من أجل نقاشات ماركسية أكثر عمقا ونجاعة



تحمل المجموعات والتنظيمات الماركسية التونسية إرثا مهما فيما يتعلق بظاهرة "النقاش". حتى أنه يقال عن عملية استقطاب أعضاء جدد إلى هذه المجموعات والتنظيمات: "نناقشوا معاه/ها". فالنقاشات عنصر أساسي في تنظم المجموعات اليسارية بصفة عامة والماركسية بالخصوص. حسبنا أن نعدد الاجتماعات الرسمية في تواترها ومدة انعقاد كل منها، والنقاشات التي تندلع في المقاهي والحانات والسهرات المنزلية، وصولا إلى الفايسبوك. هذه الظاهرة ليست تونسية خالصة، بل إن الإرث الماركسي، منذ ماركس نفسه، كان محمولا على الاشتباك الفكري والإيديولوجي مع الخصوم والحلفاء على حد السواء.

في الوقت الذي تشهد فيه النقاشات الماركسية، في تونس على الأقل، ركودا وعقما، بالإضافة إلى التشعب وقلة الجدوى، تأتي الحاجة إلى نقد هذه الممارسة من أجل دفعها نحو أن تكون أكثر فاعلية في بناء الرؤية والمشروع السياسي وأكثر نجاعة في استتباعاتها العملية، وذلك بغاية تقدم العمل السياسي الماركسي.

يتناول هذا النص ثلاث معضلات كبرى تعرقل تقدم النقاشات الماركسية المتداولة.

الأولى تتمثل في ضياع الوقت والمجهود في نقاشات لا استتباعات عملية لها، من حيث أنها لا تتجاوز النقاش من أجل النقاش. فهي لا تفضي إلى تطوير الأفكار والتأليف من أجل التجاوز، بل تبقى حبيسة لمنطلقاتها الأولى. ويظهر هذا المشكل بالخصوص في قلة توثيق النقاشات وما يترتب عن ذلك من تكرار سيزيفي يوحي بأن كل نقاش ليس إلا محاولة لإعادة اختراع العجلة.

أما المعضلة الثانية فتتعلق بأساليب النقاش العنيفة التي تشكلت بالتوازي مع تشكل التجمعات والتنظيمات الماركسية وتوارثتها الأجيال إلى أن صارت عاملا معيقا للتنظم نفسه.

في النهاية، يتطرق النص إلى منهج النقاشات وذلك من خلال تبيان مفهوم النقد في مستوياته الانفعالية السطحية، والذهنية الوصفية، وصولا إلى المستوى التحليلي العملي.

تثمين النقاشات والبناء عليها وبها

تتمثل المعضلة الأولى التي تشكو منها النقاشات داخل الأوساط الماركسية بضياع الأفكار سدى. فعلى الرغم من كثرة النقاشات بين الماركسيين وثرائها، فإن توثيقها قد صار شيئا نادرا. فالترددات الصوتية تضيع في الفضاء ويُنسى جُلُّ محتواها في الصباح المقبل إن لم تحفظ في حامل مادي كالنصوص المكتوبة أو التسجيلات الصوتية. هكذا تتحول هذه النقاشات إلى فعل سيزيفي لا تتحقق غايته. إذن، ودون الدخول أصلا في محتوى هذه النقاشات، يتبيّن لنا، بكل أسف، أن جهودا كبيرة تضيع هكذا دون أن تبني، أو أن توفر على الأقل مواد بناء لمن يعتزمون البناء النظري والسياسي.

يمكن أن نستشعر خطر نقص توثيق النقاشات بالنظر إلى مصير النقاشات التي خاضتها الأجيال السابقة. وفقا للظروف التي عاشت فيها هذه التنظيمات، كان توثيق الأفكار والنقاشات أكثر تداولا وشيوعا، سواء تعلق ذلك بالنصوص التأسيسية أو بإصدار المواقف أو بالاشتباك الفكري مع تنظيمات أخرى. إلا أنه وعلى الرغم من بعض المحاولات المتفرقة التي حاول القيام بها بعض المنخرطين في هذه التنظيمات أو الباحثين لجمع الوثائق التاريخية التي أصدرتها التنظيمات الماركسية في تونس، فإن الغموض مازال يشوب تاريخ تكوين هذه التنظيمات وعملها ومصائرها. مثلما أن النصوص التي تناولت أفكارها ومواقفها ونقاط الاختلاف بينها مازالت رهينة الإهمال أو نزعات ذاتية لاحتكارها، رغم خروج هذه التنظيمات من عتمة السرية.

هذه المعضلة لا تهم الباحثين الأكاديميين فقط، بل إنها تؤثر بشكل كبير على سير النقاشات الحالية وعلى محاولات بناء الفكر والممارسة من قبل الماركسيين المعاصرين. لا شيء ينشأ من عدم ولا شيء يستحيل عدما، فالجهل بسيرورة التاريخ يؤدّي إلى العجز أمام صيرورته. بالطبع، تختلف الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية من فترة إلى أخرى، إلا أن دراسة المسارات التي تم اتخاذها ولم تجدي يساعد على استنباط المسارات التي لم تُتَّبَعْ بعدُ وتُظهر جدوى. إذن فإنه من الناقص أن يتم بناء الجديد من دون نقد القديم بغاية تجاوزه، وذلك يتطلب اطلاعا على هذا القديم وفهما له.

نعود الآن إلى نقاشات اليوم، التي يعوزها التوثيق أكثر من سابقاتها، حيث يطغى فيها الكلام المباشر على الكتابة الجدّيّة – أي الكتابة التي تتجاوز مجرد مناشير على الفايسبوك.

من طبيعة الأمور أن يكون النقاش الكلامي المباشر أسهل من فعل الكتابة لوجيستيا وذهنيا. كما أن للنقاشات الكلامية المباشرة دور في اختبار الأفكار التي تجول في الذهن، يتم الانطلاق منها لبلورة رؤية أوضح وأكثر هيكلة. يمكن إذن اعتبار النقاش الكلامي المباشر مسودّة أولى، ينتبه فيها صاحبها إلى منطلقات تفكيره ومنهجيته، بل وحتى جدوى ذلك التفكير أصلا.

لكن وللأسف، فإن المرحلة التي تلي النقاش الكلامي المباشر، أي مرحلة تحرير هذه المسودة الأولى – تحريرها في نص أو خطاب منهجيين، كما تحريرها من الاندفاع والانطباع والمواجهة الحينية – هذه المرحلة تبدو شبه معدومة في وقتنا الحالي. فالنقاشات بين الرفاق تنتهي حينما تبدأ وحيثما بدأت، أي أنها لا تتجاوز المنخرطين فيها، وإن فعلت فهي تتحول إلى محض ذكريات أو إلى مجرد نميمة، هذا إذا لم يصل الحد إلى الخصومة حول ادعاء القول أو الاتهام بالقول.

تتجلى هنا وظيفة أخرى ذات أهمية كبرى للنقاشات الكتابية. إذ علاوة على وظيفتها في حفظ الأفكار في حامل مادي، تتميز الكتابة بكونها ممارسة منظمة وممنهجة للتفكير. فالكتابة تجنب الانفعال، أي أنها تطيل المدّة بين ولادة الفكرة وبلورتها. الكتابة تربّي الأفكار بشكل ما. تتيح الكتابة لمستعملها فرصة التعامل مع أفكاره لمدة أطول. بمعنى أن النظر إليها رأي العين يديم الإطلاع عليها من مجرد تذكّرها عندما جالت في ذهنه أو حين لفظها في الهواء. تمديد مدة النظر في الأفكار يتيح المجال لمراجعتها وإعادة صياغتها وتغييرها أو حتى التخلي عنها.

على صعيد آخر، مثلما تتيح الكتابة الوقت للأفكار كي تتخمر وتتبلور، يحث كل من المجهود المبذول في الكتابة من جهة، والمسؤولية التي تنجر عن النشر والوصول إلى الناس من جهة أخرى، يحثّان من يمارس فعل الكتابة على البحث والتدقيق والتثبت من المعلومات، فتصبح بالمناسبة الكتابة نفسها دافعا للقراءة والاطّلاع.

ثم على الجانب المقابل، فإن النقاشات القائمة على الكتابة، تتيح لمتلقّي القول بأن يطّلعوا عليه في مدة أطول من نقاش كلامي مباشر وما تتيحه تلك المدة أيضا من فرص للتأني والرويّة وتجنب ردود الأفعال المتسرعة، علاوة على فرصة التثبت من صحة المعطيات المدرجة في النصوص حتى لا يقع المرء في التشكيك الانفعالي أو التسليم الساذج.

خلاصة القول عند هذا الحد هي التشديد على أهمية تثمين الجهود التي يبذلها الماركسيون عند ممارستهم للتفكير الجماعي، فيتجنبون بذلك إضاعة الوقت والجهد في نقاشات من أجل النقاش، خاصة عندما يطرحون على أنفسهم البحث عن سبل للفعل السياسي.

في أساليب النقاش

تتسم بعض النقاشات بين الماركسيين، خاصة داخل التنظيمات محكمة التنظيم إلى درجة ما، بالتسلط الذي يصل إلى حد العنف المعنوي وأيضا الجسدي.

فالبناء التراتبي لعدّة من التنظيمات قد جعل العديد من المنتظمين – خاصة الجدد منهم – لا يجدون مكانا أو آذانا لآرائهم، فيحسون بالاغتراب عن تنظيماتهم، مما يدفعهم إلى مغادرتها، هذا إن لم يصل الحد إلى التخلي عن وسائل التحليل السياسية الماركسية نفسها، بل والعزوف عن الاهتمام بالشأن السياسي أصلا.¹

هذه التراتبية التسلطية مهّدت الطريق لآليات عنيفة في النقاشات والتي كان يتم تبرير اللجوء إليها بالانضباط واحترام المقامات والتاريخ النضالي وغيرها من أساليب الابتزاز العاطفي والأخلاقي والتلاعب النفسي. هذا التسلط لم يكن محصورا داخل التنظيم الواحد، بل كان ممتدا بين التنظيمات أيضا. ولأن النقاشات لم تكن مفتوحة وديمقراطية داخل التنظيم الواحد، فقد يصل الأمر بين عناصر قاعدية من تنظيميْن متخاصميْن أن ينعتوا بعضهم البعض بنعوت سلبية دون أن يعلموا أسس الخلاف النظري أو السياسي بين الطرفين أصلا.²

بما أن ردة الفعل تحمل شيئا من الفعل، فيشارك الأخير في تحديد شدة الأولى واتجاهها، كان الرد على هذه التراتبية التسلطية في التنظم وبعض الأساليب العدوانية في الحوار متمثلا في لجوء العديد من التجمعات والتنظيمات اليسارية/الماركسية المعاصرة إلى اعتماد آليات تنظم وحوار نقيضة تماما لهذا الموروث. نقيضة بمعنى أن التنظم العمودي أصبح أفقيا، وأساليب التعامل أضحت محفوفة بالحذر الشديد، حتى صارت العديد من النقاشات معطّلة والقرارات مهتزّة.

لا يمكن لأحد يعتليه عقل أن يكون ضد المُسايسة والرفق في النقاشات وفي العمل السياسي الجماعي، ليس مع الرفاق فقط بل مع جميع الناس والكائنات. لكن ما يدعو إلى الحذر من هذا التمشي هو أن تتحوّل المسايسة إلى شمّاعة للتقاعس وتعلّة لمنع النقد الصريح، إن لم نقل لمنع الصراحة نفسها. تمشٍّ قد يؤدي إلى انزلاقات قد تمنع تصحيح الأخطاء وتقويم الانحرافات، مادامت العلاقات بين الرفاق لطيفة وما دام الرفاق طيّبي القلب. إذ حسب الرفيق أن لا ينطق عيبا، وما عليه حرج فيما يتعلق بممارسته السياسية أو تصوراته الإيديولوجية…

"صحيح هو محابسي أما قلبه طفل صغير". 

بالطبع نحن لا ندعو إلى التقاتل بين أفراد المجموعة الواحدة، مثلما لا ندعو لأن تكون القلوب قاسية والمنطق عادما، لكننا نرى في نفس الوقت أن النقد الصريح الذي يضع صوب عينيه غايات أوسع من الذوات ونزواتها الضيقة هو الوسيلة الأنجع للتطور والتقدم بالتفكير والنقاش والممارسة. فكل اجتماع بشري لا ينبني على الصراحة والمحاججة، لا يدوم ولا يتقدم، بل يؤدّي إلى تأسيس تحالفات ضعف قابلة للانفجار الداخلي قبل التعرض إلى الهجوم الخارجي حتى.

من جهة أخرى، يمكن النظر إلى النقد والنقد الذاتي سواء كان داخل التنظيم الواحد أو بين عموم الرفاق على كونه تمرينا مهما بينهم يمكنهم من تطوير قدراتهم الحجاجية ويعمق فهمهم للأفكار التي يتبنونها فيتجهزون بذلك لطرحها على الناس ومحاججة أطراف النظام القائم والخصوم السياسيين بصفة عامة.

نتحدث طوالا عن النقد سواء في نقاشاتنا العامة كما في هذا النص. لذا فمن المهم أن نتعرض لهذا المفهوم بالدرس.

في النقد

يحتل مفهوم النقد منزلة هامة داخل المدرسة الماركسية. وجه ماركس منذ بدايات انخراطه في الكتابة نقدا لفلسفة الحق لدى هيغل وتوّج مسيرته الفكرية بنقد الاقتصاد السياسي. وللمفارقة، فإن أول تعاون في الكتابة بين ماركس وإنقلز كان في كتاب "العائلة المقدسة" الذي يحمل عنوانه الفرعي إسم: "نقد النقد النقدي". ضرب لغة ألماني يعني. واستمر التقليد النقدي لدى الماركسيين، لا فقط تجاه أفكار غيرهم، بل تم توجيهه أيضا ذاتيا سواء كان ذلك شخصيا أو تجاه التنظيم أو بين عموم الماركسيين.

ولاعتبارات عديدة من أهمها تراجع النقاشات النظرية الجدية بين الماركسيين، شاب مفهوم النقد بعض الغموض وأصاب فهمه بعض الخلط. لهذا، ولتجنب الدخول لا وسّع لا بالك في نقاش فلسفي معقد، سنعرّف النقد، في مرحلة أولى، بكونه "النظر في أفكار أو أفعال ما، إبداء الرأي فيها، وتجاوزها".

الدارج في النقاشات غير الصحية والتي تعوزها الجدّيّة، أن يكون النظر في الأفكار والأفعال سريعا وسطحيا. ويحدث ذلك بصفة عامة في النقاشات الصاخبة المشحونة، في العرك يعني. فلا يقع الغوص في موضوع النقاش من داخله، ويطغى بالتالي الاعتماد على منطلقات خارجية عن الموضوع، تكون منبثقة في الأغلب عن منظومة أحكام أخلاقية أو ذوقية، تُصَبُّ في النقاش صبّا. وفي أحيان كثيرة، وعلى الرغم من أن موضوع النقاش لا يخضع لهذه المنظومات، فإن المشاركين في النقاش يصرون على إخصاعه لها. كأن نفسر مثلا انفجار رضيع بالبكاء، جراء الجوع أو الألم، بقلة الأدب أو قبح الصوت أو عدم تحلّيه بالصبر. هذا النقد لا ينطلق من المنطق الداخلي الذي دفع الرضيع إلى البكاء، أي الألم أو الجوع وطريقة التعبير عنهما، بل من منطلقات خارجية تقبع في عقل الملاحظ.

ثم على مستوى أكثر تقدما من النظر في الأفكار والأفعال، تتحلى بعض النقاشات بالهدوء السلبي إلى درجة تجعلها تنتهي بمقولات من نوع "نتفق على أن لا نتفق" أو "الباهي والخايب في كل بلاصة"³. يتميز هذا النوع من النقد بكونه مدرسيا مصندقا، من نوع "عدّد إيجابيات وسلبيات شيء ما" فتكون الاستنتاجات من قبيل "هذا الشيء سلاح ذو حدين". هذا النوع من النقد متقدم بالضرورة عن سابقه في كونه يحاول، ولو بطريقة سطحية، فهم الأشياء بتروٍّ وإعطاء كل ذي حق حقه، متجنبا بذلك الأحكام العامة الأحادية، لكنه لا يؤدي إلى استتباعات عملية تبني على موضوع النقاش وتتجاوزه. نقد لا يبارح مستوى وصف الظاهر من الأشياء دون الغوص في تحليلها.

يؤدي إذن النوع الأول من النقد إلى تعزيز الشعور بالسخط والمرارة التي تؤدي في الغالب إلى العجز عن التعامل مع الموضوع المنظور في أمره. بينما النوع الثاني فهو نقد للأشياء في ثباتها الوصفي لا في حركتها التحليلية وتفاعلها مع نفسها ومع غيرها، يستتبعه ضعف في القدرة على مجاراة الواقع المتحرك بالضرورة. وتلك المُحافظة في معناها المجرد.

أما بالنسبة إلى النقد بمعناه الفلسفي فهو ببساطة: فهم الشيء وحدوده من خلال النظر في منطقه الداخلي الذي يحكم وجوده وحركته. فهمٌ يمنحنا القدرة على التعامل مع الموضوع عمليا. فالنقد في نهاية المطاف ليس إلا تنطيقا لمنطق الأشياء، يجعلنا قادرين على تفهّم دوافعها، مما يتيح لنا من بعد التحكم فيها وتطويعها أو التعجيل في فنائها.

نقد ماركس للاقتصاد السياسي كان في نهاية التحليل فهما عميقا للمنطق الداخلي الذي يقوم عليه نمط الإنتاج الرأسمالي. لم يكن في خصومة أخلاقية مع آدم سميث أو ديفيد ريكاردو، بل كان مقدّرا لمجهوداتهم الفكرية. ولم يكن يدرس الاقتصاد السياسي مبيّنا جوانب الرأسمالية الجيدة – وقد فعل ذلك مرارا منذ البيان الشيوعي – وجوانبها السلبية فحسب، بل كان يتتبع حركة نمط الإنتاج هذا من داخل منطقه الخاص إلى أن كتّفه بحبل تناقضاته الاجتماعية (أزمات إعادة إنتاج اليد العاملة) والاقتصادية (ميل معدلات الأرباح إلى الهبوط) والإيكولوجية (استنزاف الموارد فوق قدرتها على التجدد وتلويث المحيط فوق قدرته على الرسكلة). فكان الاستنتاج العام، من داخل منطق الرأسمالية نفسها، بأن هذا النظام متأزم وعلى البشرية أن تدخل التاريخ من خلال تجاوزه. هذا التجاوز نفسه محمول على عاتق الفئة الاجتماعية التي خلقها نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه بمنطقه وقوانينه، وهي البروليتاريا، التي لا يستنزفها فقط بل ينظّمها أيضا سياسيا داخل مراكز العمل وفي المجتمع.

في النهاية، علاوة على فاعلية هذا النوع المتقدم من النقد والإمكانات العملية التي يقدمها للعمل السياسي، فهو أيضا يوفر نوعا من الحماية النفسية للأشخاص والجماعات من السقوط في اليأس والعدمية. فهو يكبح الانفعالات غير الصحية التي توقع في خطأ التقدير إما عن تسرع أو تراخٍ.

ختاما،

مازالت النقاشات بين الرفاق والتنظيمات وستظل عنصرا من عناصر تكوين الرؤية والمشروع السياسيين. إذن فإنه من دون تطويرها ومعالجة أساليبها الضارة والمعيقة، ستبقى عملية البناء الفكري والسياسي الماركسي مختنقة بتناقضاتها الداخلية سائرة بقدميها نحو فنائها. يمكن القول بكل أريحية إحصائية أن المدرسة الماركسية أكثر المدارس السياسية المعاصرة التي راكمت أفكارا ونظريات وتجارب. إذن فإن المهمة الموكولة على عاتقنا اليوم هي العمل على تأليف منهجي يتلاءم مع واقعنا الملموس. أول خطوة في هذا الاتجاه: تعميق النقاشات وتفعيل استنتاجاتها.


_____________________

 

¹ من الحري بالمناسبة أن تنجز دراسات جدية حول الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها العديد من التجارب التنظيمية الماركسية خاصة على الشباب والنساء

² لعل من أشهر المسبّات التي يرمي بها الماركسيون بعضهم البعض هي "التحريفية". لن ندخل هنا في الجدال بأن هذا المفهوم نفسه يشكو من مثالية صارخة تجعل من النظرية الماركسية ومنهجها المادي التاريخي دوغما تطغى عليها نزعات نصوصية ومدرسية متصلبة. هذا بالطبع علاوة على ترجمة المفهوم إلى اللغة العربية وما تحمله تلك الترجمة من إحالات دينية

³  بالطبع هناك نقاشات بيزنطية لا تصل إلى انفراج، أو لعل انفراجها في كونها غير قابلة للانفراج في الوقت الحالي أو بين الأشخاص الذين يناقشونها.

صائفة لا تنسى



لم تعد التغيرات المناخية التي نشهد آثارها بازدياد كل سنة منحنيات رياضية وسيناريوات محتملة فقط أو مجرد موجات متباعدة من الحرارة الشديدة التي ترطّبها المكيفات أو حرائق تشتعل جزافا في الغابات الجبلية تتلقفها خراطيم الحماية المدنية.


نزلت آثار هذه الظاهرة من تجريدها النظري وتواترها اللحظي إلى واقع نلمسه بشكل متكرر، على الأقل خلال فصل الصيف. فانقطاعات الماء في المنازل التي تتزامن في العديد من الأحيان مع انقطاعات الكهرباء لم تعد حوادث متباعدة. أصبحت في عديد الأحيان تهدد حياة الناس، ووقع أن أزهقتها في المستشفيات والسجون. هذا علاوة عن تداعيات انقطاع الطاقة الكهربائية عن المنشآت الاقتصادية وما يستتبع ذلك من اضطرابات في الإنتاج والتوزيع والتزويد.


من جهة أخرى زاد على جفاف الحنفيات، أزمة في توفير المياه المعدنية المعلبة. في حين أن جزءا من هذه الأزمة يعود إلى مشكلة عالمية في التزود بأحد المكونات لصناعة القوارير البلاستيكية متعلقة بالحرب على إيران وتضييقها على مضيق هرمز، فإن السياسة التجارية البوليسية زادت الطين بلة. إذ بسبب هرسلة تجار الجملة باسم محاربة "الاحتكار" (أي المضاربة)، انخفض التخزين.


نريد الرأسمالية لكن دون مضاربة! فنتعامل مع المشاكل الاقتصادية من منطلقات أخلاقية، حيث نتوهّم بأننا سنغير من بنية اجتماعية لها منطق حركة بمجرد محاربة الفساد والسرقة والاحتكار والمضاربة عبر تطبيق نصوص قانونية وفرض الالتزام بها. دولة الرأسمالية، تسن قوانين تتنافى مع قوانين هذه الرأسمالية نفسها، ثم تتفاجأ من المشاكل التي تنجر عن ذلك.


إذن وبحلول فصل الحر، عمَت تداعيات الأزمة أغلب المناطق ومست قطاعات اجتماعية ممن يتسع تأثيرهم ويصدح صوتهم فصارت المشكلة وطنية بالفعل، حيث أنها لم تقتصر على من همشتهم الدولة الوطنية بل طالت أيضا المجموعات المندمجة فيها.


وليست موجات الحرارة – التي أصبحت أقوى وأطول كل صائفة – بالكارثة الطبيعية التي يصعب توقّعها. كما أن تداعياتها ليست بالعشوائية. يخضع قياس درجات الحرارة والرطوبة، والتصرف في التيار الكهربائي والموارد المائية لقواعد الحساب، مما يخول تخطيط الإنتاج والتوزيع والتخزين والاستهلاك والتحكم فيها. يعني أنه على الرغم من ظهور الأزمة في شكل كارثة طبيعية وصعوبات تقنية، فإن كيفية التعامل معها وتجنبها أصلا، مسألة اجتماعية خاضعة بالضرورة لخيارات سياسية.


تقف هذه السياسة وراء انقطاع الكهرباء والماء في المنازل والمستشفيات والمنشآت الاقتصادية، وهي التي تقف عائقا أمام تفادي الحالات القصوى التي أدت إلى وفاة المرضى والمسنين، وهي التي تسببت في وفاة العديد من المساجين جراء الحرارة والعطش والاكتظاظ وظروف الإقامة السيئة بصفة عامة.


ورغم الاحتقان الاجتماعي الشديد الذي خلفته الأزمات المتتالية خلال هذه الصائفة، إلا أن جزءا كبيرا منه قد انحصر في استعراض رقمي لدوامة نفسية جماعية. في المقابل، ظل ممثلو الحكومة قليلي الظهور والكلام خلال هذه الفترة. أمر مفهوم بسبب عجزهم وخوفهم من الغضب الشعبي وانعدام مشروعيتهم السياسية أصلا. فهم اداريون تحت إمرة  الممثل السياسي الفعلي للشعب: الرئيس. فلم يلق هذا الأخير بالا للتقارير التي قدمها المسؤولون في كل من الستاغ والسوناد، مرجعا أسباب كل شيء إلى المؤامرة الداعية لتأجيج الأوضاع. أكثر مما هي مؤججة!


لا نعرف إن كان كلامه يعود إلى عجز تام عن الاستماع حتى لوزرائه ومديريه العامين أو عن انعدام قدرة أستاذ القانون الدستوري عن فهم طرق اشتغال الواقع المادي أو عن ارتياب غير عقلاني من المؤامرات. يوجد احتمال آخر أكثر خطورة ولا يقل جدية: قد تنم هذه التصريحات عن احتقار دفين للشعب التونسي من قبل رئيس يظن أنه قادر على التلاعب به بمثل هذه الذرائع للحفاظ على سلطته.

كيف وصلنا إلى هنا؟


وصل الترتيب الاجتماعي القائم إلى درجة عالية من الاختناق تجعله غير مخوّل كي يستنبط من داخله حلولا عقلانية في مواجهة الأزمة الاجتماعية.وفعلا صار أغلب الناس مقتنعين اليوم أن السلطة الحاكمة، مكثفة في رئيسها، عاجزة عن حل مشاكلهم وتحسين حياتهم.


يتطلب حل المشاكل وتغيير الأوضاع فهم مسبباتها. توحي الديماغوجية الليبرالية ربيبة "الشعبوية" الحاكمة أن مسار 25 جويلية أو قيس سعيد هو سبب الكوارث التي نعيشها. هذا تشخيص خاطئ سيؤدي إلى علاج خاطئ.


يعود نقص الاستثمار في الطاقة الكهربائية إلى سنة 2015 على الأقل عندما شُرِّع لفتح سوق رأسمالي لإنتاج الطاقة في اتجاه التعويل على الاستثمار الربحي الخاص (وخاصة الخارجي) في القطاع.


تراجعت جودة ماء الحنفية هي الأخرى منذ سنين طويلة بسبب نقص الإنفاق على معالجته وصيانة البنية التحتية للتوزيع. نتيجة لذلك، صار الإقبال على الماء المعدني المعلّب جماهيريا ودائما. هذا شكل غير مباشر لخوصصة الموارد المائية. من جهة أخرى، مازال في البلاد حوالي 186 ألف نسمة  غير مرتبطين بشبكة المياه "الصالحة للشراب" إلى حدود 2024. تجدر الملاحظة هنا أن نسبة التزود ارتفعت من 85 إلى 96٪ بين 1994 و2004 ولم تتجاوز 98.4٪ سنة 2021.


لا تختلف الأمور بالنسبة للصحة حيث قُسمت المنظومة بخطوط طبقية واضحة. تنفق العملة الخارجية التي يحققها عمالنا وفلاحونا لتجهيز مصحات خاصة للأثرياء. بالمقابل تجد الطبقات الشعبية مستشفيات عمومية في حالة سيئة جراء الحرمان من التمويل ونقص التجهيزات والموظفين.


 تعاني الحماية المدنية وإدارات الغابات وغيرها من القطاعات التي تصعب خوصصتها مباشره من نفس النقص في الموارد والموظفين.


ما نعيشه منذ سنين هو انهيار بناء اجتماعي نتيجة تآكله تدريجيا لقرابة أربعة عقود من التقشف النيولبرالي في الإنفاق العمومي. تجلى هذا الانهيار منذ ثورة 2010-2011  لكنها فشلت في ترميمه وحتما في التمخّض عن شيء جديد. تواصلت بعدها السياسات النيولبرالية بل اتسعت وتعمقت. ففقد نتيجة ذلك الشكل البرلماني لتنظيم سلطة رأس المال التابع مشروعيته سريعا.


لم يغير انقلاب 2021 موازين الهيمنة الطبقية بل لعل سياساته قد وجهت أقسى الضربات لقاعدته الاجتماعية الأصلية المتمثلة في البرجوازية-الصغيرة بقانون الشيكات والتضييق على التجارة باسم محاربة المضاربة مثلا.


تمثلت وظيفته في إعطاء مشروعية جديدة-قديمة لنفس الدولة الرأسمالية الطرفية، عبر شخصية أستاذ قانون مستقيم ومتخلق سيحارب فساد الأحزاب والإدارة. هذه نفسها عناصر من الخطاب النيولبرالي الذي مهد لصعوده. بالتماشي مع هذه المشروعية الإيديولوجية الجديدة أعيد تنظيم الحكم في شكل رئاسي.


تعود إذن أسباب ما عشناه هذه الصائفة من كوارث إلى أمور بنيوية أبعد من قيس سعيد وحكوماته، إلى أربعين سنة من النيولبرالية. لا يصح اعتبار هذا المشروع السياسي والاقتصادي خصوصية وخيارا تونسيا. نتج بالعكس عن اختلال موازين القوى الطبقية على مستوى عالمي لصالح رأس المال الإمبريالي. ليست الدول الطرفية مثل تونس وطبقاتها الرأسمالية في موقع المبادرة بل كان عليها أن تتأقلم خضوعا لضغوطات التوجه الجديد لمراكز مراكمة رأس المال.


كارثة عالمية


أبعد من النيولبرالية وما تحمله من تدهور للخدمات العمومية، ترجع الأزمة الصيفية المركبة التي شهدناها، في جذرها الأساسي إلى ظاهرة عالمية أخرى معروفة أكثر ومنتظرة ومعلنة منذ زمن: الكارثة المناخية.


على الرغم من ذلك، تنضح مواقع التواصل الاجتماعي بانغلاق إيديولوجي قومي، ظهر في شكل جلد للذات وندب وبكاء على "تونس" و"ما آلت إليه بلادنا".من الغريب في عصر أنترنات والاندماج العالمي المتقدم أن لا يرى الناس، وخاصة الطبقات الوسطى "المنفتحة"، الطبيعة العالمية للأزمة المناخية.


في إسبانيا، تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بالحرّ 5000 حالة . على المستوى الأوروبي، يقدر أن الحرّ تسبب في 12 ألف وفاة إضافية عبر 854 مدينة.


اضطرت شركة كهرباء فرنسا إلى تقليص إنتاج الطاقة النووية بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد، مما أدى إلى إغلاق عدة مفاعلات. كما تسبب عطل في محول كهربائي بمنطقة بريتاني بانقطاع التيار عن 68 ألف منزل. وفي إيطاليا وألمانيا، تسببت الأحمال الزائدة على شبكات الكهرباء في انقطاعات متفرقة. أدى حريق غابات في صقلية إلى انقطاع مياه الشرب عن نحو 20 بلدية إيطالية. وفي إسبانيا مجددا، أتى حريق ضخم على مساحة 32 ألف هكتار وأجبر 34 بلدية على الإخلاء.


ليست هذه سوى أمثلة سريعة من بلدان متوسطية جلها أكثر تقدما وقدرات من تونس وأقل حرا منها. حكوماتها ليست "شعبوية" بل حتى يسارية تقدمية كما في إسبانيا وأنظمتها ديمقراطية ليبرالية.


لا يصعب طبعا فهم وتفهم تعبير الناس عن غضبهم من المعاناة المعيشية المباشرة جراء الحر والعطش اللذين قد يضاف لهما المرض أو خسارة القوت اليومي إلى غير ذلك من المضاعفات. من الطبيعي أن يتوجهوا أولا إلى المسؤولين السياسيين الحاكمين.


لكن أي خطاب سياسي عقلاني وجدي حول المسائل المطروحة لا يستطيع التوقف عند هذا الحد. لا يعقل الحديث عن الصائفة المنقضية دون الحديث عن الكارثة المناخية ولا يمكن الحديث عن الأخيرة دون الحديث عن الرأسمالية. ومن نافل القول بالنسبة لنا أنها منظومة عالمية استقطابية بين مراكز مراكمة وأطراف استنزاف واستغلال. تسببت مراكز الرأسمالية في الأزمة المناخية. لسوء الحظ الجغرافي، تنتظر أسوء تداعياتها في المناطق التي تعتبر أطرافا (من وجهة نظر مراكمة القيمة لا الجغرافيا طبعا). وقد بدأنا نشهدها.


لا نسطيع إذن من تونس إصلاح المناخ. سيكون علينا التأقلم حسب القدرات التقنية والإنتاجية (وبالتالي المالية) المحدودة المتوفرة. نظرا لقربها الثقافي من بعض مراكز الرأسمالية يحدث أن تنسى بعض شرائح مجتمعنا هذا الواقع المادي.


زد على ذلك أزمة النيولبرالية الاقتصادية والسياسية المستمرة منذ سنين. من الانهيار المالي في 2008 والركود الاقتصادي إلى فيروس كورونا واضطراب سلاسل الإمداد العالمية وصعود التضخم، لم تعد الوصفات النيولبرالية قادرة على فهم الأمور ولا على مجاراتها بشكل يضمن استمرارها. ويبدو أن انفجار "فقاعة الذكاء الاصطناعي" المالية صار مسألة وقت.


فضلا عن مفاقمتها للصدمات الاقتصادية، تشير الحروب في أوكرانيا وإيران إلى اختلال التوازنات الإمبريالية القديمة ما يؤكده بأكثر بساطة الصعود الاقتصادي الصيني.


هذا هو العالم الذي نعيش فيه. أما طرح المشكلة كمشكلة "تونس" أو كمشكلة تونسية فسيؤدي حتما للحل الخطأ. فقد يكفي مثلا تبني "النموذج المغربي". أو قد يكون المشكل في "النخب" التونسية أو في الشعب التونسي (بلادنا باهية أما أحنا خايبين!). وهذه متاهة لا مخرج منها.


أما إن كانت المشكلة في الحكم القائم ورئيسه فيكفي تغيير الرئيس أو إرجاع الديمقراطية الليبرالية، لتنتهي انقطاعات الكهرباء والماء… وربما تنخفض معدلات الحرارة!


على العكس من ذلك نظن أن التحدي الذي يواجهنا يستدعي مراجعة شاملة في أنماط حياتنا. مرحبا بكم في بلد طرفي تحت مناخ الرأسمالية المتأخرة!


الآن وهنا

يتطلب الوضع تثويرا شاملا لأنماط حياتنا. ينطلق من تفاعلنا مع البيئة التي نعيش ضمنها مرورا بالإنتاج والاستهلاك عودة إلى انعكاساتهما على البيئة. تثوير لا يقل عن الخروج من الرأسمالية نحو الاشتراكية.


بشكل ملموس وعاجل يتطلب استثمارات كبيرة في الطاقات المتجددة وتوزيع الماء الصالح للشراب ومعالجته من جهة، وفي البنية التحتية والحماية المدنية وحرس الغابات وغيرها لتفادي الكوارث. في نفس الوقت يتوجب إنهاء التبذير الرأسمالي بمراجعة أنماط البناء والتبريد والتنقل والاستهلاك والاستخراج إلى غير ذلك.



كلام جميل. من يسمعه وإلى من سيصل؟ من سيقتنع به ومن سيطبقه؟ بتحليل مادي تاريخي بسيط، نعرف أنه يتناقض مع المصالح المباشرة لطبقات وشرائح وخاصة منها الطبقة الرأسمالية المهيمنة وحلفائها في البرجوازية-الصغيرة والطبقات الوسطى. في نفس الوقت، ونظرا لضعفنا الراهن نعرف أنه لا يصل إلى البروليتارية وعموم الطبقات الشعبية.يمر إذن الحد من تداعيات الكارثة المناخية في بلادنا، عبر سقوط الرئيس القائم، لكنه يتجاوزه ولا ينطلق منه.



أنهت هذه الصائفة المشروعية الإيديولوجية لسلطة 25 جويلية. في شهرين اختصرت سنين من الصراخ السياسي والإيديولوجي المندد بقيس سعيد والمسار الذي أطلقه. بعد الأيديولوجيا يبقى للدولة العنف.



غير أن الأوراق الإيديولوجية للدولة التونسية لم تنته. لاحظ حتى بعض الليبراليين أن الجيش يحظى بمقبولية شعبية أكثر منهم وديمقراطيتهم. من الواضح أيضا أن الأيديولوجيا الإمبريالية السائدة لم تعد الديمقراطية الليبرالية وأن حلفاءهم من هذه الدول أقل استعدادا من الماضي لدعمهم.


في ظل هذه الموازين نستغرب من أي تفاؤل يمكن أن يثيره التفكير في سقوط السلطة القائمة في القريب العاجل. فجل السيناريوات المرجحة تنبئ بالأسوأ. لعل من المفيد تذكر إسقاط البرلمان. ألم يسد الوهم أنه سيعطي "نفسا" للبلاد؟! وفعلا أعطى نفسا لبضع أيام أو أشهر… قبل أن نصل للاختناق القائم.


أمام أزمة تاريخية للرأسمالية العالمية وفي وجه هذه الاحتمالات المفزعة نتساءل اليوم: أين هم الشيوعيون؟ 


فأما الانخراط في الحراك الديمقراطي الراهن فيساوي العمل على إعطاء السلطة للممثلين الليبراليين للبرجوازية التابعة. وأما السلبية والسخرية والتعالي على الواقع فليست من خصال الماركسيين.


ها نحن إذن نجدد الدعوة لنقاش برنامجي واستراتيجي وتنظيمي، والبحث تفكيرا وتجربة عن سبل الوصول إلى البروليتارية والطبقات الشعبية ببرنامجنا وتنظيمنا.