لم تعد التغيرات المناخية التي نشهد آثارها بازدياد كل سنة منحنيات رياضية وسيناريوات محتملة فقط أو مجرد موجات متباعدة من الحرارة الشديدة التي ترطّبها المكيفات أو حرائق تشتعل جزافا في الغابات الجبلية تتلقفها خراطيم الحماية المدنية.
نزلت آثار هذه الظاهرة من تجريدها النظري وتواترها اللحظي إلى واقع نلمسه بشكل متكرر، على الأقل خلال فصل الصيف. فانقطاعات الماء في المنازل التي تتزامن في العديد من الأحيان مع انقطاعات الكهرباء لم تعد حوادث متباعدة. أصبحت في عديد الأحيان تهدد حياة الناس، ووقع أن أزهقتها في المستشفيات والسجون. هذا علاوة عن تداعيات انقطاع الطاقة الكهربائية عن المنشآت الاقتصادية وما يستتبع ذلك من اضطرابات في الإنتاج والتوزيع والتزويد.
من جهة أخرى زاد على جفاف الحنفيات، أزمة في توفير المياه المعدنية المعلبة. في حين أن جزءا من هذه الأزمة يعود إلى مشكلة عالمية في التزود بأحد المكونات لصناعة القوارير البلاستيكية متعلقة بالحرب على إيران وتضييقها على مضيق هرمز، فإن السياسة التجارية البوليسية زادت الطين بلة. إذ بسبب هرسلة تجار الجملة باسم محاربة "الاحتكار" (أي المضاربة)، انخفض التخزين.
نريد الرأسمالية لكن دون مضاربة! فنتعامل مع المشاكل الاقتصادية من منطلقات أخلاقية، حيث نتوهّم بأننا سنغير من بنية اجتماعية لها منطق حركة بمجرد محاربة الفساد والسرقة والاحتكار والمضاربة عبر تطبيق نصوص قانونية وفرض الالتزام بها. دولة الرأسمالية، تسن قوانين تتنافى مع قوانين هذه الرأسمالية نفسها، ثم تتفاجأ من المشاكل التي تنجر عن ذلك.
إذن وبحلول فصل الحر، عمَت تداعيات الأزمة أغلب المناطق ومست قطاعات اجتماعية ممن يتسع تأثيرهم ويصدح صوتهم فصارت المشكلة وطنية بالفعل، حيث أنها لم تقتصر على من همشتهم الدولة الوطنية بل طالت أيضا المجموعات المندمجة فيها.
وليست موجات الحرارة – التي أصبحت أقوى وأطول كل صائفة – بالكارثة الطبيعية التي يصعب توقّعها. كما أن تداعياتها ليست بالعشوائية. يخضع قياس درجات الحرارة والرطوبة، والتصرف في التيار الكهربائي والموارد المائية لقواعد الحساب، مما يخول تخطيط الإنتاج والتوزيع والتخزين والاستهلاك والتحكم فيها. يعني أنه على الرغم من ظهور الأزمة في شكل كارثة طبيعية وصعوبات تقنية، فإن كيفية التعامل معها وتجنبها أصلا، مسألة اجتماعية خاضعة بالضرورة لخيارات سياسية.
تقف هذه السياسة وراء انقطاع الكهرباء والماء في المنازل والمستشفيات والمنشآت الاقتصادية، وهي التي تقف عائقا أمام تفادي الحالات القصوى التي أدت إلى وفاة المرضى والمسنين، وهي التي تسببت في وفاة العديد من المساجين جراء الحرارة والعطش والاكتظاظ وظروف الإقامة السيئة بصفة عامة.
ورغم الاحتقان الاجتماعي الشديد الذي خلفته الأزمات المتتالية خلال هذه الصائفة، إلا أن جزءا كبيرا منه قد انحصر في استعراض رقمي لدوامة نفسية جماعية. في المقابل، ظل ممثلو الحكومة قليلي الظهور والكلام خلال هذه الفترة. أمر مفهوم بسبب عجزهم وخوفهم من الغضب الشعبي وانعدام مشروعيتهم السياسية أصلا. فهم اداريون تحت إمرة الممثل السياسي الفعلي للشعب: الرئيس. فلم يلق هذا الأخير بالا للتقارير التي قدمها المسؤولون في كل من الستاغ والسوناد، مرجعا أسباب كل شيء إلى المؤامرة الداعية لتأجيج الأوضاع. أكثر مما هي مؤججة!
لا نعرف إن كان كلامه يعود إلى عجز تام عن الاستماع حتى لوزرائه ومديريه العامين أو عن انعدام قدرة أستاذ القانون الدستوري عن فهم طرق اشتغال الواقع المادي أو عن ارتياب غير عقلاني من المؤامرات. يوجد احتمال آخر أكثر خطورة ولا يقل جدية: قد تنم هذه التصريحات عن احتقار دفين للشعب التونسي من قبل رئيس يظن أنه قادر على التلاعب به بمثل هذه الذرائع للحفاظ على سلطته.
كيف وصلنا إلى هنا؟
وصل الترتيب الاجتماعي القائم إلى درجة عالية من الاختناق تجعله غير مخوّل كي يستنبط من داخله حلولا عقلانية في مواجهة الأزمة الاجتماعية.وفعلا صار أغلب الناس مقتنعين اليوم أن السلطة الحاكمة، مكثفة في رئيسها، عاجزة عن حل مشاكلهم وتحسين حياتهم.
يتطلب حل المشاكل وتغيير الأوضاع فهم مسبباتها. توحي الديماغوجية الليبرالية ربيبة "الشعبوية" الحاكمة أن مسار 25 جويلية أو قيس سعيد هو سبب الكوارث التي نعيشها. هذا تشخيص خاطئ سيؤدي إلى علاج خاطئ.
يعود نقص الاستثمار في الطاقة الكهربائية إلى سنة 2015 على الأقل عندما شُرِّع لفتح سوق رأسمالي لإنتاج الطاقة في اتجاه التعويل على الاستثمار الربحي الخاص (وخاصة الخارجي) في القطاع.
تراجعت جودة ماء الحنفية هي الأخرى منذ سنين طويلة بسبب نقص الإنفاق على معالجته وصيانة البنية التحتية للتوزيع. نتيجة لذلك، صار الإقبال على الماء المعدني المعلّب جماهيريا ودائما. هذا شكل غير مباشر لخوصصة الموارد المائية. من جهة أخرى، مازال في البلاد حوالي 186 ألف نسمة غير مرتبطين بشبكة المياه "الصالحة للشراب" إلى حدود 2024. تجدر الملاحظة هنا أن نسبة التزود ارتفعت من 85 إلى 96٪ بين 1994 و2004 ولم تتجاوز 98.4٪ سنة 2021.
لا تختلف الأمور بالنسبة للصحة حيث قُسمت المنظومة بخطوط طبقية واضحة. تنفق العملة الخارجية التي يحققها عمالنا وفلاحونا لتجهيز مصحات خاصة للأثرياء. بالمقابل تجد الطبقات الشعبية مستشفيات عمومية في حالة سيئة جراء الحرمان من التمويل ونقص التجهيزات والموظفين.
تعاني الحماية المدنية وإدارات الغابات وغيرها من القطاعات التي تصعب خوصصتها مباشره من نفس النقص في الموارد والموظفين.
ما نعيشه منذ سنين هو انهيار بناء اجتماعي نتيجة تآكله تدريجيا لقرابة أربعة عقود من التقشف النيولبرالي في الإنفاق العمومي. تجلى هذا الانهيار منذ ثورة 2010-2011 لكنها فشلت في ترميمه وحتما في التمخّض عن شيء جديد. تواصلت بعدها السياسات النيولبرالية بل اتسعت وتعمقت. ففقد نتيجة ذلك الشكل البرلماني لتنظيم سلطة رأس المال التابع مشروعيته سريعا.
لم يغير انقلاب 2021 موازين الهيمنة الطبقية بل لعل سياساته قد وجهت أقسى الضربات لقاعدته الاجتماعية الأصلية المتمثلة في البرجوازية-الصغيرة بقانون الشيكات والتضييق على التجارة باسم محاربة المضاربة مثلا.
تمثلت وظيفته في إعطاء مشروعية جديدة-قديمة لنفس الدولة الرأسمالية الطرفية، عبر شخصية أستاذ قانون مستقيم ومتخلق سيحارب فساد الأحزاب والإدارة. هذه نفسها عناصر من الخطاب النيولبرالي الذي مهد لصعوده. بالتماشي مع هذه المشروعية الإيديولوجية الجديدة أعيد تنظيم الحكم في شكل رئاسي.
تعود إذن أسباب ما عشناه هذه الصائفة من كوارث إلى أمور بنيوية أبعد من قيس سعيد وحكوماته، إلى أربعين سنة من النيولبرالية. لا يصح اعتبار هذا المشروع السياسي والاقتصادي خصوصية وخيارا تونسيا. نتج بالعكس عن اختلال موازين القوى الطبقية على مستوى عالمي لصالح رأس المال الإمبريالي. ليست الدول الطرفية مثل تونس وطبقاتها الرأسمالية في موقع المبادرة بل كان عليها أن تتأقلم خضوعا لضغوطات التوجه الجديد لمراكز مراكمة رأس المال.
كارثة عالمية
أبعد من النيولبرالية وما تحمله من تدهور للخدمات العمومية، ترجع الأزمة الصيفية المركبة التي شهدناها، في جذرها الأساسي إلى ظاهرة عالمية أخرى معروفة أكثر ومنتظرة ومعلنة منذ زمن: الكارثة المناخية.
على الرغم من ذلك، تنضح مواقع التواصل الاجتماعي بانغلاق إيديولوجي قومي، ظهر في شكل جلد للذات وندب وبكاء على "تونس" و"ما آلت إليه بلادنا".من الغريب في عصر أنترنات والاندماج العالمي المتقدم أن لا يرى الناس، وخاصة الطبقات الوسطى "المنفتحة"، الطبيعة العالمية للأزمة المناخية.
في إسبانيا، تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بالحرّ 5000 حالة . على المستوى الأوروبي، يقدر أن الحرّ تسبب في 12 ألف وفاة إضافية عبر 854 مدينة.
اضطرت شركة كهرباء فرنسا إلى تقليص إنتاج الطاقة النووية بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد، مما أدى إلى إغلاق عدة مفاعلات. كما تسبب عطل في محول كهربائي بمنطقة بريتاني بانقطاع التيار عن 68 ألف منزل. وفي إيطاليا وألمانيا، تسببت الأحمال الزائدة على شبكات الكهرباء في انقطاعات متفرقة. أدى حريق غابات في صقلية إلى انقطاع مياه الشرب عن نحو 20 بلدية إيطالية. وفي إسبانيا مجددا، أتى حريق ضخم على مساحة 32 ألف هكتار وأجبر 34 بلدية على الإخلاء.
ليست هذه سوى أمثلة سريعة من بلدان متوسطية جلها أكثر تقدما وقدرات من تونس وأقل حرا منها. حكوماتها ليست "شعبوية" بل حتى يسارية تقدمية كما في إسبانيا وأنظمتها ديمقراطية ليبرالية.
لا يصعب طبعا فهم وتفهم تعبير الناس عن غضبهم من المعاناة المعيشية المباشرة جراء الحر والعطش اللذين قد يضاف لهما المرض أو خسارة القوت اليومي إلى غير ذلك من المضاعفات. من الطبيعي أن يتوجهوا أولا إلى المسؤولين السياسيين الحاكمين.
لكن أي خطاب سياسي عقلاني وجدي حول المسائل المطروحة لا يستطيع التوقف عند هذا الحد. لا يعقل الحديث عن الصائفة المنقضية دون الحديث عن الكارثة المناخية ولا يمكن الحديث عن الأخيرة دون الحديث عن الرأسمالية. ومن نافل القول بالنسبة لنا أنها منظومة عالمية استقطابية بين مراكز مراكمة وأطراف استنزاف واستغلال. تسببت مراكز الرأسمالية في الأزمة المناخية. لسوء الحظ الجغرافي، تنتظر أسوء تداعياتها في المناطق التي تعتبر أطرافا (من وجهة نظر مراكمة القيمة لا الجغرافيا طبعا). وقد بدأنا نشهدها.
لا نسطيع إذن من تونس إصلاح المناخ. سيكون علينا التأقلم حسب القدرات التقنية والإنتاجية (وبالتالي المالية) المحدودة المتوفرة. نظرا لقربها الثقافي من بعض مراكز الرأسمالية يحدث أن تنسى بعض شرائح مجتمعنا هذا الواقع المادي.
زد على ذلك أزمة النيولبرالية الاقتصادية والسياسية المستمرة منذ سنين. من الانهيار المالي في 2008 والركود الاقتصادي إلى فيروس كورونا واضطراب سلاسل الإمداد العالمية وصعود التضخم، لم تعد الوصفات النيولبرالية قادرة على فهم الأمور ولا على مجاراتها بشكل يضمن استمرارها. ويبدو أن انفجار "فقاعة الذكاء الاصطناعي" المالية صار مسألة وقت.
فضلا عن مفاقمتها للصدمات الاقتصادية، تشير الحروب في أوكرانيا وإيران إلى اختلال التوازنات الإمبريالية القديمة ما يؤكده بأكثر بساطة الصعود الاقتصادي الصيني.
هذا هو العالم الذي نعيش فيه. أما طرح المشكلة كمشكلة "تونس" أو كمشكلة تونسية فسيؤدي حتما للحل الخطأ. فقد يكفي مثلا تبني "النموذج المغربي". أو قد يكون المشكل في "النخب" التونسية أو في الشعب التونسي (بلادنا باهية أما أحنا خايبين!). وهذه متاهة لا مخرج منها.
أما إن كانت المشكلة في الحكم القائم ورئيسه فيكفي تغيير الرئيس أو إرجاع الديمقراطية الليبرالية، لتنتهي انقطاعات الكهرباء والماء… وربما تنخفض معدلات الحرارة!
على العكس من ذلك نظن أن التحدي الذي يواجهنا يستدعي مراجعة شاملة في أنماط حياتنا. مرحبا بكم في بلد طرفي تحت مناخ الرأسمالية المتأخرة!
الآن وهنا
يتطلب الوضع تثويرا شاملا لأنماط حياتنا. ينطلق من تفاعلنا مع البيئة التي نعيش ضمنها مرورا بالإنتاج والاستهلاك عودة إلى انعكاساتهما على البيئة. تثوير لا يقل عن الخروج من الرأسمالية نحو الاشتراكية.
بشكل ملموس وعاجل يتطلب استثمارات كبيرة في الطاقات المتجددة وتوزيع الماء الصالح للشراب ومعالجته من جهة، وفي البنية التحتية والحماية المدنية وحرس الغابات وغيرها لتفادي الكوارث. في نفس الوقت يتوجب إنهاء التبذير الرأسمالي بمراجعة أنماط البناء والتبريد والتنقل والاستهلاك والاستخراج إلى غير ذلك.
كلام جميل. من يسمعه وإلى من سيصل؟ من سيقتنع به ومن سيطبقه؟ بتحليل مادي تاريخي بسيط، نعرف أنه يتناقض مع المصالح المباشرة لطبقات وشرائح وخاصة منها الطبقة الرأسمالية المهيمنة وحلفائها في البرجوازية-الصغيرة والطبقات الوسطى. في نفس الوقت، ونظرا لضعفنا الراهن نعرف أنه لا يصل إلى البروليتارية وعموم الطبقات الشعبية.يمر إذن الحد من تداعيات الكارثة المناخية في بلادنا، عبر سقوط الرئيس القائم، لكنه يتجاوزه ولا ينطلق منه.
أنهت هذه الصائفة المشروعية الإيديولوجية لسلطة 25 جويلية. في شهرين اختصرت سنين من الصراخ السياسي والإيديولوجي المندد بقيس سعيد والمسار الذي أطلقه. بعد الأيديولوجيا يبقى للدولة العنف.
غير أن الأوراق الإيديولوجية للدولة التونسية لم تنته. لاحظ حتى بعض الليبراليين أن الجيش يحظى بمقبولية شعبية أكثر منهم وديمقراطيتهم. من الواضح أيضا أن الأيديولوجيا الإمبريالية السائدة لم تعد الديمقراطية الليبرالية وأن حلفاءهم من هذه الدول أقل استعدادا من الماضي لدعمهم.
في ظل هذه الموازين نستغرب من أي تفاؤل يمكن أن يثيره التفكير في سقوط السلطة القائمة في القريب العاجل. فجل السيناريوات المرجحة تنبئ بالأسوأ. لعل من المفيد تذكر إسقاط البرلمان. ألم يسد الوهم أنه سيعطي "نفسا" للبلاد؟! وفعلا أعطى نفسا لبضع أيام أو أشهر… قبل أن نصل للاختناق القائم.
أمام أزمة تاريخية للرأسمالية العالمية وفي وجه هذه الاحتمالات المفزعة نتساءل اليوم: أين هم الشيوعيون؟
فأما الانخراط في الحراك الديمقراطي الراهن فيساوي العمل على إعطاء السلطة للممثلين الليبراليين للبرجوازية التابعة. وأما السلبية والسخرية والتعالي على الواقع فليست من خصال الماركسيين.
ها نحن إذن نجدد الدعوة لنقاش برنامجي واستراتيجي وتنظيمي، والبحث تفكيرا وتجربة عن سبل الوصول إلى البروليتارية والطبقات الشعبية ببرنامجنا وتنظيمنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق