من أجل نقاشات ماركسية أكثر عمقا ونجاعة



تحمل المجموعات والتنظيمات الماركسية التونسية إرثا مهما فيما يتعلق بظاهرة "النقاش". حتى أنه يقال عن عملية استقطاب أعضاء جدد إلى هذه المجموعات والتنظيمات: "نناقشوا معاه/ها". فالنقاشات عنصر أساسي في تنظم المجموعات اليسارية بصفة عامة والماركسية بالخصوص. حسبنا أن نعدد الاجتماعات الرسمية في تواترها ومدة انعقاد كل منها، والنقاشات التي تندلع في المقاهي والحانات والسهرات المنزلية، وصولا إلى الفايسبوك. هذه الظاهرة ليست تونسية خالصة، بل إن الإرث الماركسي، منذ ماركس نفسه، كان محمولا على الاشتباك الفكري والإيديولوجي مع الخصوم والحلفاء على حد السواء.

في الوقت الذي تشهد فيه النقاشات الماركسية، في تونس على الأقل، ركودا وعقما، بالإضافة إلى التشعب وقلة الجدوى، تأتي الحاجة إلى نقد هذه الممارسة من أجل دفعها نحو أن تكون أكثر فاعلية في بناء الرؤية والمشروع السياسي وأكثر نجاعة في استتباعاتها العملية، وذلك بغاية تقدم العمل السياسي الماركسي.

يتناول هذا النص ثلاث معضلات كبرى تعرقل تقدم النقاشات الماركسية المتداولة.

الأولى تتمثل في ضياع الوقت والمجهود في نقاشات لا استتباعات عملية لها، من حيث أنها لا تتجاوز النقاش من أجل النقاش. فهي لا تفضي إلى تطوير الأفكار والتأليف من أجل التجاوز، بل تبقى حبيسة لمنطلقاتها الأولى. ويظهر هذا المشكل بالخصوص في قلة توثيق النقاشات وما يترتب عن ذلك من تكرار سيزيفي يوحي بأن كل نقاش ليس إلا محاولة لإعادة اختراع العجلة.

أما المعضلة الثانية فتتعلق بأساليب النقاش العنيفة التي تشكلت بالتوازي مع تشكل التجمعات والتنظيمات الماركسية وتوارثتها الأجيال إلى أن صارت عاملا معيقا للتنظم نفسه.

في النهاية، يتطرق النص إلى منهج النقاشات وذلك من خلال تبيان مفهوم النقد في مستوياته الانفعالية السطحية، والذهنية الوصفية، وصولا إلى المستوى التحليلي العملي.

تثمين النقاشات والبناء عليها وبها

تتمثل المعضلة الأولى التي تشكو منها النقاشات داخل الأوساط الماركسية بضياع الأفكار سدى. فعلى الرغم من كثرة النقاشات بين الماركسيين وثرائها، فإن توثيقها قد صار شيئا نادرا. فالترددات الصوتية تضيع في الفضاء ويُنسى جُلُّ محتواها في الصباح المقبل إن لم تحفظ في حامل مادي كالنصوص المكتوبة أو التسجيلات الصوتية. هكذا تتحول هذه النقاشات إلى فعل سيزيفي لا تتحقق غايته. إذن، ودون الدخول أصلا في محتوى هذه النقاشات، يتبيّن لنا، بكل أسف، أن جهودا كبيرة تضيع هكذا دون أن تبني، أو أن توفر على الأقل مواد بناء لمن يعتزمون البناء النظري والسياسي.

يمكن أن نستشعر خطر نقص توثيق النقاشات بالنظر إلى مصير النقاشات التي خاضتها الأجيال السابقة. وفقا للظروف التي عاشت فيها هذه التنظيمات، كان توثيق الأفكار والنقاشات أكثر تداولا وشيوعا، سواء تعلق ذلك بالنصوص التأسيسية أو بإصدار المواقف أو بالاشتباك الفكري مع تنظيمات أخرى. إلا أنه وعلى الرغم من بعض المحاولات المتفرقة التي حاول القيام بها بعض المنخرطين في هذه التنظيمات أو الباحثين لجمع الوثائق التاريخية التي أصدرتها التنظيمات الماركسية في تونس، فإن الغموض مازال يشوب تاريخ تكوين هذه التنظيمات وعملها ومصائرها. مثلما أن النصوص التي تناولت أفكارها ومواقفها ونقاط الاختلاف بينها مازالت رهينة الإهمال أو نزعات ذاتية لاحتكارها، رغم خروج هذه التنظيمات من عتمة السرية.

هذه المعضلة لا تهم الباحثين الأكاديميين فقط، بل إنها تؤثر بشكل كبير على سير النقاشات الحالية وعلى محاولات بناء الفكر والممارسة من قبل الماركسيين المعاصرين. لا شيء ينشأ من عدم ولا شيء يستحيل عدما، فالجهل بسيرورة التاريخ يؤدّي إلى العجز أمام صيرورته. بالطبع، تختلف الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية من فترة إلى أخرى، إلا أن دراسة المسارات التي تم اتخاذها ولم تجدي يساعد على استنباط المسارات التي لم تُتَّبَعْ بعدُ وتُظهر جدوى. إذن فإنه من الناقص أن يتم بناء الجديد من دون نقد القديم بغاية تجاوزه، وذلك يتطلب اطلاعا على هذا القديم وفهما له.

نعود الآن إلى نقاشات اليوم، التي يعوزها التوثيق أكثر من سابقاتها، حيث يطغى فيها الكلام المباشر على الكتابة الجدّيّة – أي الكتابة التي تتجاوز مجرد مناشير على الفايسبوك.

من طبيعة الأمور أن يكون النقاش الكلامي المباشر أسهل من فعل الكتابة لوجيستيا وذهنيا. كما أن للنقاشات الكلامية المباشرة دور في اختبار الأفكار التي تجول في الذهن، يتم الانطلاق منها لبلورة رؤية أوضح وأكثر هيكلة. يمكن إذن اعتبار النقاش الكلامي المباشر مسودّة أولى، ينتبه فيها صاحبها إلى منطلقات تفكيره ومنهجيته، بل وحتى جدوى ذلك التفكير أصلا.

لكن وللأسف، فإن المرحلة التي تلي النقاش الكلامي المباشر، أي مرحلة تحرير هذه المسودة الأولى – تحريرها في نص أو خطاب منهجيين، كما تحريرها من الاندفاع والانطباع والمواجهة الحينية – هذه المرحلة تبدو شبه معدومة في وقتنا الحالي. فالنقاشات بين الرفاق تنتهي حينما تبدأ وحيثما بدأت، أي أنها لا تتجاوز المنخرطين فيها، وإن فعلت فهي تتحول إلى محض ذكريات أو إلى مجرد نميمة، هذا إذا لم يصل الحد إلى الخصومة حول ادعاء القول أو الاتهام بالقول.

تتجلى هنا وظيفة أخرى ذات أهمية كبرى للنقاشات الكتابية. إذ علاوة على وظيفتها في حفظ الأفكار في حامل مادي، تتميز الكتابة بكونها ممارسة منظمة وممنهجة للتفكير. فالكتابة تجنب الانفعال، أي أنها تطيل المدّة بين ولادة الفكرة وبلورتها. الكتابة تربّي الأفكار بشكل ما. تتيح الكتابة لمستعملها فرصة التعامل مع أفكاره لمدة أطول. بمعنى أن النظر إليها رأي العين يديم الإطلاع عليها من مجرد تذكّرها عندما جالت في ذهنه أو حين لفظها في الهواء. تمديد مدة النظر في الأفكار يتيح المجال لمراجعتها وإعادة صياغتها وتغييرها أو حتى التخلي عنها.

على صعيد آخر، مثلما تتيح الكتابة الوقت للأفكار كي تتخمر وتتبلور، يحث كل من المجهود المبذول في الكتابة من جهة، والمسؤولية التي تنجر عن النشر والوصول إلى الناس من جهة أخرى، يحثّان من يمارس فعل الكتابة على البحث والتدقيق والتثبت من المعلومات، فتصبح بالمناسبة الكتابة نفسها دافعا للقراءة والاطّلاع.

ثم على الجانب المقابل، فإن النقاشات القائمة على الكتابة، تتيح لمتلقّي القول بأن يطّلعوا عليه في مدة أطول من نقاش كلامي مباشر وما تتيحه تلك المدة أيضا من فرص للتأني والرويّة وتجنب ردود الأفعال المتسرعة، علاوة على فرصة التثبت من صحة المعطيات المدرجة في النصوص حتى لا يقع المرء في التشكيك الانفعالي أو التسليم الساذج.

خلاصة القول عند هذا الحد هي التشديد على أهمية تثمين الجهود التي يبذلها الماركسيون عند ممارستهم للتفكير الجماعي، فيتجنبون بذلك إضاعة الوقت والجهد في نقاشات من أجل النقاش، خاصة عندما يطرحون على أنفسهم البحث عن سبل للفعل السياسي.

في أساليب النقاش

تتسم بعض النقاشات بين الماركسيين، خاصة داخل التنظيمات محكمة التنظيم إلى درجة ما، بالتسلط الذي يصل إلى حد العنف المعنوي وأيضا الجسدي.

فالبناء التراتبي لعدّة من التنظيمات قد جعل العديد من المنتظمين – خاصة الجدد منهم – لا يجدون مكانا أو آذانا لآرائهم، فيحسون بالاغتراب عن تنظيماتهم، مما يدفعهم إلى مغادرتها، هذا إن لم يصل الحد إلى التخلي عن وسائل التحليل السياسية الماركسية نفسها، بل والعزوف عن الاهتمام بالشأن السياسي أصلا.¹

هذه التراتبية التسلطية مهّدت الطريق لآليات عنيفة في النقاشات والتي كان يتم تبرير اللجوء إليها بالانضباط واحترام المقامات والتاريخ النضالي وغيرها من أساليب الابتزاز العاطفي والأخلاقي والتلاعب النفسي. هذا التسلط لم يكن محصورا داخل التنظيم الواحد، بل كان ممتدا بين التنظيمات أيضا. ولأن النقاشات لم تكن مفتوحة وديمقراطية داخل التنظيم الواحد، فقد يصل الأمر بين عناصر قاعدية من تنظيميْن متخاصميْن أن ينعتوا بعضهم البعض بنعوت سلبية دون أن يعلموا أسس الخلاف النظري أو السياسي بين الطرفين أصلا.²

بما أن ردة الفعل تحمل شيئا من الفعل، فيشارك الأخير في تحديد شدة الأولى واتجاهها، كان الرد على هذه التراتبية التسلطية في التنظم وبعض الأساليب العدوانية في الحوار متمثلا في لجوء العديد من التجمعات والتنظيمات اليسارية/الماركسية المعاصرة إلى اعتماد آليات تنظم وحوار نقيضة تماما لهذا الموروث. نقيضة بمعنى أن التنظم العمودي أصبح أفقيا، وأساليب التعامل أضحت محفوفة بالحذر الشديد، حتى صارت العديد من النقاشات معطّلة والقرارات مهتزّة.

لا يمكن لأحد يعتليه عقل أن يكون ضد المُسايسة والرفق في النقاشات وفي العمل السياسي الجماعي، ليس مع الرفاق فقط بل مع جميع الناس والكائنات. لكن ما يدعو إلى الحذر من هذا التمشي هو أن تتحوّل المسايسة إلى شمّاعة للتقاعس وتعلّة لمنع النقد الصريح، إن لم نقل لمنع الصراحة نفسها. تمشٍّ قد يؤدي إلى انزلاقات قد تمنع تصحيح الأخطاء وتقويم الانحرافات، مادامت العلاقات بين الرفاق لطيفة وما دام الرفاق طيّبي القلب. إذ حسب الرفيق أن لا ينطق عيبا، وما عليه حرج فيما يتعلق بممارسته السياسية أو تصوراته الإيديولوجية…

"صحيح هو محابسي أما قلبه طفل صغير". 

بالطبع نحن لا ندعو إلى التقاتل بين أفراد المجموعة الواحدة، مثلما لا ندعو لأن تكون القلوب قاسية والمنطق عادما، لكننا نرى في نفس الوقت أن النقد الصريح الذي يضع صوب عينيه غايات أوسع من الذوات ونزواتها الضيقة هو الوسيلة الأنجع للتطور والتقدم بالتفكير والنقاش والممارسة. فكل اجتماع بشري لا ينبني على الصراحة والمحاججة، لا يدوم ولا يتقدم، بل يؤدّي إلى تأسيس تحالفات ضعف قابلة للانفجار الداخلي قبل التعرض إلى الهجوم الخارجي حتى.

من جهة أخرى، يمكن النظر إلى النقد والنقد الذاتي سواء كان داخل التنظيم الواحد أو بين عموم الرفاق على كونه تمرينا مهما بينهم يمكنهم من تطوير قدراتهم الحجاجية ويعمق فهمهم للأفكار التي يتبنونها فيتجهزون بذلك لطرحها على الناس ومحاججة أطراف النظام القائم والخصوم السياسيين بصفة عامة.

نتحدث طوالا عن النقد سواء في نقاشاتنا العامة كما في هذا النص. لذا فمن المهم أن نتعرض لهذا المفهوم بالدرس.

في النقد

يحتل مفهوم النقد منزلة هامة داخل المدرسة الماركسية. وجه ماركس منذ بدايات انخراطه في الكتابة نقدا لفلسفة الحق لدى هيغل وتوّج مسيرته الفكرية بنقد الاقتصاد السياسي. وللمفارقة، فإن أول تعاون في الكتابة بين ماركس وإنقلز كان في كتاب "العائلة المقدسة" الذي يحمل عنوانه الفرعي إسم: "نقد النقد النقدي". ضرب لغة ألماني يعني. واستمر التقليد النقدي لدى الماركسيين، لا فقط تجاه أفكار غيرهم، بل تم توجيهه أيضا ذاتيا سواء كان ذلك شخصيا أو تجاه التنظيم أو بين عموم الماركسيين.

ولاعتبارات عديدة من أهمها تراجع النقاشات النظرية الجدية بين الماركسيين، شاب مفهوم النقد بعض الغموض وأصاب فهمه بعض الخلط. لهذا، ولتجنب الدخول لا وسّع لا بالك في نقاش فلسفي معقد، سنعرّف النقد، في مرحلة أولى، بكونه "النظر في أفكار أو أفعال ما، إبداء الرأي فيها، وتجاوزها".

الدارج في النقاشات غير الصحية والتي تعوزها الجدّيّة، أن يكون النظر في الأفكار والأفعال سريعا وسطحيا. ويحدث ذلك بصفة عامة في النقاشات الصاخبة المشحونة، في العرك يعني. فلا يقع الغوص في موضوع النقاش من داخله، ويطغى بالتالي الاعتماد على منطلقات خارجية عن الموضوع، تكون منبثقة في الأغلب عن منظومة أحكام أخلاقية أو ذوقية، تُصَبُّ في النقاش صبّا. وفي أحيان كثيرة، وعلى الرغم من أن موضوع النقاش لا يخضع لهذه المنظومات، فإن المشاركين في النقاش يصرون على إخصاعه لها. كأن نفسر مثلا انفجار رضيع بالبكاء، جراء الجوع أو الألم، بقلة الأدب أو قبح الصوت أو عدم تحلّيه بالصبر. هذا النقد لا ينطلق من المنطق الداخلي الذي دفع الرضيع إلى البكاء، أي الألم أو الجوع وطريقة التعبير عنهما، بل من منطلقات خارجية تقبع في عقل الملاحظ.

ثم على مستوى أكثر تقدما من النظر في الأفكار والأفعال، تتحلى بعض النقاشات بالهدوء السلبي إلى درجة تجعلها تنتهي بمقولات من نوع "نتفق على أن لا نتفق" أو "الباهي والخايب في كل بلاصة"³. يتميز هذا النوع من النقد بكونه مدرسيا مصندقا، من نوع "عدّد إيجابيات وسلبيات شيء ما" فتكون الاستنتاجات من قبيل "هذا الشيء سلاح ذو حدين". هذا النوع من النقد متقدم بالضرورة عن سابقه في كونه يحاول، ولو بطريقة سطحية، فهم الأشياء بتروٍّ وإعطاء كل ذي حق حقه، متجنبا بذلك الأحكام العامة الأحادية، لكنه لا يؤدي إلى استتباعات عملية تبني على موضوع النقاش وتتجاوزه. نقد لا يبارح مستوى وصف الظاهر من الأشياء دون الغوص في تحليلها.

يؤدي إذن النوع الأول من النقد إلى تعزيز الشعور بالسخط والمرارة التي تؤدي في الغالب إلى العجز عن التعامل مع الموضوع المنظور في أمره. بينما النوع الثاني فهو نقد للأشياء في ثباتها الوصفي لا في حركتها التحليلية وتفاعلها مع نفسها ومع غيرها، يستتبعه ضعف في القدرة على مجاراة الواقع المتحرك بالضرورة. وتلك المُحافظة في معناها المجرد.

أما بالنسبة إلى النقد بمعناه الفلسفي فهو ببساطة: فهم الشيء وحدوده من خلال النظر في منطقه الداخلي الذي يحكم وجوده وحركته. فهمٌ يمنحنا القدرة على التعامل مع الموضوع عمليا. فالنقد في نهاية المطاف ليس إلا تنطيقا لمنطق الأشياء، يجعلنا قادرين على تفهّم دوافعها، مما يتيح لنا من بعد التحكم فيها وتطويعها أو التعجيل في فنائها.

نقد ماركس للاقتصاد السياسي كان في نهاية التحليل فهما عميقا للمنطق الداخلي الذي يقوم عليه نمط الإنتاج الرأسمالي. لم يكن في خصومة أخلاقية مع آدم سميث أو ديفيد ريكاردو، بل كان مقدّرا لمجهوداتهم الفكرية. ولم يكن يدرس الاقتصاد السياسي مبيّنا جوانب الرأسمالية الجيدة – وقد فعل ذلك مرارا منذ البيان الشيوعي – وجوانبها السلبية فحسب، بل كان يتتبع حركة نمط الإنتاج هذا من داخل منطقه الخاص إلى أن كتّفه بحبل تناقضاته الاجتماعية (أزمات إعادة إنتاج اليد العاملة) والاقتصادية (ميل معدلات الأرباح إلى الهبوط) والإيكولوجية (استنزاف الموارد فوق قدرتها على التجدد وتلويث المحيط فوق قدرته على الرسكلة). فكان الاستنتاج العام، من داخل منطق الرأسمالية نفسها، بأن هذا النظام متأزم وعلى البشرية أن تدخل التاريخ من خلال تجاوزه. هذا التجاوز نفسه محمول على عاتق الفئة الاجتماعية التي خلقها نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه بمنطقه وقوانينه، وهي البروليتاريا، التي لا يستنزفها فقط بل ينظّمها أيضا سياسيا داخل مراكز العمل وفي المجتمع.

في النهاية، علاوة على فاعلية هذا النوع المتقدم من النقد والإمكانات العملية التي يقدمها للعمل السياسي، فهو أيضا يوفر نوعا من الحماية النفسية للأشخاص والجماعات من السقوط في اليأس والعدمية. فهو يكبح الانفعالات غير الصحية التي توقع في خطأ التقدير إما عن تسرع أو تراخٍ.

ختاما،

مازالت النقاشات بين الرفاق والتنظيمات وستظل عنصرا من عناصر تكوين الرؤية والمشروع السياسيين. إذن فإنه من دون تطويرها ومعالجة أساليبها الضارة والمعيقة، ستبقى عملية البناء الفكري والسياسي الماركسي مختنقة بتناقضاتها الداخلية سائرة بقدميها نحو فنائها. يمكن القول بكل أريحية إحصائية أن المدرسة الماركسية أكثر المدارس السياسية المعاصرة التي راكمت أفكارا ونظريات وتجارب. إذن فإن المهمة الموكولة على عاتقنا اليوم هي العمل على تأليف منهجي يتلاءم مع واقعنا الملموس. أول خطوة في هذا الاتجاه: تعميق النقاشات وتفعيل استنتاجاتها.


_____________________

 

¹ من الحري بالمناسبة أن تنجز دراسات جدية حول الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها العديد من التجارب التنظيمية الماركسية خاصة على الشباب والنساء

² لعل من أشهر المسبّات التي يرمي بها الماركسيون بعضهم البعض هي "التحريفية". لن ندخل هنا في الجدال بأن هذا المفهوم نفسه يشكو من مثالية صارخة تجعل من النظرية الماركسية ومنهجها المادي التاريخي دوغما تطغى عليها نزعات نصوصية ومدرسية متصلبة. هذا بالطبع علاوة على ترجمة المفهوم إلى اللغة العربية وما تحمله تلك الترجمة من إحالات دينية

³  بالطبع هناك نقاشات بيزنطية لا تصل إلى انفراج، أو لعل انفراجها في كونها غير قابلة للانفراج في الوقت الحالي أو بين الأشخاص الذين يناقشونها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق