط انطباعات وتحيزات وردود أفعال حينية.

نعود إذن إلى منطلق النص.

مالذي نعلمه عن الجماهير المحتجة؟ مالذي يدفعها إلى الاحتجاج فتبذل الجهد البدني والعقلي من أجل المطالبة بحقوقها أو استنكار ممارسات ما؟ هل حدّدنا العوامل التي تجعلها تنخرط بقوة في الاحتجاج؟ وهل فهمنا بالمقابل العوامل التي تثبّط عزيمتها في فترات زمنية معيّنة رغم وجود نفس الدوافع والممارسات التي دفعتها إلى الاحتجاج في فترات سابقة؟

هل فتحنا قنوات الحوار مع الجماهير كي نفهم ما يحرّكها وما يثبّطها؟ هل سألنا الناس عن همومهم واطّلعنا على مشاغلهم وطلبنا رأيهم أصلا؟ ثم ندّعي "الدفاع عن هموم شعبنا" وتبني منهجية ماركسية تصف نفسها بأنها اشتراكية علمية، ونحن لا نبذل الجهد والوقت الكافيين – أو بالأحرى لا نوجه جزءا من وقتنا وجهدنا المهدور في تحركات رمزية وصراعات افتراضية بيزنطية – من أجل دراسة واقعنا ومجتمعنا؟ 

لدينا من المؤلفات الأكاديمية التي تصدرها الجامعات التونسية والدراسات الميدانية التي قامت بها العديد من منظمات المجتمع المدني والتغطيات الصحفية وغيرها، ما يملأ رفوف مكتبة الإسكندرية. ولدينا من المعطيات الإحصائية التي ينشرها المعهد الوطني للإحصاء علاوة على المؤسسات الحكومية الأخرى المتخصصة (نشريات وزارة الفلاحة ووزارة المالية ووزارة التجارة…)، ما يُبنى عليه الكثير من الدراسات التحليلية الكمّية.

ماذا نعلم عن التشكيلة الاجتماعية في تونس اليوم والتناقضات التي تخترقها؟ ماذا نعلم عن القدرات الإنتاجية في البلاد من موارد طبيعية وبشرية وتكنولوجية؟ ماذا نعلم عن الإيكولوجيا والديمغرافيا، المكوّنين المادّيّين الأساسيين لأي اجتماع بشري؟

ماذا تعلّمنا من التجارب السياسية السابقة على مستوى التنظيم وفض النزاعات الداخلية والتعبئة الشعبية والدعاية والعمل النقابي؟ مالذي نعلمه عن التكتيكات الناجحة وتلك التي فشلت؟ مالذي نطرحه فيما يتعلق بتنظيم المجتمع وتخطيط الإنتاج وتحديد الخيارات الاقتصادية السياسية العامة؟

لو سلّمنا بأن الثورة تؤدي إلى التحرر والانعتاق، فإن التحرر والانعتاق لا يتحققان من دون إدراك ضرورات الوضع القائم، أي شروط وجوده واستمراره في الوجود، إدراك يفضي إلى استنباط السبل لتجاوزه.

هذا الإدراك لا يتحقق من دون رفع الجهل عن أنفسنا لأنه وبكل بساطة: لم ينفع أحدا قط !


-------------------------------

 

¹ يمكن الإطلاع على نص "ملاحظات حول المظاهرات"https://izmile.blogspot.com/2026/05/blog-post.html

² يشير لفظ العقل في اللغة العربية إلى العقال وهو الحبل الذي تكبح به الإبل من أجل التحكم في حركتها. أما في اللسان اللاتيني فإنها تحيل على الحساب أو ما يصطلح عليه بالتونسي الحكارأي المقياس والمكيال

³  للمفارقة مازال من المعلقين السياسيين العرب من يعتبرون الصــهــيونية "سردية" حتى بعد أن أسست دولة وجيشا وعلاقات دولية